هل للاحتجاجات الشعبية والمطالب النقابية خطوط حمراء

الأربعاء 2018/01/17
يناير شهر الاحتجاجات

تونس- المعروف عن شهر يناير، عبر التاريخ الحديث وفي مختلف أنحاء العالم، أنه شهر الاحتجاجات والانتفاضات بامتياز. الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة الموسمية تبدو منطقية ومقنعة، وليست محض مصادفات أو طلاسم مبهمة، ذلك أن هذا الشهر هو موعد مع الجرد السنوي للأرباح والخسائر على مستوى الفرد والمجتمع، المواطن والدولة اللذين يبدوان كغريمين أو خصمين متنافسين، فكلاهما يحصيان الخسائر ويطمعان في التعويض.

يأمل المواطن في تحسين وضعه وهو على أبواب عام جديد فتحاصره الدولة بحزمة من الضرائب والرفع من الأسعار سعيا وراء تحقيق التوازن وسد العجز في ميزانيتها. وعن سرّ ارتباط هذا الشهر بحركات الاحتجاج في بلد كتونس مثلا، فإن حالة الفراغ والعطالة التي يعيشها العديد من التونسيين في هذا الشهر، خاصة في المناطق الداخلية التي يعيش أغلب سكانها على الأنشطة الزراعية، والتي يبدأ جني محاصيلها مع بداية فصل الربيع.

كما أن الأنشطة الزراعية تتراجع في شهر يناير بسبب انتهاء موسم البذر الذي يوفر مواطن شغل للعديد من الناس، ما يجعل الفلاحين يعيشون نوعا من الفراغ والانتظار ينتج عنه تراجع لمداخيلهم المالية، هو ما يدفعهم إلى الخروج للاحتجاج ضد الغلاء وللتنـديد بأوضاعهم المعيشية الصعبة وإلقـاء اللوم على السلطة.

تكرّر هذه الاحتجاجات في شهر يناير منذ التاريخ السياسي المعاصر، أصبح يشبه العادة التي يلعب فيها الجانب النفسي لدى المواطن دورا مهمّا.

الوقفات الاحتجاجية والمطالب النقابية وشتى أنواع التعبير عن الاعتراض، مشروعة ويكفلها القانون في الأنظمة الديمقراطية بل وتعمل قوى الأمن على حمايتها وإنجاحها قصد إيصال صوتها للسلطات المختصة.

تونس رغم أوضاعها الحالية تعتبر أنموذجا لنجاح ثورات الربيع العربي، ذلك أنها حققت تقدما هائلا على مستوى حرية التعبير وسن التشريعات التقدمية

ولا يمكن بأي شكل من الأشكال منع أو قمع هذا الحق الذي تقرّه الدساتير المتقدمة وتحت أي ذريعة كانت، شرط ألا تتعرض الجماعات المحتجة للممتلكات الخاصة أو العامة، وألا تتسبب في أي فوضى تعرقل السير أو النظام العام، وألا يمارس المحتجون أعمال عنف من شأنها أن تضرّ بالغير وتتعدى على حرية الآخرين وحقوقهم.

الأمر الوحيد الذي بموجبه تتوقف كل حركات التظاهر والاحتجاج هو سريان حالة الطوارئ وما يرافقها من حظر التجوال في ساعات معينة من الليل، وإعطاء السلطات الأمنية والتنفيذية صلاحيات أكبر من حجمها الاعتيادي في النصوص القانونية.

لكن حالات الطوارئ في الكثير من بلاد العالم المتحضر، لا يمكن لها أن تسري إلا بعد مشاورات ومناقشات وقرارات من أعلى السلطات التنفيذية والتشريعية، ذلك أن بموجبها يتعلق العمل بالكثير من القوانين المدنية، وهو أمر خطير وحساس، وقد يكون منزلقا نحو انتهاكات للحقوق والحريات.

بلدان عربية كثيرة عملت ومازالت تعمل بقوانين الطوارئ إلى درجة أنها تزيد على حالة الطوارئ التي صارت شبه اعتيادية، “حالات طوارئ” أخرى، مما يرهق اقتصاد البلاد والعباد، ويطبق على الأنفاس والحريات.

مقولة “إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع” تنطبق على الطرفين أي الحاكم والمحكوم، وعلى حد سواء. أما المقصود بـ“الطاعة” في هذا السياق فهو تلبية الطلب والنظر إليه في الحدود المعقولة والمنطقية والمقدور عليها.

سبع سنوات مرت على ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، ولا يمكن إنكار أن هذه السنوات السبع، قد بدأت بأفراح وانفراجات لم تكن شعوب هذه الدول تتخيّلها.

تمكنت دول الربيع العربي من إزاحة كوابيس الظلم والفساد والإفقار وكتم الأنفاس والتضييق على الحريات، فتونس التي قادت قاطرة التغيير في هذه الدول، احتفلت منذ أيام بذكرى 14 يناير عام 2011 وسط مناخ من التوتر والأوضاع الأمنية الهشة بسبب الاحتجاجات الشعبية ضد الوضع المعيشي الصعب والقانون الضريبي المجحف.

ويعتبر هذا البلد رغم أوضاعه الحالية أنموذجا لنجاح ثورات الربيع العربي، ذلك أنه حقق تقدما هائلا على مستوى حرية التعبير وسن التشريعات التقدمية، كما أنه أنجز نسبة نمو مقبولة مقارنة بالسنوات التي أعقبت سقوط النظام السابق.

ورغم هـذا البريق المشجع مـن الأمل والتفاؤل في مستقبل يحمل معه مؤشرات إيجابية، فقد انطلقت في تونس منذ أيام موجة احتجاجات شعبية تهـدد الأمـن العام وتنذر بتفاقم الأوضاع المعيشية الصعبة من أساسها، مما يحتم توخي الحذر.

اقرأ أيضا:

الاحتجاج: عقل يعيد للسلطة رشدها

دعوة لوقفة احتجاج ضد الاحتجاج

13