هل كانت زيارة القاهرة بداية المواجهة الشاملة لقيس سعيد مع الإسلاميين؟

قيادات حركة النهضة تكثف من هجماتها على الرئيس التونسي.
الخميس 2021/04/15
دحرجة الكرة إلى ملعب الإسلاميين

سلطت هجمات قيادات حركة النهضة الإسلامية في تونس على الرئيس قيس سعيد الأيام الماضية الضوء على مواجهة بدأت تلوح في الأفق بين الطرفين ما يشكل مدعاة للتساؤل عن أسباب تلك الهجمات وملامح المواجهة بين الرئيس سعيد والحركة الإسلامية.

تونس – أنهى الرئيس التونسي قيس سعيد نهاية الأسبوع الماضي زيارته إلى مصر ليفتح بذلك الباب أمام التساؤلات بشأن ملامح المرحلة المقبلة من مواجهته مع الإسلاميين في تونس خاصة أن قيادات من حركة النهضة، التي تُعد الذراع الرئيسية لهم، لم تتردد في الإعراب عن مخاوف من تلك الزيارة.

وبالرغم من أنه تحاشى ذكر حركة النهضة التي يقود ضدها معركة منذ فترة خلال زيارته إلى القاهرة غير أن قيادات من الحركة الإسلامية لم تتوان في مهاجمة قيس سعيد معتبرة أنه سيفتح مواجهة شاملة ضد “الديمقراطية” وهي في الواقع ذريعة تتخذها الحركة منذ سنوات في مواجهتها لخصومها.

يُحيل تحرك تلك القيادات لاسيما المقربة من دوائر رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي على غرار صهره رفيق عبدالسلام لمهاجمة الرئيس سعيد إلى التساؤل بشأن إمكانية تغيير الرجل لقواعد الاشتباك مع الحركة بعد أن اقتصر في وقت سابق على معارك سياسية ودستورية بامتياز.

هجمات قيادات النهضة تطرح تساؤلات بشأن إمكانية تغيير قيس سعيد لقواعد الاشتباك مع الحركة الإسلامية

منذ سنة تقريبا نجح قيس سعيد في التصدي لمناورات النهضة رغم ما رافق ذلك من انتقادات لشخصه حيث أفشل التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أقدم على الخطوة تحت ضغط من النهضة قبل أن يضيف إلى ذلك إجهاض محاولة تركيز محكمة دستورية على مقاس الحركة الإسلامية وحلفائها وفق ما يقول الرئيس سعيد.

فماهو مرد توجس الإسلاميين من زيارة الرئيس سعيد إلى مصر؟ وهل سيكون ذلك التوجس دافعا لفتح مواجهة شاملة معهم تتخذ أبعادا جديدة؟

مخاوف تخرج للعلن

بالرغم من أن أجندة الزيارة لم تكن تتضمن ملف تيار الإسلام السياسي في تونس التي تُعد آخر قلاع “الربيع العربي” إلا أنّ إسلامييها حاولوا الترويج إلى أن استهدافهم بات قريبا ومن ورائه استهداف الديمقراطية في محاولة لتأليب الرأي العام وجزء من الطبقة السياسية ضد سعيد.

يكاد يُجمع المتابعون على أن هزيمة الإسلاميين في تونس تبقى مهمة داخلية وآلياتها سياسية بامتياز حيث يتوجب تحجيم نفوذ حركة النهضة في الحكومة والذهاب في مواجهة أذرعها الإعلامية والدعوية على غرار اتحاد علماء المسلمين الذي بات في مرمى الاتهامات مؤخرا.

في المقابل، ترى حركة النهضة شأنها في ذلك شأن الحركات الإسلامية في استحضار العدو -حتى وإن كان وهميا- أداةً ناجعة لمنع المزيد من تهاوي الخزان الانتخابي وفي نفس الوقت لكسب حلفاء جدد بإثارة قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان رغم أن هذه المزاعم تنتفي في الحالة التونسية الراهنة باعتبار أجواء الانفتاح التي يعرفها المشهد السياسي.

عادل اللطيفي: فصل الدعوي عن السياسي هي كذبة كذبتها حركة النهضة
عادل اللطيفي: فصل الدعوي عن السياسي هي كذبة كذبتها حركة النهضة

غير أن ذلك لم يمنع قيادات من الصف الأول داخل النهضة من الدعوة لمواجهة “الحكم الفردي الاستبدادي” في إشارة صريحة للرئيس سعيد وكذلك رئيسة الحزب الدستوري الحر المعارض عبير موسي التي تتهمها تلك القيادات بـ”الفاشية”.

