هل لا تزال بريطانيا تؤمن بمكافحة التطرف؟

الخطة البريطانية لمكافحة التطرف تدور حول تحدي الأيديولوجيا الدينية للمتطرفين، لكنها لم تسع إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لانتشار الجهادية.
الخميس 2019/12/12
الطريق إلى الإرهاب فردية ومعقدة

خلّف الهجوم الإرهابي الذي وقع على جسر لندن في 29 نوفمبر بواسطة عثمان خان، الرجل الذي قضى وقتا في السجن بتهمة ارتكاب جرائم إرهابية، آثارا مأساوية حقيقية تمثلت في وفاة شابين بريطانيين مثاليين يؤمنان ويعملان لإعادة تأهيل المجرمين العنيفين، بمن فيهم الإرهابيون المدانون مثل خان.

لكنه من ناحية أخرى كشف طبيعة الجدل السياسي في بريطانيا الذي يركز على الانتقام بدلا من إعادة تأهيل المجرمين الإرهابيين.

ويقوم أعضاء من حزب المحافظين الحاكم في المملكة المتحدة بشن حملة من أجل إعادة انتخاب بوريس جونسون لرئاسة الوزراء بناء على أجندة فرض عقوبات السجن المشددة على المجرمين العنيفين، بمن فيهم الإرهابيون، لكنهم في الوقت نفسه يولون اهتماما ضئيلا بدراسة الأسباب.

إنه رهان عادل، حيث سيثبت الجزء الثاني من التداعيات أنه سيكون له تأثير أطول وأكثر استدامة على الجدل البريطاني والأوروبي الأوسع حول الجهادية.

وبمرور الوقت، سيقل الرعب بسبب وفاة كل من جاك ميريت، 25 عامًا، وساسكيا جونز، 23 عامًا، على يد خان، وكلاهما من خريجي جامعة كامبريدج وهما مؤمنان بإعادة تأهيل السجناء، لكن آثار النقاش البريطاني إلى حد ما حول كيفية التعامل مع الإرهابيين قد تستمر دون أي تردد.

بعد مرور 20 سنة تقريبا على هجمات 11 سبتمبر تحولت خطة مكافحة الإرهاب ونماذجها المتشددة إلى استراتيجية أكثر تركيزا على اتباع سياسة اللين، لكنها تعود إلى نهج التعليق والجلد. وهذا خطأ فظيع

يستشهد البعض بخان البالغ من العمر 28 عاما كمثال على عدم فعالية برامج مكافحة التطرف، باعتبار أن خان كان يحضر دورة تعليمية وإعادة تأهيل عندما نفذ الهجوم على ميريت وجونز. كما حضر خان كذلك برنامجين منفصلين لإعادة التأهيل بعد قضاء نصف عقوبة السجن، التي كانت مدتها 16 عامًا، بتهمة التخطيط لتفجير بورصة لندن.

ليس هناك ما يدعو إلى عدم تصديق مسؤول وزارة العدل البريطانية الذي لم يكشف عن اسمه، والذي قال، بعد هجوم جسر لندن، إن خان قد عُرض عليه الكثير من المساعدة لتغيير طريقته في السجن وخارجه. وذكر المسؤول البريطاني أن خان حضر “عدة برامج لمكافحة الإرهاب”.

لكن يبدو أن النتيجة كانت فشلا ذريعا، حيث بدا أنه خرج من السجن بنفس درجة العنف عند دخوله. ومن الواضح أيضا أنه ظل معارضا للنظام الذي يعيش فيه، وكذلك للأشخاص الذين تفاعل معهم بما يؤكد أنه لم يتم تأهيله أو ترويضه.

ولكن، هل يجب أن ندين العملية برمتها بناء على مثال واحد؟

قالت إميلي وينتربهام، مديرة مجموعة الإرهاب والصراع في المعهد الملكي للخدمات المتحدة “إن الطريق إلى الإرهاب فردية ومعقدة وغير واضحة، وبالتالي فإن آلية التعامل معها ستكون مقيدة دائمًا بهذا الواقع ولا يمكن التنبؤ بها في الأساس”.

