هل قررت المعارضة السورية اختصار البرجوازية الوطنية في سهير الأتاسي؟

الأحد 2013/09/08
دأبت الأتاسي على الخروج مع تباشير المظاهرات الأولى في الثورة السورية

دمشق- لم تعرف المنطقة العربية، بأجمعها، تشكّلاً كاملاً وناضجاً للوعي البرجوازي، وتمثّلاً سياسياً واقتصادياً وفكرياً له، كما عرفته سوريا في السنوات التي سبقت انهيار الامبراطورية العثمانية وما تلاه، وكان لتلك البرجوازية الوطنية الدور الأكبر في خلق المعطيات السياسية للبلاد، التي خرجت من ظلّ تبعية إلى الأمة العثمانية الإسلامية، لتدخل في تبعية جديدة للأمة العربية، (نشأت على مبدأ أن السوريين رعايا هذه الأمة أو تلك) عبر تقدّم الفكر القومي وهيمنته على الساحة العربية، وكانت المفارقة أن أبرز أنبياء القومية العربية هم من السوريين، ولكنهم لم يكونوا الأكثر استفادة من ثمارها وانتصارها في تلك الأزمنة.


المدن السورية والوعي المدني


ولسبب ما، فقد أدى وجود مدنٍ كبرى كانت مراكز صناعية وتجارية عالمية، كدمشق وحلب، ومعهما حمص واللاذقية، وحماة بشكل أقل، في القرن التاسع عشر، إلى تشكّل الأخلاق المدنية بين سكان تلك المدن، والعادات والتقاليد الأكثر تمدناً كما يقال، فبرز فكرٌ مختلف عن بقية الأنحاء السورية، عمل على التعاطي مع بقية مكونات الشعب، كأتباع للإقطاعي، دون فوارق كبيرة، بين الإقطاعي والبرجوازي، وكان لابدّ أن تترك للزمن كي يحسمها، وبدأت المراكز البرجوازية في قيادة الشعب إلى خياراتها التي ارتأتها، ومنها كان الاندفاع الكبير في المشاركة في ثورة الشريف حسين ضد الأتراك، ثم الانجرار وراء المشروع الأميركي الذي لم يكتمل، والذي كان قد بدأه المستر كراين بزيارته إلى سوريا والأبحاث التي أجراها وأدت إلى عدم تدخل الولايات المتحدة في الشأن السوري، وكان الجواب على المسألة الشرقية: هل تستطيع شعوب هذه المنطقة أن تحكم نفسها بنفسها؟ غامضاً، موارباً، فسّره النأي الأميركي عمّا يحدث في بلاد الشام، والتقدّم الاستعماري البريطاني والفرنسي بعد زوال الترك.

وكما يصف الباحث عبدالله حنا، فقد حدثت نقلة في العام 1918 من خط الجامعة الإسلامية ونظام الطوائف والملل إلى خط الوطنية والقومية، حسب المفهوم البرجوازي الأوروبي للقومية المتداخل مع المفهوم الخلدوني (نسبة إلى ابن خلدون) للعصبية، ومن الزمن العثماني كان قد بقي في سوريا بعض العائلات ذات النفوذ الاقطاعي الذي تحوّل إلى حضور مجتمعي أكبر فيما بعد، العظم، الجابري، القوتلي، العظمة، السباعي، الجندي، الحمزاوي، العابد، مردم بيك، أبو الشامات، الصواف، الإلشي، الأغوات، اليازجي، الباشاوات والأتاسي… وغيرهم.

