هل لنقاط الوقف أهمية

الخميس 2016/01/28

إن نظرة سريعة على ما ينشر اليوم في مطبوعاتنا العربية بأنواعها تفيد بأن العرب لا يولون التنقيط كبير أهمية، فلا وجود لقاعدة ثابتة يستند إليها حملة القلم أيّا ما يكن اختصاصهم ومجال تحريرهم، يستوي في ذلك رجال الإعلام والمبدعون والأكاديميون وحتى المصحّحون، فالعملية متروكة لاجتهادات شخصية، تخطئ أكثر مما تصيب. ولا ضير، فيما يرى بعضهم، لأن الأساس في المكتوب قيمته، وأن كتابا جيّدا سيّء التنقيط خيرٌ من كتاب ضحل حسن التنقيط، وأن تعقّب الأخطاء أهمّ من تصويب نقاط وقف، قد يُفهم النصّ حتى في غيابها.

والتنقيط، الذي نستهين به، قديم قدم النسخ والتدوين، فالمؤرخون يذكرون أنه بدأ في مكتبة الإسكندرية خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ثم حدث انقلاب في علاماته ورموزه مع ظهور المطبعة بأوروبا في أواسط القرن الخامس عشر، كان من نتائجه نشوب خلافات بين المؤلفين والطباعين، ثم بين المؤلفين والمصحّحين أو المدققين. وكان الكتّاب يعتبرون النص بما فيه ملكا لهم لا يحقّ لأحد أن يغير فيه ولو فاصلة. حتى أن بعضهم طالب بداية من القرن الثامن عشر بحقه في ابتكار تنقيطه الخاص. من فكتور هوغو وجورج ساند إلى جورج سيمنون الذي أرغم ناشره على إتلاف جميع نسخ إحدى رواياته بسبب إضافة فاصلة دون استشارته.

ما يعني أن التنقيط، حتى في بلاد الغرب، ليس قاعدة ثابتة يمتثل لها الجميع، بل إن الكاتب الفرنسي جاك دريون صرح قائلا: “حتى إشعار آخر، لا يوجد قانون يفرض على البشر أن يفكّروا جيّدا ويكتبوا جيّدا، فيعاقبَهم على خروجهم عنه بالسّجن أو بغرامة ماليّة، ولو بتهمة الرداءة”. ذلك أن التنقيط في جوهره يعكس طريقة تفكير صاحبه، فالكاتب يفترض أنه يكتب كما يفكر، ويمفصل فكره وإبداعه بأكثر الطرق أمانة، فلا يمكن أن نطلب من سيلين المجدد المتمرد ذي الجملة المتفجرة أن يكون تنقيطه مثل تنقيط الكلاسيكي بودلير أكثر أدباء فرنسا التزاما بتنقيط صارم.

ولسائل أن يسأل: إذا كان المكتوب قائما على ثلاثة عناصر أساسية لا يكون من دونها عملا مكتملا، ونعني بها الباثّ والمتلقّي والوسيط، فمن الذي يملك التنقيط؟ ولو سلّمنا جدلا بأنه المؤلف، فمن يضمن له أن المتلقي، أي القارئ سوف يظل أمينا له، يلتزم به ولا يغير من مواطن الوقف شيئا، في قراءته الصامتة أو الجهرية؟ وأن الناشر، بما له من أسباب تيبوغرافية وربما تجارية، سيحفظ الأصل كما هو، دون تعديل؟

15