وقال النائب البرلماني والقيادي بحركة النهضة نورالدين البحيري في تعليق أثار جدلا واسعا إنه “على القوى الوطنية التعجيل ببناء الكتلة التاريخية المؤمنة بالديمقراطية والتعددية لحماية الشعب من شرور دعاة الفاشية والحكم الفردي الاستبدادي”.

ولم تكتف قيادات النهضة بتوجيه انتقادات للزيارة بل عمدت إلى إشاعة أجواء من المواجهة التي بدأت تلوح في الأفق حيث ألمح صهر الغنوشي رفيق عبدالسلام إلى أن الرئيس سعيد أصبح “بيدقا لدى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي”.

وقال عبدالسلام في تدوينة نشرها على صفحته الرسمية “مشكلة قيس سعيد أنه يتحين الفرص لنقل صراعات الحكم التي يخوضها من الداخل إلى الخارج، مثلما فعل مع السفراء الذين جلس معهم في قصر قرطاج ليقحمهم في صراعاته السياسية العبثية، وهو يبحث اليوم عن الاندراج تحت مظلة إقليمية معادية للديمقراطية ولثورات الشعوب ولروح التحرر في المنطقة”.

وتابع “ما أعجبه في بورقيبة (أول رئيس للجمهورية التونسية) هو رفضه الديمقراطية والاعتراف بالتعددية السياسية، وما يجذبه (قيس سعيد) اليوم إلى السيسي هو توجهاته العسكرية والانقلابية المعادية للديمقراطية والحكم المدني، وما سيعود به من القاهرة بعد زيارة الثلاثة أيام هو ترتيبات أمنية وأجندات استخباراتية لضرب الديمقراطية لا غير. ما يعني قيس سعيد أولا وآخرا هو أن ينصب نفسه الإمبراطور الأكبر والحبر الأعظم، ولو كان ذلك على جماجم التونسيين والتونسيات، ونسأل الله حسن العاقبة”.

ويُرجع مراقبون مخاوف الإسلاميين في تونس من زيارة قيس سعيد إلى مصر للترتيبات السياسية الجارية في المنطقة حيث اعتبر المحلل السياسي نبيل الرابحي أنّ “الإسلاميين قلقون من التطورات الإقليمية والترتيبات الجديدة في ليبيا والتقارب المصري التركي، ولم يبق للإسلام السياسي في العالم العربي سوى تونس”.

وأردف الرابحي في تصريح لـ”العرب” أن “قيس سعيد أصبح يعتبر حركة النهضة من الدولة العميقة والفاسدة، والنهضة لن تتراجع عن شن هجمات ضد الرئيس بالمناسبة ودون مناسبة لأن كينونتها أصبحت مهددة، وأصبحت هناك معركة وجود داخلها”.

أذرع دعوية

بينما كان الرئيس سعيد في مصر تكثفت الدعوات في تونس لدفعه إلى فتح مواجهة شاملة مع حركة النهضة في تونس بما ينطوي عليها من تداعيات محتملة على مختلف الأصعدة حيث دعت النائبة البرلمانية عبير موسي التي تقود الحزب الدستوري الحر المعارض إلى فتح “الملفات الإخوانية” للنهضة وأبرزها ملف اتحاد علماء المسلمين.

ويرى مراقبون أن المعركة ستكون طويلة ضد حركة النهضة خاصة مع توجهات الحركة أخيرا التي عكست عدم فصلها بين الدعوي والديني والسياسي وفقا لهؤلاء.

نبيل الرابحي: النهضة لن تتراجع عن شن هجمات ضد الرئيس لأن كينونتها أصبحت مهددة
نبيل الرابحي: النهضة لن تتراجع عن شن هجمات ضد الرئيس لأن كينونتها أصبحت مهددة

ويوضح هؤلاء أن المعركة التي اقتصرت في السابق على تجاذبات بشأن الحكومة والمؤسسات الدستورية ستنتقل حتما إلى المنظمات والجمعيات التي تعتمد عليها النهضة والمرتبطة بأطراف خارجية وبتنظيم الإخوان المسلمين على غرار اتحاد علماء المسلمين.

وبالرغم من أنها أعلنت في مؤتمر عقدته في 2016 الفصل بين الدعوي والسياسي إلا أنّ مراقبين يشككون في ذلك لاسيما بعد استماتة النهضة مؤخرا في الدفاع عن اتحاد علماء المسلمين.

وقال الباحث التونسي والمؤرخ عادل اللطيفي إن “فصل الدعوي عن السياسي هي كذبة كذبتها النهضة لا أكثر ولا أقل، وهي لا تريد الفصل الحقيقي والمطلوب والذي يتطابق مع الدستور وهو الفصل بين السياسي والديني لأن المشكل ليس دعويا، هذا تحيل تقوم به النهضة”.