وتعدّ عائلة الأتاسي (الشيخ ـ الزعيم) باللغة التركية، إحدى تلك العوائل التي استمرّت في المحافظة على حضورها عابرةً الأزمنة، منتقلة من العهد الإقطاعي المتحالف مع العثمانيين، إلى تمثيل الشعب في مجلس "المبعوثان"، ثم في المجالس النيابية التالية، ثم رئاسة الجمهورية أكثر من مرة، لأكثر من رجل من العائلة ذاتها، فهاشم الأتاسي- الذي رأس المؤتمر السوري العام، والجمعية التأسيسية، وكذلك لجنتي وضع الدستور، وانتخب للنيابة عن حمص عدة مرات، وكان والده خالد الأتاسي مفتياً لمدينة حمص- عمل في ظل الدولة العثمانية في بيروت وحمص، وكان من المقربين من الملك فيصل الأول خلال المملكة السورية، وعرف خلال الانتداب الفرنسي على البلاد كناشط سياسي بارز مطالب بالاستقلال خصوصًا إثر تأسيسه وزعامته لحزب الكتلة الوطنية التي لعبت دورًا بارزًا في الحياة السياسية السورية قبل 1963، وخلال ذلك الزمن، شغل منصب رئيس للجمهورية السورية لولايتين الأولى بين 21 ديسمبر 1936 و7 يوليو 1939 والثانية من ديسمبر 1949 وقطعها انقلاب أديب الشيشكلي في 24 ديسمبر 1951، غير أنه تابعها من 1 مارس 1954 وحتى 6 سبتمبر 1955.

ثم نرى لؤي الأتاسي الذي جاء رئيسًا للجمهورية في23 آذار/ مارس 1963 بعد انقلاب البعث الذي كان أحد المشاركين فيه، ليتولى منصب رئيس الجمهورية، ويستمر بالمنصب حتى تقديمه استقالته في 27 تموز/ يوليو1963 إثر تعرضه لمحاولة انقلاب فاشلة.

ثم نور الدين الأتاسي، الذي تم تعيينه رئيساً لسوريا بين 25 شباط 1966 و18 تشرين الأول 1970 وهو الطبيب الذي آمن بأفكار حزب البعث، خائضاَ في سبيله الكثير من الصعوبات والاعتقالات والنفي، وحين وصل البعث إلى الحكم جرى تعيين نور الدين الأتاسي وزيراً للداخلية في آذار1963، ليصبح نائباً لرئيس الوزراء سنة 1964، ثم عضواً في مجلس رئاسة الدولة عام 1965، وشارك بانقلاب بعثي ـ بعثي أطاح بالرئيس أمين الحافظ، وخلال فترة توليه الرئاسة تم احتلال الجولان، وكان وزير دفاعه حينها حافظ الأسد نفسه، واستقال من كافة مناصبه في شهر تشرين الأول من العام 1970 احتجاجاً على تدخل الجيش في السياسية وعلى ممارسات رفعت الأسد شقيق وزير الدفاع حافظ الأسد، لينقلب عليه الأخير ويودعه السجن، ليمضي الأتاسي 22 عاماً في زنزانة قبل أن يموت بالسرطان بعد خروجه من السجن السياسي بأشهر، في العام 1992.


جمال الأتاسي والواقعية السياسية


بين هؤلاء جميعاً برز اسم الطبيب جمال الأتاسي والد سهير الأتاسي (1922ـ 2000)، كمفكر قومي عربي اشتراكي معارض، ولكنه لم يكن بعيداً عن مناخ السلطة وعن نهج العائلة في المناورة السياسية مع السلطات المتعاقبة، فكان الأتاسي من مؤسسي حزب البعث العربي الأشتراكي مع صلاح البيطار وميشيل عفلق، ولكنه أصبح ناصري التوجهات فيما بعد، وكان خط جمال الأتاسي هو الأكثر صعوبة على الاستيعاب من قبل المعارضين السوريين الثوريين، فهو صاحب نظرية الواقعية السياسية في الحياة السياسية السورية، والقائل بضرورة التعامل مع وجود نظام حافظ الأسد كواقع موضوعي، وعدم الانقلاب عليه، أو محاربته بالكفاح المسلّح، ولكن عبر تجريده من السلطات بسلسلة طويلة وتدريجية من التنازلات، وكان لهذا الخط أن يشكّل خرقاً في صفوف المعارضة السورية زمن حافظ الأسد، ليكون وسطاً بين الإسلاميين المتشددين، والطليعة المقاتلة فيما بعد، والأحزاب السياسية التقليدية، والأحزاب التي انشقّت عنها ورفضت كلياً الاعتراف بحافظ الأسد ومشروعه الاستبدادي، فنتج عنه تأسيس ائتلاف لقوى المعارضة السورية سبق الائتلاف الحالي وكان يطلق عليه (التجمع الوطني الديمقراطي) في الثمانينات، لينتهي إلى منتدى جمال الأتاسي، ولم يكن سوى بيت الدكتور جمال ذاته، الذي كان يجتمع فيه الساسة والمعارضون السوريون أسبوعياً لمناقشة الشأن العام، وقد تم إغلاقه رسمياً على يد بشار الأسد، بعد وفاة الدكتور جمال الأتاسي، وبعد أن أو رثت ابنته سهير إدارة المنتدى.

