هل مازال التراحم والمودة يصلان إلى سابع جار؟

مع إطلالة الحياة العصرية انهارت العلاقة المميزة التي كانت تربط بين الجيران في الماضي وجعلت صعوبة الحياة ومشاغلها بعض الناس لا يجدون فرصة للتواصل.
السبت 2021/07/24
التعاون والتازر والتكاتف سلوكيات اندثرت

أثرت الظروف المعيشية الصعبة والصراع من أجل لقمة العيش وانعدام الخدمات في البيوت، على علاقة الجيران ببعضهم بعضا، فلم يعودوا يجدون فرصة للتواصل وتعزيز العلاقات فيما بينهم، وإحياء العادات والتقاليد الأصيلة، بل زاد التنافس بينهم وكثرت الضغينة وقلت الرحمة والمودة. ودعا الخبراء إلى ضرورة تمسك الجيران باحترام بعضهم للبعض الآخر حتى يزداد التعاون والتآزر.

يؤكد خبراء علم الاجتماع أن تماسك المجتمع يبدأ بالإحسان إلى الجار. والجار هو القريب من المنزل والمسكن، سواء كان قريباً من حيث الدم أو الصداقة، وسواء كان من الدين نفسه أو غيره، ذلك أن الاجوار هم أكثر الناس معرفة ببعضهم بعضا، حتى أن هناك مقولة شائعة تقول إن الجار قبل الدار.

لكنّ الواقع المتأثر بالظروف المعيشية الصعبة والصراع من أجل لقمة العيش وانعدام الخدمات في البيوت، كلها عوامل أثرت على علاقة الاجوار ببعضهم بعضا، فزاد التنافس بينهم  وكثرت الضغينة وقلت الرحمة والمودة.

ومع إطلالة الحياة العصرية، انهارت العلاقة المميزة التي كانت تربط بين الجيران في الماضي. وجعلت صعوبة الحياة وهمومها ومشاغلها، التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، بعض الناس لا يجدون فرصة للتواصل وتعزيز العلاقات فيما بينهم، وإحياء العادات والتقاليد الأصيلة، التي نشأوا وتربوا عليها، والتي تحث على حسن معاملة الجار، وإسداء العون له، وتبادل الزيارة معه، والوقوف إلى جانبه، في السّراء والضراء، وفي أوقات الأفراح والأتراح.

وقال الأمين الشابي الكاتب الصحافي التونسي “ليس من الواقعية التعميم بأن علاقات الجيران تعيش أتعس الأوضاع ولكن أيضا ومن باب التنسيب توجد نسبة عالية من الجيران تعيش علاقات متوترة للغاية خاصة بسبب التوسع العمراني وما ينتج عنه من خصام بين الجيران عند فتح نوافذ مطلّة على مسكن جاره.

وأضاف أن القضايا المنشورة في المحاكم أكبر دليل على هذا الإشكال القائم بين الجيران فضلا عن عدم احترام بعض الجيران لقيم الجوار وأخلاقه ومبادئه التي تحتم حدّا أدنى من الاحترام.

وأشار الشابي إلى أن  هناك من الجيران من يتجرّأ على التلفظ بألفاظ سوقية على مرأى و مسمع من جيرانه وأحيانا يكون متعمدا في ذلك، وقد يصل الأمر ببعض الجيران إلى محاولة جسّ النبض من أجل التحرش والإتيان بأفعال لا يقبلها لا العقل ولا الدين.

ضياء المندلاوي: هناك ضعف في احترام القيم الأخلاقية المبنية على التكافل والتضامن

وتساءل عن سبب انحدار العلاقة بين الجيران إلى هذا الحدّ والحال أن ماضينا كان يزخر بالعلاقات الطيبة بينهم حيث كان الجيران إخوة بكل ما في الكلمة من معنى، يصونون حرمة بعضهم البعض، ويحافظون على العادات والتقاليد والأعراف، وهو ما كان يطمئن الجميع ويشعرهم بالأمان.

وقال الشابي إنه في ما مضى كانت أملاك الجار وما حَوَتْ دارُه، أمانة في عنق جاره إذا غاب عنها، وعليه الحفاظ عليها حتى يعود. بل كانت استعارة بعض لوازم المطبخ منتشرة بشكل كبير بين الجيران، فلم يكن بمقدور أهل البيت شراء كل اللوازم والأواني المنزلية التي يحتاجونها في المطبخ، فكان الناس يستعيرونها من بعضهم بعضا، و كانوا يستعيرون من القهوة المطحونة لعمل فنجان قهوة للضيف، حيث لم تكن القهوة تتواجد باستمرار في البيوت، لأن الشاي كان هو المشروب الشعبي السائد، وكانت القهوة تقدم فقط للضيوف الغرباء. وإذا نفد الخبز من بيت أحدهم، كان يستعير بعض الأرغفة من جيرانه، ثم يردها إليهم في اليوم التالي. وتابع “أين نحن اليوم من كلّ هذا سوى المشاحنات والبغضاء والتنصت على البعض ومراقبة حركاتهم؟”.