وأضاف اللطيفي في اتصال مع “العرب” من باريس أن “النهضة تسعى إلى الإبقاء على الإسلام كمعطى شعبي إيماني حضاري في الحياة السياسية وفي تصوراتها الإخوانية للحكم لا أكثر ولا أقل” موضحا أن “النهضة تحاول الحفاظ على نسيجها الجمعياتي الخيري والدعوي وغيره من أجل استغلاله في المنافسة السياسية وخاصة في الانتخابات حيث يتلخص دور تلك الجمعيات الأساسي في تبييض الأموال الآتية من الخارج كما يوضحه تقرير محكمة المحاسبات (أعلى هيئة رقابية في تونس)”.

واستنتج أنه “لا شيء سيتغير بالنسبة إلى حركة النهضة في هذا الصدد خاصة وأنها بدأت تستشعر خطر الخروج من الحكم وإجبارها على الركون إلى المعارضة، ستحشد كل جهودها من أجل الحيلولة دون ذلك بما في ذلك العودة إلى الخطابات التكفيرية لتهييج الرأي العام ضد خصومها”.

ولم يتردد الرئيس سعيد في الإشارة الاثنين إلى اتحاد علماء المسلمين التي دافعت عنه النهضة بشدة مؤخرا بعد المطالبات بحله حيث قال سعيد “القرآن توجّه للمسلمين وليس للإسلاميين ولا لجمعية علماء المسلمين”.

وزاد هذا التلميح من غليان حركة النهضة الإسلامية حيث وجهت العديد من القيادات انتقادات لاذعة لسعيد على خلفية هذا الحديث خاصة أن اختياره لجامع الزيتونة لتمرير رسائله أوحى بأن الرجل ينافس النهضة على “أصلها التجاري”.

وبدا ذلك واضحا من موقف رفيق عبدالسلام حيث قال إن “رؤساء الدول الإسلامية بادروا بتهنئة شعوبهم بدخول شهر رمضان المعظم، وبثوا رسائل البهجة والتفاؤل والدعوة إلى التحابب وصفاء القلوب، إلا رئيسنا، يصر على إشاعة أجواء الكراهية والحقد، ومحاولة السطو على الدين”.

محمد صالح العبيدي: هزيمة الإسلاميين رهينة تحالف قوي ومتماسك يطيح بهم في الانتخابات
محمد صالح العبيدي: هزيمة الإسلاميين رهينة تحالف قوي ومتماسك يطيح بهم في الانتخابات

تشتت القوى التقدمية

بالرغم من أن التحركات والتصريحات الصادرة عن قياداتها تعكس حالة من التخبط لدى حركة النهضة الإسلامية في مواجهة خصومها خاصة في ظل تراجعها شعبيا وهو ما تؤكده العديد من استطلاعات الرأي غير أن مراقبين يربطون هزمها بتوحيد القوى التقدمية التي تُدافع عن مدنية الدولة و تناهض الإسلاميين.

وتعيش الأحزاب الوسطية واليسارية حالة من التشرذم ما سيكون له انعكاسات في أي من الاستحقاقات المقبلة، فبالرغم من تأكيد تلك الأحزاب على أن عدوها واحد: الإسلام السياسي بمختلف تمظهراته غير أنها لم تنجح بعد في توحيد مواقفها وجهودها أو تأسيس جبهة موحدة قادرة على الإطاحة بممثلي الإسلاميين في الاستحقاقات المقبلة.

ورأى المحلل السياسي محمد صالح العبيدي أن الصراع يبقى سياسيا بالأساس قائلا “لذلك على القوى التقدمية أن تبادر بتوحيد صفها ولم لا أن يسعى قيس سعيد نفسه لذلك، اليوم تونس في مفترق طرق وهي تواجه إفرازات 10 سنوات من حكم الإسلاميين الذين لا يؤمنون لا بالدولة الوطنية ولا برموزها ولا بالأشياء المشتركة بين التونسيين”.

وأضاف العبيدي في تصريح لـ”العرب” أن “هؤلاء (الإسلاميين) ليس لهم أي مشروع غير التمكين المستمر واختراق الأجهزة الرسمية والمساجد وغيرها، لكن هزيمتهم تبقى رهين إقامة تحالف قوي ومتماسك يخوض الانتخابات المقبلة ويطيح بهم فيها”.

وباتت حركة النهضة الإسلامية تتراجع شعبيا حيث أظهر آخر استطلاع للرأي أصدرته الأسبوع الماضي مؤسسة “سيغما كونساي” الخاصة أن النهضة تحتل المرتبة الثانية بـ20.4 في المئة من نوايا التصويت خلف الحزب الدستوري الحر بـ38.5 في المئة.

13