ومع ذلك، يجب على بريطانيا التعامل مع التداعيات الخطيرة للأسئلة حول مكافحة التطرف كمفهوم. هناك مخاوف من أن عددا لا يُحصى من الناس مثل خان -وهم الإرهابيون المدانون الذين تم إطلاق سراحهم من السجن- يتجولون في جميع أنحاء البلاد متظاهرين بأنهم صالحون. ومع ذلك، سيتم طرح المزيد من الأسئلة عندما يتعلق الأمر بإمكانية عودة مقاتلي داعش البريطانيين وعائلاتهم من سوريا.

هل يجب إدانة العملية الإرهابية برمتها بناء على مثال واحد؟
هل يجب إدانة العملية الإرهابية برمتها بناء على مثال واحد؟

ينبغي أن يكون السؤال الحقيقي حول فعالية النموذج البريطاني لمكافحة التطرف. حتى الآن، كانت الخطة تدور حول تحدي الأيديولوجيا الدينية للمتطرفين، لكنها لم تسع إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الأساسية لانتشار الجهادية أو الشعور الأكبر بالظلم السياسي الذي يشعر به الكثيرون حول القضايا المتعلقة بفلسطين، وغزو العراق وتشويه صورة المسلمين والأقليات في الغرب.

وقبل ثلاث سنوات، قدمت لجنة، بتكليف من الحكومة البريطانية، دراسة حول التطرف في السجون وقضاء الشباب لأوقات فراغهم، وخرجت بالملاحظة التالية “الإحصاءات تشير إلى تمثيل متزايد وغير متناسب للمسلمين ضمن نظام العدالة الجنائية، والذي يمكن أن يتماشى مع رسالة المتطرفين التي تشير إلى إيذاء المسلمين”.

تمت الإشارة إلى الأرقام الحكومية التي أكدت وجود حوالي 5500 سجين في إنكلترا وويلز قالوا إنهم مسلمون في عام 2002؛ ارتفع هذا العدد إلى 7246 في عام 2005 و12 ألفا في عام 2014. وقال تقرير حكومي لعام 2015 إن 14.4 بالمئة من نزلاء السجون من المسلمين، مقارنة بـ7.7 بالمئة من عامة الشعب في المملكة المتحدة.

وهي أرقام تبعث على القلق حيث قدم التقرير، الذي أصدره حاكم السجن السابق إيان أتشيسون، العديد من التوصيات حول التطرف وكيفية مكافحته داخل نظام السجون، لكن تلك التوصيات تركت في الغالب دون معالجة. ولم تكن هناك أي محاولة للسؤال عن سبب وجود عدد أكبر من المسلمين في السجون بالتناسب مع عدد سكان المملكة المتحدة عمومًا.

وهذه نقطة انعطاف في مقاربة مكافحة الإرهاب، بعد مرور 20 سنة تقريبا على هجمات 11 سبتمبر. حيث منذ ذلك الوقت، تحولت خطة مكافحة الإرهاب ونماذجها المتشددة إلى استراتيجية أكثر تركيزا على اتباع سياسة اللين، لكنها تعود إلى نهج التعليق والجلد. وهذا خطأ فظيع.

استشهَد دانييل كوهلر، وهو خبير بارز في أبحاث مكافحة التطرف ومؤسس المعهد الألماني لدراسات التطرف ومكافحته، بدراسات “تسلط الضوء على الحقيقة المذهلة المتمثلة في أنه بعد الإفراج عنهم من السجن، أقل من 5 بالمئة من الأعضاء السابقين في الجيش الأيرلندي الجمهوري، أو منظمة إيتا الانفصالية الإسبانية أو القاعدة، يتم اعتقالهم مجددا حتى دون إدراجهم في أي برنامج لإعادة الدمج أو التأهيل من أي نوع”.

هذا هو الأساس الأفضل الذي يجب أن تُبنى عليه برامج إعادة التأهيل بدلاً من التركيز على انتكاسة إرهابي سابق. وبنفس القدر من الأهمية، يجب العمل على إعادة تقييم نزيهة لدور بريطانيا والغرب في مراجعة ممارسات الأنظمة الظالمة.

13