هل لقاحات كوفيد – 19خطيرة؟

 90 في المئة من الأعراض الجانبية والمضاعفات التي تحصل في الجسم بعد التطعيم تظهر خلال فترة 40 يوما الأولى.
الثلاثاء 2020/12/08
أيّ نوع من اللقاحات نختار؟

منذ أن ضربت جائحة كورونا الجديد (كوفيد – 19) المعمورة توجهت أنظار العالم إلى دواء شافٍ يعالج المرض أو لقاح فعال وأمين يحمي الناس من هذا الفايروس ومن تبعاته على الصحة والاقتصاد والمجتمع والنفس. تسابقت الجهود في هذا المسار واهتمت مختبرات البحوث العالمية بإيجاد دواء أو لقاح لهذا الوباء، غير أنه ومنذ البداية ادعت بعض الدول جزافا على لسان سياسييها باكتشاف أدوية تعالج هذا الوباء أو لقاحات تفي بالغرض أثبتت الأيام عدم صحتها، مما جعل بعض الناس تشكك في كل تصريح من هذا النوع حتى لو جاء صادقا!

حينما أعلنت وبصدق مؤخرا بعض شركات الأدوية عن وصولها للمراحل النهائية لإنتاج اللقاح شكك الكثير من الناس بسلامة هذه اللقاحات المعلن عنها وأعلنوا عن ترددهم أو رفضهم التطعيم ضد الفايروس! حيث وصل عدد المعارضين لأخذ اللقاح في أميركا إلى حوالي نصف العدد المستجوب في استقراءات حصلت بهذا الشأن هناك.

هذا يعني وجود عدم ثقة كبيرة في المجتمع الأميركي وربما في باقي بلدان العالم لأخذ اللقاح! مجمل من الأسباب، مضافة إلى حالة عدم الثقة التي نشأت بنفوس بعض الناس بسبب الأخبار غير الصحيحة كما ذكرنا، جعلت الناس تشك في سلامة اللقاحات المعلنة، وأسباب هذه الشكوك تتضمن عددا من الأمور أهمها: سرعة إنتاج هذا اللقاح واختصار الزمن، الضغوط السياسية الواضحة التي دعت إلى التعجيل في إنتاج اللقاح لأغراض انتخابية وسياسية، طبيعة الفايروس الجديد وغرابة تركيبته الجينية، الدعايات الكثيرة الموجهة لنصح الناس بعدم أخذ اللقاح من قبل جهات وأطراف معلومة ومبهمة مما يحفز التخوفات عند البسطاء من الناس، حيث انتشرت الدعايات المغرضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس، كذلك التخوف من الأعراض الجانبية والمضاعفات للقاح جديد موجّه ضد فايروس جديد غريب الأطوار والطبيعة والتركيب. إضافة إلى الأسباب التقليدية التي ترفض اللقاحات سواء أكانت دينية المنشأ وعقائدية أو نفسية.

من المعلوم أن اللقاحات الجديدة يستغرق إنتاجها في السابق سنوات عديدة، حيث أنه إلى حد هذه الساعة لم يجد العالم لقاحا لمتلازمة نقص المناعة المكتسب (الأيدز) رغم الشروع في دراسة إنتاج لقاح له قد بدأ منذ سنين عديدة، فكيف ينتج لقاح لوباء جديد في فترة تقل عن السنة؟ الإجابة على التساؤلات بهذا الشأن تكمن بالنقاط التالية: أن طبيعة متلازمة الأيدز تختلف تماما عما هو عليه الحال مع وباء كوفيد – 19، حيث أن وباء كوفيد – 19 يحدث التهابا حادا تختصر فترته ببضعة أيام، بينما متلازمة الأيدز تعتبر التهابا مزمنا طويل المدى. فاللقاحات تختلف باختلاف طبيعة المرض.

