هل قلب اغتيال سليماني قواعد الاشتباك الأميركي الإيراني

محللون يرون أن واشنطن تجاوزت الخطوط الحمر المعتمدة مع طهران، فيما بقي رد الأخيرة تحت الخطوط الحمر مستدرجا عودة الولايات المتحدة لقواعد الاشتباك القديمة.
الثلاثاء 2020/01/14
هل فهم خامئني رسائل واشنطن

لا تزال عملية اغتيال أميركا قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في العراق، تثير كثيرا من التساؤلات عما سيأتي بعد هذا الحدث، خصوصا في  شأن قواعد الاشتباك بين الخصمين في منطقة الشرق الأوسط. وهل  قتل سليماني هو توجه  جديد سيقطع مع السياسات السابقة للإدارات الأميركية المتعاقبة أم أنه حدث عابر أملته توجهات دونالد ترامب وأجندته الانتخابية؟.

لندن - يدرس الباحثون  التحول البنيوي الذي طرأ على مقاربة الولايات المتحدة التاريخية لتعاملها مع إيران منذ اغتالت طائرة أميركية مسيرة قاسم سليماني.

ويسعى هؤلاء إلى عدم التسرع في إصدار أحكام حول ما إذا كان موقف واشنطن استراتيجيا نهائيا يريد القطع مع سياسة احتواء انتهجتها الإدارات الأميركية، أم أنه حدث ظرفي له علاقة بالرئيس دونالد ترامب وأجندته الانتخابية.

وسال حبر كثير في تفسير سبب اتخاذ واشنطن قرار اغتيال سليماني، خصوصا أن وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أقر بعد عملية الاغتيال بأن بلاده لا تملك أدلة على خطط كان سليماني يعدها لمهاجمة مصالح أميركية.

غير أن خبراء في الشؤون الاستراتيجية يحيلون أمر هذا القرارعلى ذاكرة الأميركيين الذين لا يريدون تكرار كابوس ما تعرضت له سفارتا الولايات المتحدة في إيران وفيتنام قبل عقود.

ويقول الدكتور جيلبير الأشقر، الأستاذ في كلية الدراسات الشرقية الأفريقية في جامعة لندن، إن “الهجوم على السفارة الأميركية في بغداد هو ما دفع ترامب إلى اتخاذ قرار اغتيال سليماني”. ويضيف الدكتور ديفيد بولوك، الباحث في معهد واشنطن، أن “سليماني كان مسؤولا عن مقتل آلاف من الأبرياء في السنوات الأخيرة”، بما يبرر ما فعلته واشنطن.

ويلفت الأشقر إلى أن “النظام الإيراني استغل عملية اغتيال سليماني في شكل لم يسبق له مثيل”، من خلال العمل لتعظيم جنازته على نحو يظهر زحف الإيرانيين في المحافظات الإيرانية والتصاقهم بنظامهم.

ارتباك إيراني

جيلبير الأشقر: لا مثيل لتوظيف إيران مقتل قاسم سليماني
جيلبير الأشقر: لا مثيل لتوظيف إيران مقتل قاسم سليماني

ومن يراقب الأداء الإيراني منذ اغتيال سليماني يستنتج بسهولة مقدار الارتباك الذي أصاب أصحاب القرار نتيجة اختراق واشنطن لستاتيكو العلاقة مع إيران. ومن يراقب التناقض الفاضح بين مستوى الوعود التي أطلقتها المنابر السياسية والعسكرية الإيرانية للرد على اغتيال سليماني ومستوى الرد الذي استهدف القوات الأميركية في قاعدتي عين الأسد وأربيل في العراق، يلاحظ تخبطا استراتيجيا في اتخاذ القرار في طهران يعد سابقة.

وعلى  رغم  جسامة الأضرار التي ألحقها اغتيال سليماني بسمعة النظام في إيران وهيبته إلا أن طبيعة الرد “المدبر” الإيراني والذي أبلغت واشنطن به قبل ساعات، بما يسمح باتخاذ تدابير السلامة والوقاية تعكس قرارا إيرانيا بقراءة دروس الموقف الأميركي الجديد وتجنب جرّ الولايات المتحدة إلى حرب ستطيح حكما بنظام طهران كما أطاحت سابقا وبالحرب أنظمة أفغانستان والعراق ويوغوسلافيا.

ويرى مراقبون إن تغريدة وزير الخارجية الإيراني بعد قصف عين الأسد وأربيل، حين أعلن أن ذلك هو رد إيران الوحيد هي إعلان أقره المرشد علي خامنئي، وأن تصريح الأخير لاحقا بأن الرد ليس سوى صفعة غير كافية لا يعدو كونه موقفا للاستهلاك الداخلي ولدى الميليشيات التابعة لطهران في المنطقة.