في هذا المناخ، جاءت وراثة سهير الأتاسي لمنبر والدها الدكتور جمال، لتكون أكثر من مجرد وراثة لمكانٍ للاجتماع، فقد سعت إلى وراثة المكانة التي مثّلها والدها، في أوساط المعارضة السورية، وهي مكانة صعبة وعصيّة على شخصيات كثيرة حاولت نيلها وفشلت، ولم يكن آخرها حسن عبد العظيم، نائب الأتاسي في قيادة الحركة الناصرية، فكان تأسيس هيئة التنسيق الوطنية في سوريا إحدى تلك المحاولات ولكن لم يكن ممكناً ـ للغالبية ـ تقبّل نهج الأتاسي ذاته في مناخ الثورة المتفجّر.

وقد تعرّضت سهير الأتاسي إلى المضايقات الأمنية منذ أن تابعت استقبال المعارضين السوريين في منتدى الأتاسي الذي أسسته فعلياً منذ العام 2000، وحاربت من خلاله لتأكيد دور المرأة في المساهمة والمشـاركة الفعالة. وقد تمّ انتخابها بمنصب رئيس مجلس إدارة المنتدى، وأعيد انتخابها مجدداً في عام 2005 قبل اعتقالها بثلاثة أشـهر تقريباً، لتعود وتطلق منتدى الأتاسي عبر الفضاء الألكتروني، حتى اندلاع ثورات الربيع العربي، وقد دأبت الأتاسي على الخروج مع تباشير المظاهرات الأولى في الثورة السورية في آذار 2011، في شوارع دمشق، قبل أن تصبح الثورة ممتدة جغرافياً، على النحو الذي هي عليه اليوم، واعتقلتها المخابرات السورية في 16 آذار ـ مارس 2011 ، بعد أن طالبت عبر الفضائيات بالإفراج عن سجناء سياسيين منهم المحامي أنور البني والكاتب علي عبد الله و15 طفلا اعتقلوا في مدينة درعا لكتابتهم شعارات على الجدران تقول (إجاك الدور يا دكتور) و(الشعب يريد إسقاط النظام). وقام أحد ضباط الأمن السوريين بصفع سهير الأتاسي في إحدى الوقفات الاحتجاجية، وتم اعتقالها من جديد ثم خرجت بكفالة مالية، قبل أن تخرج من سوريا هرباً من الملاحقة والاعتقال.


تداعي النهج البرجوازي التصالحي

كان لانقلاب سهير الأتاسي على ميراث أبيها، أولا، وانحيازها للخط الغاضب في المعارضة السورية، أثر بالغ في إعادة صياغة دور العائلات الوطنية السورية، مقابل ما أطلق عليه بالصوت الحكيم .


وكان لانقلاب سهير الأتاسي على ميراث أبيها، أولاً، وانحيازها للخط الغاضب في المعارضة السورية، أثرٌ بالغ في إعادة صياغة دور العائلات الوطنية السورية، مقابل ما أطلق عليه بالصوت الحكيم، الذي انضمت إليه أجنحة كردية مثل حزب الاتحاد بقيادة صالح مسلم، ويسارية كرابطة العمل الشيوعي، ممثلةً بعبدالعزيز الخيّر الذي سجنه النظام ولم تتمكن حكمة هيئة التنسيق من تحريره، وسط أنباء وتسريبات تتحدث عن وفاته تحت التعذيب رهن الاعتقال، فكان تحوّل أحد أكثر أحفاد الأتاسية الكبار، إلى العمل الثوري المباشر، والتخفي، والهروب خارج سوريا، والانضمام إلى تشكيلات الثورة والائتلاف، والموافقة على حلول عسكرية، بالتحالف مع الجيش الحر، والمنشقين، حدثاً في حدّ ذاته.

