هل قصّرت الدولة التونسية في مواجهة الإرهاب التكفيري

الجمعة 2015/11/27

نجاح الإرهاب في إصابة أهداف خطيرة في تونس ليس ناتجا عن تمكّنه من تونس، بل هو نتيجة لتقصير كبير في تعاطي الدولة التونسية معه منذ بدأت رؤوسه تينع في أرضنا منتصف 2011. وكانت للتقصير أوجه منها الغفلة ومنها سوء التقدير ومنها التباطؤ والتراخي ومنها العجز ومنها الاختيار والتواطؤ.

منذ أواخر العام 2011 ومطلع العام 2012 بدأت أخبار طائشة تتواتر عن وجود تحركات مشبوهة لأنفار مسلحين بهيئات سلفية متشددة في بعض الأطراف التونسية، مثل سجنان من محافظة بنزرت والروحية بمحافظة سليانة وجبال الشعانبي بمحافظة القصرين. تصدى الجيش الوطني لمتسللي الروحية واعتبر ذلك حادثا معزولا لبعض الموتورين دون أن يتبعه تحقيق دقيق، وهو تقصير اقترفته الحكومة المؤقتة سنة 2011.

وفي الوقت نفسه أنكرت حكومة الترويكا وجود مجموعة سلفية متشددة تحاول أن تفرض على الناس حكم الشريعة في سجنان، وأنكرت وجود إرهابيين يتدربون في جبال الشعانبي رغم المعلومات المؤكدة الواردة عن طريق شهود عيان. وكان هذا الإنكار، التقصير الكبير الأول الذي منح الوقت الكافي الذي تحتاجه الخلايا الإرهابية للاختباء وإعادة الانتشار. وهو تقصير في مرتبة التستّر والمساعدة.

حكومة الباجي قائد السبسي المؤقتة سنة 2011 كانت أيضا قد يسّرت دخول السلاح إلى ليبيا عبر الموانئ التونسية سنة 2011 لضرب نظام معمر القذافي دون أن يكون هناك بديل حكم حقيقي يمكن أن يضمن الاستقرار والأمن في ليبيا. وهو السلاح المنتشر اليوم بين أيدي الإرهابيين والذي يتسرّب منه إلى تونس ما يكفي لتخريبها وضرب اقتصادها ومؤسساتها واستهداف رموزها وقادتها وأعلامها. وكان هذا التقصير اختيارا لم يتحمّل مسؤوليته أحد.

حكومة الترويكا، بقيادة حركة النهضة، سمحت بإقامة مؤتمر أنصار الشريعة الإرهابي في القيروان سنة 2012 والذي كان يدعو إلى تغيير نمط المجتمع والدولة كأسلمة الإعلام والتعليم والسياحة والتجارة وكلّ مؤسسات الدولة وأنشطة المجتمع. وهذا التقصير غلّب السلفية الجهادية على المجتمع المدني التونسي إلى حين. وكان هذا التقصير في حجم التواطؤ.

الحكومات التونسية المتعاقبة إلى اليوم ترفض التصدي إلى تدفق المال السياسي على العديد من الجمعيات وبعض الأحزاب والمنظمات والمؤسسات الإعلامية. وهذا التقصير يجعل كل القرارات والإجراءات المقاومة للإرهاب مشلولة. ففي حين تشحّ فيه موارد الدولة ويعز التشغيل وتنعدم التنمية تتجول الأموال أكداسا تغري الشباب المفقّر المعطّل عن العمل والأمل وتحوله من طاقة إنتاج وإبداع إلى قوة تفجير وتدمير.

كما تقصر الحكومات التونسية المتعاقبة إلى اليوم في الترخيص لأحزاب معادية للجمهورية كحزب التحرير، الذي يَكْفَرُ بالديمقراطية والمدنية ويدعو إلى مقاطعة الانتخابات باعتبارها كفرا وينادي بنظام الخلافة. ومع ذلك يتم السماح له بالنشاط العلني بما يحرّض الشباب الغافل ويستقطبه ويجعله قريبا من التيارات الإرهابية الحركية التي تجنده وتقتل به الأبرياء.