وقال الدكتور ضياء المندلاوي “إن موضوع المودة والرحمة من الموضوعات الهامة والضرورية التي على الفرد الالتزام بها ليس فقط بين الجيران بل بصورة عامة مع الجميع، وهو ما أكدت عليه الديانات السماوية، ذلك أن التراحم والتعاطف بين الأفراد من القيم الأخلاقية الكبيرة في المجتمعات، وسمة حضارية وإنسانية، ولها دور كبير في إشاعة روح التضامن والتكافل والترابط بين الأفراد”.

وأضاف، لكن للأسف الشديد نلاحظ في بعض المجتمعات العربية ضعفا في احترام هذا الموروث والالتزام الديني والأخلاقي بين أفراد المجتمع الواحد، وهذا لا ينسجم مع عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة. فالمودة والرحمة واجب أساسي يجب الالتزام به، تجاه أسرتنا وجيراننا ومجتمعنا، وعلى الإعلام ومنظمات المجتمع المدني النهوض بواقع عملهم الإنساني والتأكيد على هكذا موضوعات هادفة تخدم المجتمع وتعزز روح التسامح والسلم الاجتماعي.

بدوره دعا الشابي إلى دعم علاقات التآخي والتآزر والتعاطف بين الجيران وإلى تكوين جمعيات تتخصص في رأب الصدع الخطر الذي أصاب العلاقات بينهم ولم لا تنظيم حملات لتقريب الجيران من بعضهم بعضا بعيدا عن المشاحنات الجوفاء وذلك من أجل بناء مجتمع متماسك ومتعاون حتى يقدر على تجاوز المصاعب الجمّة التي تفرضها الحياة العصرية، والتي فرضت أحيانا نمط حياة سريعا على حساب العلاقات الجيدة بين الأجوار.

وقال الصحبي بن منصور أستاذ الحضارة في جامعة الزيتونة إن الجار مثّل في حضارتنا العربية الإسلامية حجر أساس في المجتمع، فاعتناء الإسلام به يعادل العناية بالأسرة التي هي نواة المجتمع الأولى فصلاحها من صلاحه، وكذلك تأسيس علاقة الجوار على التفاهم وحسن المعشر والتضامن المادي والتآزر المعنوي يمثل دعامة متينة للاستقرار المجتمعي.

وأضاف أنه رغم تنامي الاعتقاد في أن المودة والتراحم قد رفعا من الدنيا لاستفحال الأنانية، وكثرة المشاكل بين الأجوار، وغياب القدوات الحسنة التي يستحي منها الأفراد في زمن المادية الغالبة، إلا أنهما قد اتخذا أشكالا جديدة يتم التعبير عنها من خلال حملات التيليتون بالتلفزات ومن خلال مشاريع التضامن في المساحات التجارية الكبرى وعن طريق الجمعيات الخيرية والمنظمات الوطنية الكبرى ذات النشاطات الصحية والاجتماعية وأيضا عن طريق هياكل النهوض الاجتماعي بالدولة.

كلما تمسك الجيران باحترام بعضهم بعضا ازدادت أواصر القوة والمنعة ضد كل تيار معاد للمجتمع، وزاد الاحترام والتآزر

غير أن التضامن يرتفع مدة من الزمن في بعض المواعيد الدينية مثل شهر رمضان وفي عيد الأضحى وكذلك عند بعض المناسبات ويأتي في مقدمتها الختان والزواج… أما المودة فلا تبرز بشكلها اللافت إلا في حالات الحوادث والأمراض الخطرة والمآسي الاجتماعية.

ويشدد الخبراء على ضرورة  الإحسان للجيران وذلك بالابتعاد عن كل ما يؤذيهم أو يخدش كرامتهم أو يمسهم بسوء، وأن نحب لهم ما نحبه لأنفسنا ونفرح لفرحهم ونتألم لألمهم.

ومن مظاهر الإحسان إلى الجار أن تتعهد المرأة جيرانها المعسرين بالهدية والهبة من دون المساس بكرامتهم، وأن تشترك جميع أنواع الجوار في حقوق يجب الالتزام بها لإنشاء مجتمع يسوده الاحترام والتعاون والتآزر، فكلما تمسك الجيران باحترام بعضهم ازدادت أواصر القوة والمنعة ضد كل تيار معاد لهذا المجتمع وعليه فالقول الحسن والعمل الصالح من بين ما يوثق أواصر الجوار ويحبب الجيران إلى بعضهم بعضا.

21