والسؤال الذي يطرح على المعارضة السورية الحالية، والتي تشكّلت من مختلف شرائح المجتمع السوري، وفي مقدمتها القوى المجتمعية الريفية، والتي كانت مسرح الثورة السورية أكثر بكثير مما فعلت المدن، هل كان الإصرار على الإتيان بسهير الأتاسي إلى سدّة العمل السياسي المعارض وتعيينها نائباً لرئيس الائتلاف الوطني، هو بسبب عملها النضالي وانتمائها للهيئة العامة للثورة، ـ والتي لم تكن متوافقة تماماً على ذلك وانقسمت على ذاتها بسبب قبول سهير الأتاسي بالمنصب وبالمشاركة أساساً في الائتلاف؟ ـ أم أن السبب الخفي هو اسم سهير الأتاسي وتاريخ والدها وعائلتها، في محاولة لملء فراغ كبير نتج عن انحسار دور البرجوازية الوطنية السورية، قسراً أو طوعاً؟

فالصورة الذهنية التي يملكها السياسيون السوريون اليوم وبعد سنوات طويلة من التنكيل بتلك البرجوازية الوطنية صانعة النهضة الاقتصادية الصناعية والتجارية والزراعية السورية، هي أنها قادرة على سرقة الأضواء من كل الشخصيات الأخرى الناشئة أو المتحدرة من أصول طبقية متواضعة عمالية أو فلاحية! ولو كان الهدف هو جلب موافقة البرجوازية الوطنية على ما يتم التوافق عليه سياسياً بين أطياف المعارضة، فإن وجود سهير الأتاسي وحده لا يكفي، بينما تغيب تلك البرجوازية تماماً عن المشهد المعارض، وهي الغائبة أصلاً عن المشهد السلطوي في العقود الأخيرة، إما للعيش في المنافي، أو باعتزال المجتمع تماماً والعيش على هوامشه، يقتات أفرادها من بقايا ملكياتهم في الهامة والغوطة في دمشق أو في بقية المناطق السورية من شمال سوريا إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، وإن اختزال البرجوازية الوطنية بشخصية واحدة ليس أكثر من تقزيم لدور تلك الطبقة الحساسة من شرائح المجتمع السوري الأصيلة.

إن وجود هذه المشكلة، إن كان عميقاً كفاية، يعكس خللاً في فهم المجتمع السوري تمارسه المعارضة، كما مارسه النظام، وكما مارسه جمال عبد الناصر عندما قام بسحق تلك البرجوزاية السورية أيام الوحدة، ومصادرة أملاكها ومصانعها وأراضيها بحجة التأميم، فتراجعت الصناعات السورية، وتدهور الاقتصاد، واختلّ المجتمع، وتطاولت فئات صعّدها البعث فيما بعد، على أبناء القيم البرجوازية الأصيلة، مختلطة مع الانتقام الثأري من الارستقراطية والإقطاع، وإن أضفنا البيئة الثورية المتحلّلة من قيودٍ كثيرة، سنجد تراجعاً كبيراً ومضاعفاً في عالم القيم في التعاطي مع تلك الطبقة، ليبدأ انتقام جديد منها اليوم، بالتشكيك والتخوين والاستهلاك، فينسدّ الأفق من جديد على أبناء ذلك الوسط الذي قدّم سوريا يوماً للعالم، وحمل مشروعها التنموي، وحافظ على هويتها الوطنية المدنية، البعيدة عن التعصّب والتطرّف، سواء كان دينياً أو عرقياً، فلم يسمع أحد يوماً من أي من الأتاسيين الكبار أنه من أصول تركية متحدّراً من الشهاب أحمد بن خليل الأطاسي في القرن السادس عشر الميلادي.

يمعن السوريون في درسهم الكبير الذي يتعلّمونه يوماً بعد يوم، ويقلّبون صفحاته التي تؤكد أن عملهم منفردين، محكوم بالفشل، وأن التقاء مكوّناتهم في ضفيرة وطنية تجمع كل المنجز السوري، بطبقاته وأحزابه ومدارسه الفكرية، ومركباته العرقية والمذهبية، تقود إلى عيش مواطنيّ مشترك، في سوريا جديدة تماماً، عريقة بامتياز.

20