هل ماتت فكرة الجماعة الفنية في مجتمع الثقافة العربية

المتغيرات التي يشهدها العالم في ظل الثورة التقنية والتكنولوجية ساهمت في إحلال بدائل للجماعات الفنية بشكلها التقليدي.
الخميس 2018/07/12
لوحة لراغب عياد أحد مؤسسي "جماعة الخيال"
 

شهدت عشرينات القرن الماضي تأسيس أولى الجماعات الفنية التي ولدت من رحم التغيرات الاجتماعية والفنية في مصر، تبعتها في الأربعينات والخمسينات جماعات فنية لا يزال يُشار لها بالبنان لما أحدثته من تغييرات جوهرية في الفن وما مثلته من ثورة على نظم فنية وأطر تقليدية وانعتاق من قيود المجتمع. استمر تأسيس الجماعات إلى الثمانينات ثم بدأ يخفت وهجها تدريجيًا حتى تلاشى تاركًا بعضا من رماد

في عام 1923 تأسست جماعة الخيال، التي ضمت عددًا من كبار الفنانين آنذاك منهم محمود مختار وراغب عياد ومحمود سعيد، وقد وضعت الجماعة إحياء الفن المصري بأشكاله كافة كهدف رئيس لها، أقامت معرضها الأول بعد أربعة أعوام إلا أنه سرعان ما تفرق جمعها بعد سفر محمود مختار إلى باريس. وفي العام 1936 تأسست “رابطة الفنانين المصريين” التي ضمت النحات أحمد عثمان وعبدالعزيز فهيم وغيرهما، وكان هدفها مناهضة الحركة الاستعمارية في الفن والترسيخ للفن المصري لتتوقف لاحقًا بسبب الظروف السياسية.

بعد ثلاث سنوات، تأسست واحدة من أشهر الجماعات التشكيلية على أيدي جورج حنين ورمسيس يونان وكامل التلمساني وأنور كامل وغيرهم تحت عنوان “الفن والحرية” وسعت الجماعة الوليدة آنذاك إلى نشر المؤلفات الحديثة في الفكر والثقافة والتعريف بالحركات الأدبية والفنية في العالم. تأثرت الجماعة بالانفتاح الثقافي إبان الحرب العالمية الثانية وسعت إلى تمصير السريالية وترجمة هذه التوجهات من خلال معارضها الجماعية والفردية. في الوقت ذاته الذي شهد ولادة هذه الجماعة تأسست جماعة “الفنانين الشرقيين الجدد” التي سعت للحفاظ على الشخصية المصرية لكنها انضمت لاحقًا إلى جماعة “الفن والحرية”.

صلاح بيصار: ظهور الجماعات الفنية ارتبط بالمتغيرات العالمية وتغيرات المجتمع المصري
صلاح بيصار: ظهور الجماعات الفنية ارتبط بالمتغيرات العالمية وتغيرات المجتمع المصري

مهمة تقدمية

شهدت فترة الأربعينات من القرن الماضي ولادة جماعة “الفن المعاصر” التي أسسها حسين يوسف أمين والتي ركزت اهتمامها على الموروث الشعبي الأسطوري، وتزامن معها ظهور جماعة “الفن المصري الحديث” التي تأثرت بالتحولات الاجتماعية والسياسية في مصر. وفي الخمسينات من القرن الماضي أسست مجموعة من الفنانين جماعة “لاباليت” وأعقبها في الستينات جماعة “التجريبيين” ثم جماعة “المحور” في الثمانينات.

في ذلك الماضي، حملت جماعات على عاتقها مهمة تقدم الفن التشكيلي وتطوره والتعريف بجديد الفنون والاتجاهات الحديثة في الغرب، وتأسست بناء على وعي بطبيعة المتغيرات المجتمعية والسياسية التي أصر الفنانون أن يكونوا جزءًا من حراكها وأسئلتها.

 ومن جهة أخرى ساهم ذلك الوعي الفني لدى الفنانين في هذه السنوات في فتح قنوات اتصال مع الجمهور والتأسيس لثقافة تشكيلية نشهد تراجعها في الوقت الراهن مثلما تراجعت تلك الهموم والأهداف في تطوير الفن والنهوض به لدى فنانين القرن الحادي والعشرين، ولدى فئات من الشباب شهد تغيرات ثورية في العالم العربي إبان الثورات العربية إلا أنها لم تنعكس بوضوح على فنهم وتوجهاتهم التي آثرت النظر إلى المصالح الفردية بعيدًا عن هموم ومتطلبات مثل تلك الجماعات.

لماذا لا يمكن الحديث راهنًا عن جماعات فنية مؤثرة على الساحة المصرية؟ ما الذي جعل الفنانين ينأون عن الانضواء تحت جماعة واحدة لمعالجة قضايا فنهم وعصرهم؟ وما الذي ترتب على ذلك الاختفاء لصوت فني موحد يحمل لواء التطور في الفن؟ “العرب” توقفت مع عدد من الفنانين والنقاد لمناقشة المسألة المطروحة.