ويقول محمد صالح صدقيان، وهو أكاديمي وباحث في الشؤون الإقليمية، إن “اغتيال سليماني هدفه توجيه رسالة إلى إيران بأن الخطوط الحمر لم تعد موجودة”، ويرى أن “إيران لم تكن راغبة في فتح مواجهة مع الولايات المتحدة”.

غير أن محللين يرون أن واشنطن تجاوزت فعلا الخطوط الحمر المعتمدة وانقلبت على قواعد الاشتباك مع طهران التي بقي ردها دون الخطوط الحمر، مستدرجا عودة الولايات المتحدة إلى قواعد الاشتباك القديمة.

ويتساءل مراقبون عما إذا كان الرد الإيراني نهائيا أم هو “خطوة في طريق طويل لإخراج الوجود الأميركي من المنطقة”كما ردد الأمين العام لحزب الله في لبنان حسن نصرالله.

أحمد أبودوح: إيران تريد تحقيق بعض المكاسب لتسويقها كانتصار
أحمد أبودوح: إيران تريد تحقيق بعض المكاسب لتسويقها كانتصار

ويستبعد أحمد أبودوح، وهو مستشار صحيفة إندبندنت البريطانية، أن يكون قصف قاعدتي عين الأسد وأربيل هو الرد الإيراني الوحيد، ويعتبر أن “إيران تريد تحقيق بعض المكاسب لتسويقها في الداخل كانتصار”.

ويشدد على أن “لا أحد في الإدارة الأميركية يريد الحرب الشاملة ضد إيران”، وهو غير مقتنع بأن طهران لا تحضر ردودا انتقامية أخرى، ويرى أن “الردود الإيرانية لن تتوقف لكنها ستكون محدودة”.

ويسلط  مراقبون مجهرا على “الإمبراطورية الإيرانية” التي عمل سليماني على الإيحاء بها من خلال إشرافه على زرع ميليشيات تابعة لإيران في سوريا والعراق واليمن، إضافة إلى لعبه دور صلة الوصل بين المرشد وزعيم حزب الله في لبنان، وإشرافه على إرسال الدعم إلى حركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة. إلا أن التطورات في العراق، ميدان الصدام الأميركي الإيراني، تطرح أسئلة حول مستقبل هذا البلد بعد اغتيال سليماني.

مسار التهدئة

يقول الدكتور إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي، إن “إيران ماضية نحو مساحة التهدئة مع الولايات المتحدة”، لكنه  يرى أن “العراق سيتحول إلى ساحة اشتباك دائم إذا لم يتغير الواقع الحالي”.

ويرى مراقبون أن استخدام إيران لنفوذها لدى  الطبقة السياسية العراقية هو ما أدى إلى تصويت البرلمان على قرار يطلب من الحكومة العمل لاخراج القوات الأجنبية من البلاد، بما يعني أساسا خروج القوات الأميركية.

محمد صالح صدقيان: طهران لم تكن ترغب في مواجهة واشنطن
محمد صالح صدقيان: طهران لم تكن ترغب في مواجهة واشنطن

ويلفت الشمري إلى أن “مسألة انسحاب القوات الأميركية من العراق ستؤدي إلى انقسام مجتمعي”، وهو أمر أثاره رئيس البرلمان  محمد الحلبوسي حين تحدث في الجلسة التي صوتت للقرار، موحيا بأن القرار شيعي بسبب حضور النواب الشيعة وغياب  النواب السنة والأكراد.

ويرى الأشقر أنه ليس صحيحا أن الولايات المتحدة تريد الانسحاب من المنطقة، ويقول: “ترامب يريد الانسحاب مما يعتبره غير متناسب مع مصالح بلاده في المنطقة”، غامزا من قناة قراره الانسحاب من شمال سوريا.

ويستبعد دخول  طهران في مفاوضات مع واشنطن في ظل النظام الحالي، فيما يؤكد بولوك أن “أميركا مستعدة للتفاوض مع إيران ولا تريد حربا شاملة ضدها”. في المقابل يقول صدقيان : “إن كانت هناك فرص جديدة للتفاوض فستكون على قواعد اشتباك جديدة“.

وعلى  رغم  توقع بعض المراقبين تغييرا عقلانيا في قراءة النظام الايراني للمشهد الأميركي الجديد بعد اغتيال سليماني، فإن الكاتب اللبناني لقمان سليم يرى أن “مقتل سليماني لن يغير الكثير من سلوك إيران في المنطقة”. ويضيف  أن “ترامب أرسى عقيدة جديدة مع النظام الإيراني باغتيال سليماني، فقد بات يعتبر أن إيران تتحمل أعمال وكلائها في المنطقة”، مستبعدا في المديين  القريب والمتوسط التوصل إلى حل دبلوماسي.

6