هل كتبت الروايات لمخاطبة اليافعين والجهلة والضجرين؟

مارينا ماك كاي تسرد في كتابها الأوجه الأساسية للفن الروائي وتأريخه عبر إلقاء ضوء فاحص على مجموعة واسعة من الروايات الأكثر شهرة على مستوى العالم.
السبت 2018/11/24
الروايات بدأت كأدب لتسلية المراهقين

غدت الرواية في العصور الحديثة الشكل الأدبي الأعظم تأثيرا منذ بواكير نشأتها كوسيلة الترفيه والإمتاع الرئيسية المؤثرة في الحواس خلال القرن الثامن عشر، لكن يبقى تاريخ الرواية جدليا حيث خاض هذا الجنس الأدبي حروبا طويلة وقاسية حتى يفرض وجوده.

تستكشف الأستاذة مارينا ماك كاي في كتابها “مقدمة كامبردج في فن الرواية” الأوجه الأساسية للفن الروائي وتأريخه عبر إلقاء ضوء فاحص على مجموعة واسعة من الروايات الأكثر شهرة على مستوى العالم كله، وتجيب كاي في كتابها على أسئلة من نوع: من أين انبثقت الروايات ولماذا نقرأها؟ وكيف نفكّر إزاء الأساليب والتقنيات الروائية وشخوصها وحبكاتها وأماكنها والسياسات المعتمدة فيها؟

ثمة بين الفصول الرئيسية في الكتاب فصول بينية صغيرة تتناول قراءات مطوّلة لبعض الأعمال الروائية المميزة ابتداءً من رواية “دون كيخوته” حتى رواية “أطفال منتصف الليل”، ويحتوي الكتاب في خاتمته على مسرد تعريفي بالمصطلحات الأساسية إلى جانب دليل توجيهي لقراءات إضافية حول الموضوع وهو الأمر الذي يجعل من هذا الكتاب إضافة مثالية لأية برامج دراسية أولية في موضوعة الرواية.

رحلة في عالم الرواية

تطرح كاي موضوعات بحثية مهمة في إطار الفن الروائي منذ نشأته حتى عصرنا الحاضر، وقد راعت المؤلفة أن يكون الكتاب مرجعية معتمدة على المستويين الأكاديمي المتخصّص والثقافي العام وتلك خصيصة تتوفّر عليها سلسلة كتب مقدّمات كامبردج ذات المستوى العلمي الرصين والمادة الفكرية الثرية.

يبتدئ هذا الكتاب رحلته بسرد حكاية تلك النشأة الروائية غير الاعتيادية قبل أن تمضي الرحلة في الإيغال بسرد السّمات والتوصيفات الشكلية الخاصة المميزة التي نُقرِنُها في العادة مع الرواية؛ في حين تختصّ الفصول الأخيرة من الكتاب بأنواع الرواية: رواية النوع الأدبي، والرواية التجريبية، والرواية الخاصة بنشأة الأمم والمجتمعات.

مادة الكتاب صممت بعناية لتكون مكتفية ذاتيا ليمكننا قراءة الفصول على نحوٍ اختياري أو خارج سياق الترتيب المحدد

يتناول كل فصلٍ ملمحاً شكلياً أو تأريخياً في الرواية باستخدام أمثلة مستمدة من مجموعة روايات تنتمي إلى طيف واسع من العصور والأمكنة، وثمة بين الفصول الرئيسية قراءات أكثر تفصيلاً وتوسّعاً لبعض الأعمال الروائية المتفرّدة، ويُقصَدُ من هذه القراءات أن توفّر القدرة على توظيف التعميمات الواردة في الفصول التلخيصية ووضعها موضع الاستخدامات التطبيقية المحدّدة.

روعي في الأعمال الروائية التي دُرِست دراسة معمّقة أن تتوافق في ترتيب تأريخ نشرها بما يجعلها قادرة على تقديم بعض الأجزاء من مسيرة الرواية -وإن لم يكن المسيرة كلها- ابتداءً من سيرفانتس حتى سلمان رشدي؛ ولكن ينبغي -في كل الأحوال- اعتبار هذه القراءات المعمّقة قراءات اختيارية.

