هل للنظام الجزائري مؤهلات لمنافسة فرنسا في أفريقيا

الخميس 2017/12/21

تبدو العلاقات الثنائية الفرنسية الجزائرية الراهنة، ظاهريا، متسمة بالتوتر جراء الإرث الاستعماري الثقيل الذي دام من عام 1830 إلى عام 1962، وهي الفترة الطويلة التي شهدت احتلال الجيش الفرنسي للجزائر، وتحويل هذه الأخيرة إلى مستعمرة استيطانية على مدى قرن وثلاثين عاما، ولكن لا ينبغي حصر هذا التوتر في هذه الدائرة الزمنية فقط لأنه يمتد في التاريخ حيث تؤكد الكتابات التاريخية الموثقة أنه كانت لفرنسا قواعد عسكرية في الجزائر في 1571 وقنصلية رسمية عام 1580.

والحال فإن بعض أسباب ومحركات هذا التوتر تعود أيضا إلى تناقض المصالح التي تتعدى حدود البلدين إلى فضاءات أخرى منذ بداية استقلال الجزائر لغاية اليوم، وخاصة في الفضاء الأفريقي الذي تعتبره فرنسا جزءا من مساحة نفوذها التقليدي العالمي في حين تعتبره الجزائر بمثابة عمقها الأمني. وبسبب تباين مواقف البلدين من العلاقة بأفريقيا نرى النظام الجزائري يتهم فرنسا في هذه الأيام بأنها تصرّ على جر الجزائر إلى خوض المعارك ضد الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي تحت المظلة الفرنسية، وهو الدور الذي تعتبره الدوائر الصانعة للقرار السياسي الجزائري بمثابة معاملة سلبية تحاول طمس السيادة الوطنية وتعيد بصمات هيمنة المرحلة الاستعمارية إلى مسرح العلاقات بين البلدين.

في هذا الإطار بالذات نجد في هذه الأيام وسائل الإعلام الجزائرية، خاصة التابعة للنظام الحاكم في الجزائر، تروج أن هذا الأخير ما فتئ يصارع محاولات فرنسا المعلنة والمضمرة للانفراد بالسيطرة على منطقة الساحل الأفريقي وعلى أفريقيا برمتها، الأمر الذي يعتبره النظام الجزائري تهديدا سافرا وخطيرا لأمن الجزائر والمنطقة المغاربية بأكملها.

وفي الحقيقة فإن هذه المسألة تتميز بكثير من التعقيد خاصة وأن الجزائر، في ظل الأوضاع الراهنة سواء على مستوى الداخل الجزائري غير المستقر سياسيا والمعبأ بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية واللغوية أو على المستويين الأفريقي والمغاربي، لا تملك أي قوة مادية أو رمزية جدية تؤهلها أن تكون لاعبا قويا في الساحة الأفريقية لمنافسة فرنسا فيها على جميع المستويات الأمنية والاقتصادية والثقافية والسياسية، رغم تمتع الجزائر بعضوية الاتحاد الأفريقي وبعضوية الاتحاد المغاربي شبه المشلول حتى يومنا هذا.

ويلاحظ في هذا السياق أنه لا يمكن للنظام الجزائري الذي جعل الجزائر تابعة لفرنسا اقتصاديا ولغويا وتكنولوجيا، أن يؤثر في سياسات هذه الأخيرة في القارة الأفريقية، علما أن الجزائر لم تفك الارتباط حقا مع الميراث الاستعماري الفرنسي، وبالعكس فإن النظام الجزائري أعاد هذا الميراث من الباب الواسع بعد أن أخرجته المقاومة الوطنية من النافذة. ويتجلى كل هذا في فشل النظام الجزائري منذ الاستقلال الشكلي في بناء ثقافة وطنية عصرية وحداثية لها تميزها وهويتها، فضلا عن فشله في تشييد أسس الدولة الديمقراطية.

وفي الواقع فإن الجزائر غير مؤهلة لأن تكون قطبا بارزا له تأثير فاعل في الساحة الأفريقية وذلك بسبب غياب الوجود الجزائري الثقافي والإعلامي والاقتصادي والعلمي في هذه القارة، أما مقارنة حجم الاستثمارات الجزائرية بحجم الاستثمارات الفرنسية في أفريقيا فهو لصالح فرنسا بشكل ملفت للنظر، ولا يمكن ردم هذا الفارق الشاسع بسهولة والسبب الجوهري في ذلك يعود إلى عدة عوامل مترابطة ومتبادلة التأثير وفي مقدمتها انعدام مؤسسات جزائرية لها حضور فاعل في القارة السمراء، وهزالة الاقتصاد الجزائري الذي يعتمد بنسبة 90 بالمئة على ريع النفط والغاز، فضلا عن كون حجم الدخل الوطني الإجمالي الجزائري العام لا يتجاوز 250 مليار دولار في حين يقدر الدخل الوطني الإجمالي لفرنسا بما لا يقل عن ألفين وسبعمئة مليار دولار.

وإلى جانب هذا فإن حظوظ الجزائر في منافسة فرنسا في مجالات التأثير اللغوي والثقافي والفكري والتكنولوجي والعلمي في العمق الأفريقي منعدمة حيث أنها تفتقد إلى الإطارات الكفؤة القادرة على ممارسة التأثير الإيجابي في مجالات القوة الناعمة في البلدان الأفريقية، كما أنها لا تملك المؤسسات العابرة للحدود الوطنية الضيقة التي يمكن أن تلعب دورا رياديا وله مردود متميّز في عمق المجتمعات الأفريقية.

فالقضية لا ينبغي أن تختزل اعتباطيا في مجرد تباين وجهات نظر الجزائر وفرنسا بخصوص مسائل محاربة الإرهاب، ومختلف أشكال الجرائم المنظمة مثل المخدرات وغسل الأموال والهجرة غير الشرعية وغيرها، بل إن القضية هي أعمق من كل هذا دون أدنى شك.

بناء على ما تقدّم فإن كل المعطيات والحقائق تبرز أن النظام الجزائري لا يملك الرؤية والبرنامج الاستراتيجي ولا المؤهلات المادية والبشرية التي تجعل منه منافسا للدولة الفرنسية في قارة أفريقيا، والتي أصبحت الآن فضاء تتنافس عليه، وفيه، القوى الكبرى على غرار الصين ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية.

كاتب جزائري

9