أما مقارنة باللقاحات الأخرى المشابهة لكوفيد – 19 والتي تأخرت فترة إنتاج اللقاحات فيها سابقا فنفسر الفرق بالوقت بما يلي: التقنية والتطور اللذان حصلا في السنوات الأخيرة عجلا من سرعة إنتاج اللقاحات، حيث أن التحضيرات الإدارية والترتيبات في التجارب قبل السريرية أصبحت أسرع بكثير عما كان عليه الحال من قبل. كانت اللقاحات المنتجة عرضة للتلوث بفايروسات أخرى أو بكتيريا مما يجعل تنظيفها مهمة صعبة ومضيعة للوقت، بينما توفرت اليوم الوسائل التقنية الضرورية للحد من هذه التلوثات مما سرّع في عملية إنتاج اللقاح.

فوق هذا وذاك، اختصر الصينيون الوقت منذ بداية الوباء فحددوا الصيغة الجينية لفايروس كوفيد – 19 بسرعة قياسية وهذا ما سهّل كثيرا في سرعة إنتاج اللقاح وبدء المراحل التجريبية. في الأوقات الماضية كان النقاش مع المنتجين للقاحات مضنيا وطويلا كما أن الحصول على المتطوعين لإجراء التجارب كان مهمة صعبة، في حين تذللت هذا اليوم المصاعب أمام إنتاج لقاح كوفيد – 19، وذلك بسبب الإرادة المشتركة بين جميع الأطراف بالإسراع بإنتاج هذا اللقاح حيث توفر المال وتوافد المتطوعون، مما جعل الشركات تنتج اللقاح وتحضره حتى قبل اكتمال التجارب.

الكثير من الدعايات المضللة انتشرت ضد اللقاح حتى قبل إنتاجه، فمنها من تحدثت عن وجود جسيمات الألمنيوم مع عناصر اللقاح والتي ادعوا بأنها تترسب في دماغ الإنسان وتسبب تلفا له، في حين أن أغلب اللقاحات تحوي على هذه المادة فهي ليست خصوصية مقتصرة على لقاح كوفيد – 19، حيث أن الألمنيوم يعتبر مادة شادة توثق ارتباط المضادات الجسمية مع الفايروسات الدخيلة من أجل تحييدها وإفشال مهمتها في إصابة خلايا الجسم. كما ادعى طرف آخر بأن التطعيم بمادة مرسال الحمض النووي الرايبوزيمي mRNA خطير على خلايا الجسم لأن هذا الحمض النووي سيدخل إلى خلايا الجسم وإلى نواتها ويسبب إرباكا في الحمض النووي الطبيعي الموجود فيها أصلا أي الـDNA، ولكن في الحقيقة فإن مرسال الـmRNA الموجود في اللقاح لا يدخل في نواة الخلايا في الجسم ولا يسبب خللا فيها. ومن الاعتراضات التي شاعت أيضا، هو أن كوفيد – 19 في تحور مستمر واللقاحات المنتجة سوف لن تكون صالحة لأنها لا تواكب التحورات الحاصلة في جسد الفايروسات المتحورة الجديدة. بينما الحقيقة أن هذه التحورات هامشية لم تغيّر كثيرا في طبيعة تركيبة الفايروس مما يبقي هذه اللقاحات مناسبة إلى حد الآن.

تخوّف الكثيرون أيضا من الأعراض الجانبية الحاصلة نتيجة التطعيم، خصوصا أن لقاحات كوفيد – 19 تستخدم لأول مرة. هذه الهواجس مبررة في بعض الأحيان، فلابد من دراسات مستفيضة بهذا الشأن، تبيّن أولا الأعراض الجانبية التي تحصل بعد التطعيم على المستوى المنظور وعلى المستوى البعيد، خصوصا تلك الأعراض التي تخفي علامات أمراض خطيرة تشير إلى حصول تلف في أنسجة الجسم وأعضائه. هذه الدراسات بيّنت ومن خلال متابعة المتطوعين الذين تم تطعيمهم، بأن عددا لا بأس به من بين هؤلاء بدت عليهم أعراض تتباين شدتها وطبيعتها من شخص إلى آخر من جهة، وتتباين أيضا حسب نوعية اللقاح المستخدم وعدد الجرعات المأخوذة منه من جهة أخرى.

