هل مازالت مصر أم الدنيا؟ سؤال روائي طرحه العراقي سلام عبود

الثلاثاء 2014/01/21
عبود يكشف عن هوة بين الواقع والحلم

اسطنبول - يسجل العراقي سلام عبّود في روايته “إعلان سياحيّ عن أمّ الدنيا!”، الصادر عن دار “الجمل” بغداد/بيروت (2012)، بعض الحالات التي يمرّ بها السائح في مصر أثناء زيارته لها.

يحكي ذلك من خلال تصويره رحلة صاد؛ وهو عراقيّ يحمل الجنسيّة السويديّة، مع زوجته وابنه توفيق، إلى مصر، بحيث تكون الرحلة نافذة للإطلال على ما يعترك داخل البلد من تخبّط جليّ يؤثّر سلباً على صورة مصر التاريخيّة ومكانتها كوجهة سياحيّة.

صاد، الذي يستلهم الكاتب اسمه من الصيد، لا يبدو متصيّداً للهفوات والأخطاء، بقدر ما يجد نفسه واقعاً في شِراك المستغلّين له، حيث يسعى كثيرون للتحايل عليه تارة وابتزازه تارة أخرى، ولا يخلو الأمر من مصادفته لأشخاص طيّبين يعكسون جانباً مشرقاً من البلد، لكن هؤلاء يبدون قلّة في خارطة الأحداث، وغير مؤثّرين بشكل فعليّ، ما يبقيهم بذور إعادة الترميم والبناء في حال توافر الإدارة الناجحة والإرادة القويّة.


بحر التناقضات


يقع صاد في بحر التناقضات بين الصورة التي كان يحتفظ بها لمصر في خياله منذ أكثر من ثلاثة عقود، والصورة الواقعيّة التي صدمته، وتكون الصدمة مضاعفة لأنّه كان قد توقّع عكس ما يراه، ولأنّ ابنه توفيق كان يخمّن أنّه مقبل على العيش مع الأساطير التي قرأ عنها، وأسبغ عليها هالات من السحر والتقديس، لكنّه تفاجأ بهول الإهمال وفظاعته، وعدم إيلاء الاهتمام اللازم للصروح التاريخيّة العريقة.

الرحلة التي تبتدئ من الغردقة، مروراً بعدّة مناطق، وصولاً إلى القاهرة والتجوّل في مناطقها، ثمّ زيارة أهرامات الجيزة التي تنتصب متحدّية الزمن وويلاته، تكشف عن الهوّة التي تفصل الواقع عن الحلم، وكيف أنّ هناك تقهقراً مفجعاً في مختلف المجالات، وتبرز الخسارة الكبرى الناتجة عن إهمال السياحة، أو تركها ملعباً للمستغلّين، وسط انكفاء أجهزة الدولة، أو مع غضّ النظر من قبل بعض الفاسدين مقابل نسب متّفق عليها. تتعرّض أسرة صاد لعدّة محاولات استغلال، تظهر تحايل شركات الإعلان على الناس، من خلال رفع شعارات وهميّة، دون التقيّد بها، بالتالي تنفّر الناس وتبقيهم في حال تشكيك دائمة.

الرواية تجمع بين المتناقضات

ذلك أنّ فقدان الثقة يكاد يتعمّم على مختلف الجوانب، من سائق التاكسي إلى الدليل السياحيّ، مروراً بالباعة، ليجد السائح نفسه أمام تشكيلة واسعة من الإعلانات التي تقدّم عناوين عريضة وشعارات كبيرة لا تلتزم بها..

وتظلّ الصحفيّة علياء الوجه المنشود، وهي المستميتة لفضح الممارسات الشائنة التي تسيء للوطن والسياحة، وتكشف عن حيل شركات الدعاية وألاعيب الباعة.


خيبة أمل


يعود صاد إلى السويد بخيبة أمل قاهرة، يصف كيف أنّ الطائرة التي تقلّه تحمل خليطاً من أبناء الشرق، من مختلف القوميّات والأديان، يحملون الجنسيّة السويديّة، ويشعرون معها بالانتماء إلى بلد احتضنهم، مقابل بلدان لفظتهم، أو لم تحمهم.

ويكون الترميز إلى بقاء الشرق غارقاً في صراعاته وأوهامه والغرب مختلفاً بممارساته واحتضانه لأبناء الشرق الباحثين عن ذواتهم المهدورة في بلدانهم. يأتي نصّ سلام عبود التسجيليّ كمحاولة للإشارة إلى مواطن العلل لإمكانيّة تداركها ومعالجتها وتلافيها، ويطلق بذلك صفّارة إنذار حول الأمومة التاريخيّة لمصر، وأنّها بصدد فقدان موقعها الرياديّ جرّاء إهمال يكاد يصبح سمة عامّة.

ويتقدّم الإعلان لينذر بالخطورة المحتملة، والخسارة التي ستنعكس على مختلف قطّاعات البلد، بحيث توجب نوعاً من المبادرة الإسعافيّة لحماية مورد هامّ من موارد الاقتصاد الوطنيّ. في النهاية، يظلّ صدى السؤال المقلق الذي يستهلّ به الكاتب نصّه، يتردّد في الأذهان، وهو: أما زالت مصر أمّ الدنيا؟

14