هل قطعت الأسرة العربية مع تقاليد رمضان

آباء يحاولون تمرير تقاليد شهر الصيام إلى الأبناء بدءا من المطبخ وصولا إلى اللمة العائلية.
الثلاثاء 2019/05/07
فرحة بلمة العائلة

تتغير الكثير من عادات الأسرة العربية بمجرد حلول شهر رمضان، وأحيانا حتى قبل بدايته استعدادا له. وتشهد غالبية البيوت العربية كما الأسواق حركية مكثفة. كما تختلف مائدة الإفطار من حيث المأكولات والتنوع عن الموائد في الأيام العادية، ويفضل غالبية الناس اللمة الأسرية حول المائدة وفي السهرات. ولكن يرى بعض المراهقين والشباب أن هذا النمط الذي يفرضه شهر رمضان لا يلائمهم، ويعتبرون إلحاح الآباء على اللمة العائلية يحد من حرياتهم في الخروج والسهر، وحتى تناول أطعمة خارج البيت ومختلفة عن الأطباق التقليدية التي تعدّها الأمهات خصيصا لرمضان.

تقضي ربات البيوت والأمهات عموما فترة طويلة في الاستعداد لاستقبال شهر رمضان، فالكثير من الأسر العربية تهتم بتوفير المؤونة وشراء كل ما يلزم للمطبخ وغيره ووضعه في البيت، وهناك من العائلات من تقوم بترتيب البيت وتجديد أثاثه أو ديكوره ودهنه أحيانا، وخاصة المطبخ واقتناء الأواني الجديدة بالمناسبة، وهذه العادات تشترك فيها غالبية الأقطار العربية. ومازلنا نلاحظ سنويا تلك الحركية التي تسبق شهر الصيام استعدادا له في الأسواق والمنازل العربية على اختلافاتها، كما نلاحظ تغير أجواء السهرات العائلية، حيث مازالت الكثير من العائلات تفضل اللمة العائلية في الإفطار وفي السهرات بالرغم من المنافسة الشديدة للجلسات العائلية مع إغراءات السهر أمام التلفزيون وعلى الدراما الرمضانية.

وفي تونس تحاول معظم الأسر المحافظة على عاداتها وتقاليدها الخاصة بشهر رمضان فترى السيدات يجتمعن كل ليلة في بيت واحدة منهن ويكن في ضيافتها، حيث تقدم لهن القهوة أو الشاي وأطباق الحلويات ويتبادلن أطراف الحديث، أو يمضين السهرة في إعداد حلويات عيد الفطر بالتداول، ويتابعن مسلسلات رمضان والأعمال التلفزيونية خلال هذه السهرات. أما الرجال والشباب فيفضل أغلبهم إمضاء السهرات في المقاهي حيث يجتمعون ويتبادلون أطراف الحديث، وكذلك يتابعون الأعمال الدرامية الرمضانية هناك أو في البيوت.

هذا بجانب العادات الدينية مثل تأدية صلاة التراويح والحرص على تبادل الزيارات العائلية، وتقول فاطمة الطرابلسي ربة بيت لـ”العرب” “مع حلول شهر رمضان المعظم تستعد كل العائلات لاستقباله فيتم توفير كل متطلباته كل واحد حسب قدرته الشرائية، وأكثر من قدرته في أكثر الحالات”، وتضيف الطرابلسي “بالنسبة إلى غالبية التونسيين يعدّ رمضان شهر اللمة حيث تحرص الأسر على التزاور لأن اللمة العائلية لها نكهتها الخاصة في رمضان”.

السعي للحفاظ على العادات المصاحبة لرمضان تقوده ربات البيوت انطلاقا من العولة وصولا إلى عادات السهرات العائلية

وتتابع “بعض الناس والأسر يحرصون على العودة إلى بلدانهم حيث العائلة الكبيرة لتمضية شهر رمضان مع الأهل والأقارب، ومن العادات التي تحافظ عليها العائلات التونسية إعداد الأطباق التقليدية المنزلية، والتي تستهلك بكثرة في شهر رمضان مثل “شربة الشعير”، وهي طبق رئيسي لا تخلو منه الموائد التونسية، بالإضافة إلى تخزين التمور التي تتناول في الإفطار مع اللبن، بجانب إعداد البهارات في المنزل والبسيسة والقهوة العربية وغيرها”.

ويرى مختصون في علم الاجتماع أنه بالرغم من الحداثة التي تبدو طاغية على نمط معيشة العائلات التونسية والفردانية التي اتسم بها المجتمع والتعلق بالهواتف المحمولة وبمواقع التواصل الاجتماعي الذي بات من سمات الشباب اليوم، وكذلك كسل بعض البنات وربات البيوت وخضوعهن لإغراءات التلفزيون ومتابعة المنوعات والأعمال الدرامية، إلا أن رمضان يعيد لغالبية العائلات التونسية عاداتها وتقاليدها ليس فقط في موائد الإفطار بل في كل تفاصيل الحياة اليومية من حركية الشوارع والأسواق إلى السهرات واللمات العائلية والنسائية، فغالبية ربات البيوت والآباء مازالوا متمسكين بعادات وتقاليد رمضان، ويحاولون بدورهم تمريرها لأبنائهم لكي تتناقلها الأجيال.