من التقصير الخطير في مواجهة الإرهاب في تونس ذاك المتعلق بحركة النهضة الإخوانية التي لم تترك الحكم منذ 2012، حيث كانت تقوده في حكومتي الترويكا وتشارك فيه نداء تونس اليوم، فهي لم تغادر مربع الإسلام السياسي رغم كل الدماء المسفوكة ورغم كل الخراب الذي حدث في العالم العربي. ومازالت تصر على الإقامة في المنطقة الرمادية بين المدنيّة والشرع. يتأكد ذلك في كل اختبار توضع فيه مثل قرار وزير الشؤون الدينية المفتي عثمان بطيخ القاضي بإقالة أئمة منسوبة إليهم تهم التشدّد والدعوة إلى الجهاد في الخارج والاصطفاف الحزبي. فالحركة لم تقف مع الوزير الذي تشاركه الحكم، بل وقفت مع الإمام الذي تشاركه الدعوة.

من أوجه التقصير أيضا ما يخص حكومتيْ الترويكا المتهمتين باختراق أجهزة الأمن والاستعلامات وربما القضاء والدبلوماسية وبزرع خلايا الأمن الموازي والدبلوماسية الموازية عبر الانتدابات المشبوهة والتعيينات على الهوية. هذه الأجهزة في حاجة إلى الكشف، ولا يمكن أن تنجح مقاومة الإرهاب في تونس دون تفكيك هذه الأجهزة والخلايا.

من الثابت اليوم أن أبرز عوامل الإرهاب في تونس هي حركتا الدخول والخروج مع العراق وسوريا وليبيا. فليس العراقيون والسوريون ولا الليبيون هم من يمارسون الإرهاب في تونس بل تونسيون ذهبوا إلى بؤر التوتر هذه وعادوا ليطبّقوا إرهابهم على الأرض التي أرضعتهم ماءها. ومع ذلك فإن مراقبة جمعيات التجنيد وخلايا الاستقطاب مازالت بطيئة جدا، وهي عملية مرتبطة بمراقبة تدفق المال السياسي المشبوه أيضا وبمراقبة النشاط الإرهابي الرقمي.

الغريب أيضا أنّ تونس من الدول القلائل التي تحمي حدودها من الداخل فقط، فهي تعرف جيّدا من أين يأتيها الإرهاب، ولكنّها فشلت في رسم استراتيجية التعاطي معه في مظانه. مثلا، يأتي الإرهاب من تونسيين موجودين في سوريا فكان الحلّ آنذاك هو قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا في عهد الترويكا، فانقطعت المعلومات الاستخباراتية والتعاون الأمني.

ولا تعرف تونس اليوم على وجه الدقة عدد الإرهابيين التونسيين المقاتلين هناك. ولذلك فإنّ عملية مراقبتهم بعد عودتهم إلى تونس ليست سهلة بل غير مجدية تماما، لأنّ نفرا منهم تمكّن من الخروج ثم التسلل من جديد إلى تونس بعيدا عن أعين السلطات. وهذا النفر مهما كان عدده قليلا فهو كاف للتجنيد والتنفيذ والتخريب.

ويأتي الإرهاب من تونسيين في ليبيا فكان الحل اعتراف تونس، خلافا لبقيّة دول العالم والأمم المتحدة، بحكومتين وبرلمانيين في عهد حكم الائتلاف الرباعي سليل انتخابات 2014. وهو القرار الذي جعل تونس تسقط لعبة سهلة بين أيدي الميليشيات، إذ كلّما اعتقلت السلطات التونسية إرهابيا ليبيا احتجزت الميليشيات في ليبيا تونسيين للمساومة، فتضطر تونس لإطلاق الإرهابي الموقوف.

كاتب وباحث سياسي تونسي

8