وإذا ما كانت الفصول الرئيسية في الكتاب قادرة وحدها على توفير نظرة مكتفية بذاتها لمادة موضوعها، مثلما هو مطلوب منها أن تفعل، فإن القرّاء -من الطلبة والقراء العموميين- يمكنهم أن يختاروا أعمالاً روائية وفق ذائقتهم الخاصة ليستعيضوا بها عن قائمة الأعمال الروائية التي انتخبتها المؤلفة؛ ومع أنّ الكتاب يجنح نحو انزياحٍ تأريخي في مقاربة موضوعاته بحيث يقترب متمهلاً باتجاه يومنا هذا مع المضي في فصوله، فإن مادته الرئيسية قد صُمّمت بعناية لتكون مكتفية ذاتياً ليمكننا قراءة الفصول على نحوٍ اختياري أو خارج سياق الترتيب المحدّد لفصول الكتاب.

الأصول الإشكالية

ثمة في الفصل الأوّل الموسوم بـ”لماذا الرواية؟” مقاربة فلسفية هامة لبيان العلاقة الشائكة بين الرواية والحقيقة، وتوظّف المؤلفة في هذا الشأن مشهد الصف الدراسي الشهير الذي يفتتح به تشارلز ديكنز روايته “أزمنة عصيبة” (1854) عندما يسأل السيد غراد غريند ذو الطبيعة المتحذلقة بطلة الرواية أن تُعرّف الحصان.

تاريخ الرواية من سيرفانتس إلى سلمان رشدي
تاريخ الرواية من سيرفانتس إلى سلمان رشدي

 ومع أن بطلة الرواية “سيسّي جوب” كانت قد أمضت معظم حياتها قريبة من المُهور التي تُستَخدَم في استعراضات السيرك فقد أطرقت ببصرها وظلّت ساهمة لا تقوى على الجواب، وعند ذاك يندفع بيترز زميلها في الصف الدراسي لتقديم الإجابة المنتظرة “رباعي القوائم، يعتاش على الحشائش العائدة للفصيلة النجيلية. له أربعون سناً وبالكيفية التالية على وجه التحديد: أربعة وعشرون من الطواحن، وأربعة من الأنياب، وإثنا عشر من القواطع”.

تعلق المؤلفة بهذا الشأن قائلة “يريدنا ديكنز أن نشعر بأن هذا التعريف للحصان خاطئ بقدر ما هو صائب، وأن كل دقة الحقائق الواردة فيه لا تدفعنا في واقع الأمر للاقتراب من استيعاب موضوعة الدراسة ‘الحصان‘”. ثمّ تمضي المؤلفة في رحلة بحثية ممتعة حول تعريف الرواية والتحديثات المتتالية التي طرأت على هذا التعريف بسبب مفاعيل الزمان والمكان والبيئة الثقافية والمستجدات العلمية والتقنية وارتقاء الرؤية الفلسفية والحاجات الوجودية الجديدة.

من الغريب حقاً أن نقرأ عن نوازع الشك والعدوانية التي قوبلت بها الرواية في سنوات نشوئها الأولى في القرن الثامن عشر، وإذا كانت الرواية قد نالت تلك الأهمية الفائقة في عقودها الأولى عندما كانت بالكاد تدعى “رواية” فذلك لأنّ هذا النوع الأدبي الذائع الشهرة والانتشار بدا إنكاره وتجاهله عملاً طائشاً يتّسم بخطورة بالغة. كان الشعور السائد آنذاك بأن الروايات أولاً وقبل كل شيء تترك القارئ المدمن على الرواية وهو “ممتلئ بالتقزز والاشمئزاز إزاء كل شيء جدّي أو ذي أهمية في الحياة”، وثانياً “تزرع الرواية بذور الرذيلة والحماقة في القلب”.

في مقابل روح الشك والعدوانية السابقة، وجّهت الرواية بؤرتها الكاشفة بحسب رؤية صامويل جونسون عام 1750 نحو “الحياة في حالتها الواقعية الصادقة التي تتخللها الأزمات والحوادث مثلما يحدث يومياً في العالم”.

ويضيف جونسون “هذه الكتب (أي الروايات) قد كُتِبت بصورة رئيسية لمخاطبة اليافعين والجهَلَة والضّجِرين المُتبرّمين بالحياة: هؤلاء الذين يمكن أن تكون الرواية لهم بمثابة محاضرات في السلوك المتحضّر بمثل ما يمكنها أن تكون مداخل تتيح لهم ولوج مغاليق الحياة”.

14