هل قيم الأخبار بحاجة إلى إعادة تعريف

الخميس 2015/01/22

لم تتكرر جملة على مدار الأيام الماضية بقدر ما أعيد استخدام كلمات الحساسية والمسؤولية العالية وقيم الأخبار وحرية التعبير، في كل من تناول التعليق على جريمة شارلي إيبدو، إلى الدرجة التي وجد فيها المتخصصون في النظريات الإعلامية أنهم في موقف جديد لإعادة تعريف قيم الأخبار أو هكذا فرضت عليهم الأحداث، وكيف بمقدورهم أن يجعلوا من متراجحة حرية التعبير مع القيم الإخبارية، في متناول الجمهور بوضوح أكثر مما كان عليه الحال قبل جريمة باريس؟

ومع إن الصدام الحقيقي هو بين حرية التعبير وعدد صغير من القتلة، إلا أن كاتبا بريطانيا مثل مهدي حسن المحرر السياسي في موقع هافينغتون بوست يطالب السياسيين والإعلاميين بأن يتمالكوا أنفسهم، فليس بيننا من يؤمن بالحق المطلق في حرية الكلام، كلنا نتفق على أنه ستكون هناك دائماً خطوط لا يمكن تجاوزها، بقوة القانون والنظام، أو لا ينبغي تجاوزها بقوة الذوق واللياقة، وما نختلف عليه لا يعدو الموضع الذي ينبغي رسم هذه الخطوط فيه.

ويأمل في “تجربة التفكير” التي اقترحها أستاذ الفلسفة بجامعة أوكسفورد بريان كلوغ، الذي تخيل لو أن رجلاً انضم إلى “مسيرة الوحدة” التي أقيمت في باريس مرتدياً شارة تقول (أنا شريف) وشريف اسم أحد القتلة في جريمة شارلي إيبدو.

كيف كان ليأتي رد فعل المحتشدين في المسيرة؟ هل كانوا ليروا في هذا الفرد بطلاً يدافع عن الحرية وحرية الكلام؟ أما كانوا ليستشعروا في تصرفه إساءة بالغة؟

سنجد المساحة شاسعة في اختلافنا جميعا على مثال هذه التجربة المقترحة من أستاذ فلسفة، فيما سيكون الأعلام حذرا وليس بوسعه أن يكتفي بمجرد الاستيعاب والتعويل على مفهوم حرية التعبير، إنه مطالب أيضا بإيجاد ما يجعل الجمهور مقتنعا، وهذه أزمة إعلام ما بعد شارلي إيبدو.

صحيفة مثل الغارديان ما كان بوسعها أن تكون في جانب واحد من هذه الفجوة، مع إنها رفضت نشر رسومات الكاريكاتير مثار الخلاف، لأنها وفق كريس إليوت محرر صفحة القراء لا تنوي تغيير قيمها التحريرية، مع إنها واجهت استفزازات على وسائل التواصل الاجتماعي معتبرة عدم نشر الرسومات بـ”الموقف الجبان” المعارض لحرية التعبير.

ولم تكن الصحيفة البريطانية قد اتخذت قرار عدم نشر رسم النبي محمد (ص) الكاريكاتيري، خضوعا لرغبة رجال الدين، لكن قيمها الإخبارية وفق إليوت، أدركت أن الحساسية الثقافية والدينية تعتبر أي تمثيل مرئي للنبي محمد يعد إهانة من قبل معظم المسلمين.

والجدل الذي حصل داخل هيئة تحرير الصحيفة يوضح العبء الجديد على وسائل الإعلام وليس على الغارديان وحدها، عندما طالب عدد من المحررين بإعادة نشر الرسوم كتعبير عن التعاطف مع الصحفيين القتلى من قبل متشددين رافضين لهذا الأمر.

ثمة انقسام واضح وثمة آراء تدافع عن قناعاتها بطريقة مقبولة، وفي المحصلة هناك إعلام مطالب بألاّ يترك قيمه مسألة نسبية قابلة للتفسير الازدواجي، الأمر الذي يدر بالنفع على المتطرفين ورجال الدين المسكونين بقرون الظلام، مثلما “يحمي السياسيين من عواقب الغباء الخاصة بهم” وفق تعبير بعض الصحفيين، لذلك يطالبون المشرعين وفق مستوى الجودة الأخلاقية بأن يلاحظوا أن الصحافة غير المقيدة هي الضامن الأمثل للديمقراطية وأفضل بكثير من التشريعات القانونية.

18