بعد التطعيم مباشرة حصلت عند بعض المتطوعين تورمات في منطقة زرق اللقاح واحمرار ووجع في الذراع، أعقبها عند البعض الآخر بعض الحمى الخفيفة والصداع البسيط ووجع في العضلات والرأس. حينما تم أخذ الجرعة الثانية من اللقاح بعد مرور ثلاثة أو أربعة أسابيع بعد أخذ الجرعة الأولى من اللقاح، ظهرت عند البعض أعراض تشابه الأعراض المرضية المعروفة التي تحصل عند الإصابة بـكوفيد – 19 وإن كانت هذه الأعراض أقل شدة ولفترة زمنية قصيرة (يوم أو يومين). تتضمن هذه الأعراض: ألم في الذراع مع تورم وتحسس واحمرار في منطقة زرق اللقاح (هذا حصل لدى 78 في المئة من المتطوعين)، وقد صاحبها عند البعض أعراض أخرى مثل: حمى خفيفة أو شديدة، حرارة اليدين والقدمين، رجفة، وجع في الرأس خفيف أو شديد، نحول عام، وجع في العضلات، ضيق في التنفس، سعال جاف (وهذه حصلت لدى الأفراد أو الجماعات لحوالي 40 في المئة من المتطوعين). رغم أن هذه الأعراض الجانبية تدل على نجاح اللقاح عند الشخص المُطعم غير أنها أكبر بشدتها من تلك التأثيرات الجانبية التي قد تحصل عند التطعيم بـ”لقاح الأنفلونزا الموسمية العادية”.

إن 90 في المئة من الأعراض الجانبية والمضاعفات التي تحصل في الجسم بعد التطعيم تظهر خلال فترة 40 يوما الأولى بعد التطعيم. لم تظهر عند المطعمين بهذه اللقاحات أعراض أخرى غير التي ذكرت سابقا، ولا وجود لأي مضاعفات على الصحة برزت أو ظهرت حتى بعد مرور أكثر من 80 يوما بعد التطعيم. أما المضاعفات الأخرى الخطيرة التي يمكن حصولها على المدى البعيد بعد التطعيم فتحتاج إلى زمن أطول من أجل مراقبة حدوثها إن وجدت. هذه المضاعفات حتى وإن حصلت فهي نادرة جدا لا تتجاوز عادة مرة في كل 250 ألف تطعيم بالنسبة للقاحات المستخدمة سابقا.

من أهم ما يحصل من مضاعفات خطيرة ونادرة على الصحة بعد التطعيم هو ظاهرة التقليد الجزيئيMolecular Mimicry حيث أن هناك جزيئات صغيرة في اللقاح تتشابه في تركيبتها مع أنسجة موجودة في الدماغ أو الحبل الشوكي أو أنسجة الجسم الأخرى وخصوصا الأعضاء الحيوية مثل الكبد والكلى والرئة والقلب. هذا التشابه يوهم الأجسام المضادة التي يكونها الجسم ضد الفايروس، حيث تتعامل هذه الأجسام مع خلايا وأنسجة الجسم الطبيعية وكأنها فايروسات فتلتصق بها وتدمرها ويحصل التلف في تلك الأنسجة. فإن حصل هذا الخلل ضد أنسجة الحبل الشوكي (على سبيل المثال وليس الحصر) يحصل التهاب بالحبل الشوكي ووجع شديد في العضلات يؤدي إلى ضعفها وربما إلى الشلل. رغم أن مثل هذه المضاعفات نادرة الحصول غير أنها واردة الاحتمال ولكن نحتاج إلى فترة زمنية أطول لمتابعة حدوثها.

الأسئلة التي تطرح نفسها هي: أي نوع من اللقاحات نختار؟ الجواب هو أن نختار اللقاح الفعال والأمين ومن تلتف حوله ثقة العالم، إضافة إلى توفره وسهولة تخزينه ونقله وبقائه حيويا لفترة أطول في أماكن الحفظ المتيسرة وبأسعار مناسبة. هل يبرر وجود أعراض جانبية بسبب اللقاح أو وجود مخاطر نادرة الحصول، عدم أخذ اللقاح في الوقت الحاضر والانتظار؟ الإجابة قطعا “كلا”، لأن المعادلة واضحة وهي أن مخاطر الوباء الأكيدة أكبر بكثير من مضاعفات اللقاح البسيطة أو من مخاطره نادرة الحدوث حتى إن وجدت.

17