ولا تختلف الأسر التونسية عن نظيرتها الجزائرية من حيث التشبث بعادات وتقاليد شهر الصيام وعدم استبدالها بالكسل والتلفزيون والإنترنت، حيث يرى الصحافي الجزائري صابر بليدي أنه رغم ارتباط شهر رمضان بالكثير من الممارسات والطقوس الاستهلاكية في إلجزائر مثل بقية الدول العربية، حيث يتوجه اهتمام الأسرة الى ما تتزين به الموائد وما تعرضه القنوات التلفزيونية، مما حول المناسبة الدينية إلى فرصة للاستهلاك، إلا أنه بالمقابل ما زالت عادات وتقاليد العائلات وكذلك المجتمع على قلتها وعزلتها تكرّس البعد الروحي والاجتماعي للشهر الفضيل، حيث تنتظم أفراح ختان الأطفال، وتبادل الزيارات وتفقّد أحوال المرضى في المستشفيات، ومختلف مظاهر التكافل والتضامن مع الفقراء، وهي مظاهر تلاحظ بشكل لافت في الشهر الفضيل.

من جانبها تقول الصحافية المصرية إنجي طه محمود في تصريح للـ”العرب” “مازلنا في مصر نحافظ على معظم تقاليدينا وعاداتنا التي اعتدنا ممارستها مع قدوم الشهر الكريم، فنحن نستقبل رمضان بالزينة وشراء الفوانيس وتعليق الأنوار، ونتبادل الزيارات العائلية، ومازال الجميع يقبل على شراء ‘ياميش رمضان’ المكسرات، الزبيب، قمرالدين، البلح…”.

ويلاحظ الإعلامي محمد العلوي أن المغاربة يستقبلون شهر رمضان مهنئين بعضهم البعض قائلا “كل شيء مختلف ومميّز في هذا الشهر، العبادات، التقاليد والوجبات، ويعتبر رمضان شهر الإيمان والتآخي والتضامن بلا منازع في كل شيء وحتى الأمور البسيطة توحي بقيمة هذا الشهر الفضيل، حيت تجد المساجد مكتظة بالمصلين في كل الأوقات وبالأخص عند صلاة التراويح، إضافة إلى قراءة القرآن الكريم والتسبيح والصدقات والتبرعات وتحضير الإفطار الجماعي للمساكين والفقراء من طرف الميسورين وبعض الجمعيات الخيرية”.

عادات وتقاليد شهر الصيام تتناقلها الجيال
عادات وتقاليد شهر الصيام تتناقلها الجيال

ويشير العلوي في حديث لـ”العرب” في المقابل و”نظرا للتحولات القيمية التي طرأت على سلوكيات المغاربة في السنوات الأخيرة أصبحنا نلاحظ أن نمط الاستهلاك طغى على الطابع الروحاني لهذا الشهر كون التركيز يكون على الأطباق والأصناف المتنوعة والتنافس في اقتناء المأكولات بشكل خاص، إضافة إلى نقص مستوى الزيارات والتجمعات بين الأهل والأصدقاء التي لم تعد كما كانت من قبل، وأيضا غياب تبادل المأكولات و’الشهيوات’ بين الجيران”.

ومثلما يتغير نمط الأكل في رمضان يتغيّر وقع الحياة اليومية في جل البيوت العربية وتحاول الكثير من الأسر الحفاظ على العادات والتقاليد، سواء في التحضيرات لرمضان أو في إعداد الأطباق التقليدية أو في السهر مع العائلة أو الأصدقاء والأقارب والأجوار في لمات تحضر فيها الحكايات والنكات والقهوة العربية أو الشاي كل عائلة حسب عاداتها وثقافتها.

وتقود هذا السعي للحفاظ على العادات والتقاليد المصاحبة لشهر رمضان الأمهات وربات البيوت انطلاقا من التحضيرات والعولة أو المؤونة مرورا بالمطبخ، وصولا إلى عادات الأكل والتجمع العائلي والسهرات مع الأحباب، ويحاول الآباء بدورهم التأثير في الأبناء وخاصة منهم المراهقين والشباب الذين يرفضون اتّباع هذه العادات التي تلزمهم بالأكل في البيت مثلا والاستغناء عن وجبات الشارع الخفيفة وتلزمهم بقضاء وقت مطول نسبيا في السهر مع والديهم وإخوتهم، بجانب عزوف أغلبهم عن أداء الزيارات العائلية والواجبات الاجتماعية، والتي يجدون في رمضان إصرارا أكثر من والديهم على القيام بها.

ولا يعني المحافظة على غالبية العادات والتقاليد المرتبطة برمضان في الأسرة العربية أنها مازالت كما هي، بل إن العديد من التغييرات لحقت -ولو نسبيا- ببعضها بحكم التطور التقني وتغيّر نمط الحياة العصرية، وهو ما نلاحظه من في أشياء بسيطة منها تدخل التكنولوجيا حتى في عادات الطبخ وعادات الأوقات العائلية المشتركة وغيرها.

21