عزالدين نجيب: لا أثر لجماعات فنية فاعلة على الساحة المصرية منذ قيام ثورة يوليو 1952
عزالدين نجيب: لا أثر لجماعات فنية فاعلة على الساحة المصرية منذ قيام ثورة يوليو 1952

حراك فني

يقول الفنان والناقد التشكيلي المصري صلاح بيصار “ارتبط ظهور الجماعات الفنية بالمتغيرات الفنية في العالم وتغيرات المجتمع كذلك، ومن ثم نشأت جماعات تعبر عن اتجاهات فنية جديدة وتقدم أنشطة فنية مهمة؛ فجماعة كالفن والحرية جاءت استجابة للتغيرات الفنية في العالم خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى، وأرست للسيريالية في مصر في فترة كانت تشهد فقدان الثقة في كل شيء وهو ما انعكس على الفنانين الذين بدورهم اتجهوا إلى اللاشعور وعكس الرغبات المكبوتة، تلك الجماعة كان لها أثر كبير في الفن التشكيلي ولها روافد في الفنون الأخرى أيضًا.

 كما ظهرت بعد ذلك جماعات مؤثرة كجماعة ‘الفن الحديث’ وجماعة ‘الفن المعاصر’، ثم جماعة ‘الألوان المائية’ و’المحور’، وغير ذلك من الجماعات التي جاءت للتأكيد على مفهوم الفن عند كل جماعة وإحداث حراك فني كبير”.

ويوضح أمين عام نقابة التشكيليين المصريين أنه في الوقت الراهن ثمة جماعات متناثرة على الساحة الفنية لكن ليس لها تأثير كبير؛ فالمتغيرات التي يشهدها العالم في ظل الثورة التقنية والتكنولوجية ساهمت في إحلال بدائل لتلك الجماعات بشكلها التقليدي، سواء من خلال اتصالات سريعة ومكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي أو بأشكال أخرى كورش العمل والجاليرهات التي تشهد تجمعات فنية بشكل مغاير أكثر تناسبًا مع الظروف الراهنة واستجابة لرغبات الفنانين في أن يكون لهم مشروعهم المستقل.

ينوه الناقد والفنان المصري عزالدين نجيب بأنه لم يعد هناك وجود فعلي لجماعات تشكيلية في مصر في الوقت الراهن، فخلافًا للجمعيات الفنية الأهلية التي لا تزال قائمة حتى الآن مثل جمعية أتيليه القاهرة وجمعية محبي الفنون الجميلة وغيره، فلا أثر لجماعات فنية فاعلة على الساحة الفنية منذ قيام ثورة يوليو 1952 باستثناء جماعات قليلة لم يكتب لها الاستمرار طويلًا.

مصطفى الرزاز: ما يسمى حاليا الجماعات لا يتعدى مجرد مجموعات من الفنانين ليس لديهم مشروع مؤسس وفارق
مصطفى الرزاز: ما يسمى حاليا الجماعات لا يتعدى مجرد مجموعات من الفنانين ليس لديهم مشروع مؤسس وفارق

ويعزي نجيب غياب الجماعات الفنية إلى افتقاد مناخ الحرية والفكر والديمقراطية، فظهور الجماعات الفنية ارتبط بموقف فكري سياسي ولم يكن مرتبطا بموقف فني مهني، وما يشغل بال الفنانين التشكيليين في الوقت الراهن في كثير من الدول العربية هو الفن كإنتاج وإبداع وأساليب، إلى جانب اتجاههم برؤيتهم نحو الغرب، فالفن في مصر وكثير من العالم العربي أسير لتوجهات الفنون الغربية، وما يشغل الفنان هو ملاحقة ما يجري في هذه البلدان سعيًا وراء وهم العالمية.

أما ما يطلق عليها جماعات فنية في الوقت الحالي فلا تتعدى كونها جماعات وليدة مواقع التواصل الاجتماعي بلا أي عمل مشترك على أرض الواقع أو مشروع فني وثقافي من أجل النهوض بالفن، فالفنان التشكيلي المعاصر آثر أن يكون بمعزل عن السياسة والفكر وارتضى أن يسير على نهج المدارس الغربية دون أن يمتلئ بالزخم الثوري المرتبط بقضايا الواقع المصري.

ويشدد الفنان مصطفى الرزاز على أنه لا وجود لأي جماعات فنية في الوقت الراهن؛ فكل ما هو موجود حاليًا تحت مسمى الجماعات لا يتعدى كونه مجموعات من الفنانين ليس لديها مشروع مؤسس وفارق. بصفة عامة يمكن أن نرجع آخر وجود للجماعات الفنية إلى الثمانينات حينما تم تأسيس جماعة “المحور” في مواجهة النزعة الفردية في المجتمع الفني بعدما مرت مصر بأزمة حقيقية إبان قرار الانفتاح وإهمال الثقافة، ومن ثمّ حرصت الجماعة على تعزيز المشاريع المهمة وفتحت آفاق فنون ما بعد الحداثة لأول مرة ليعقبها تأسيس صالون الشباب للمرة الأولى.

15