هل مازال بإمكان العلويين العيش في تركيا

الأربعاء 2015/10/07
مظاهرة لأبناء الطائفة العلوية في تركيا يطالبون فيها بالمساواة أمام القانون

أنقرة- بمجرد التعمق في تركيبة المجتمع التركي وتحسس التمايزات بين الأقليات القومية والدينية التي تكون الوحدة الاجتماعية التركية عموما، يمكن التعرف إلى مظاهر التمييز بين الطوائف والأديان بشكل سريع. فالانطلاق من مسلمة بسيطة مفادها أن العلمانية التركية العريقة أضحت اليوم مجرد شعار دستوري، سوف يؤدي إلى استنتاجات خطيرة تتمثل في أن التمييز بين أتباع الأديان ـوهو نتيجة للتخلي عن العلمانيةـ هو أمر واقع في تركيا.

يبدأ الحدث الأخير في هذا السياق بافتتاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأحد المعاهد العليا للأئمة الخطباء والذي استغله أردوغان ليلقي كلمة يشير فيها إلى تحولات عميقة في سياسة الدولة تجاه الأقليات الدينية. فقد أشار أردوغان في خطابه هذا إلى أن الحريات الدينية والمذهبية أمر واقع في تركيا اليوم، معرجا على سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم، قائلا بأنها سياسة لا تميز بين المواطنين ولا تفرق بينهم على أساس ديني أو مذهبي.

لكن الواقع غير ذلك، فقد أظهرت العديد من التحقيقات الصحفية في تركيا أن السلطات المحلية تأتمر مباشرة بأوامر قيادات مركزية من حزب العدالة والتنمية المرتبطة بمراكز حكومية نافذة بعدم توظيف أبناء الطائفة العلوية في الوظائف العمومية، وقد نشرت صحيفة “تراف” التركية الشهر الماضي تحقيقا استقصائيا يظهر حدوث تمييز ضد العلويين في عملية توظيف موظفين في الخدمة المدنية. وأظهرت الوثيقة أسماء مرشحين علويين مسطرة بالأحمر، ما يوحي بأنه يجري منعهم من الوصول إلى هذه الوظائف.

ولا تعد هذه الحادثة في معزل عن سياق كامل من السياسة الإقصائية القائمة على التفرقة المذهبية بين المواطنين الأتراك من الطائفة العلوية والطوائف الأخرى، فقد سبق أن التجأ العلويون الأتراك إلى المحكمة الدولية للتظلم لديها وإثبات التمييز ضدهم وضد حقوقهم، وقد كان حكم المحكمة في جملة القضايا إيجابيا بالنسبة للعلويين، إذ أقرت المحكمة الدولية بوجود تمييز ضدهم وحرمانهم من ممارسة الوظائف العمومية بسبب انتماءاتهم الطائفية، وقد أكدت المحكمة ضرورة إعادة كل الحقوق إلى العلويين، لكن حزب العدالة والتنمية بقي محافظا على ممارساته الإقصائية حسب كل الشهادات.

كمال كليجدارأوغلو: علمانية تركيا مهددة بالسلوك الطائفي الذي يطبع سياسة أردوغان وحزبه

ومن ناحية أخرى، تمثل الطائفة العلوية المجموعة غير المعترف بها في تركيا من ناحية معتقداتها، وهي تقريبا المجموعة الطائفية الوحيدة التي لا تحظى باعتراف رسمي، إذ تسمى أماكن عبادة العلويين الأتراك “بيت الجمع”، وهي لا تتمتع بالاعتراف من جانب الدولة كدور للعبادة، والطريقة الوحيدة التي يمكن أن تنشط فيها بيوت الجمع هذه بشكل قانوني هو تحت صفة “مؤسسة”.

ويقول مراقبون، إن حقيقة مشكل دور العبادة التابعة للعلويين تعود إلى أن جميع أعضاء مديرية الشؤون الدينية التي تهتم بجميع المسلمين هم من أتباع المذهب الحنفي، ولا تعترف هذه المديرية بالطوائف أو المذاهب الأخرى، ناهيك عن النظم العقائدية، وهذا مخالف حتى للمذهب الحنفي ذاته، كما أنها لا تقدم أي خدمات على الإطلاق إلى أي مجموعة أخرى. وينظر إلى هذه الممارسة على أنها عين الممارسات الطائفية والتي تتناقض جذريا مع أسس الحياة الجماعية ومبادئ التعايش. وبالتالي فإن الطائفة العلوية تعاني من التمييز ضدها.

والأمر الآخر الذي يجذب الانتباه في سياق مخالفة المبدأ الدستوري التركي في علمانية الدولة، فإن سياسة أردوغان جعلت من الدروس الدينية إلزامية في المدارس التركية وفق المذهب الذي عليه حزبه، وفي الواقع فإن إجبارية التعليم الديني تعد من المظاهر التي رافقت “الفترة الفاشية” عقب انقلاب 12 سبتمبر 1980، وهو الأمر الذي أصبحت تمارسه حكومة العدالة والتنمية بكل قوة اليوم.

ويؤكد رئيس المؤسسة العلوية البكداشية في تركيا علي بلقيز أن سياسة حزب العدالة والتنمية “تقوم على تكتيكات سياسية من بين أدواتها اللعب على الوتر الطائفي والعرقي”. ويعتبر هذا السلوك السياسي محل استهجان من قبل العديد من الأحزاب ذات الطابع العلماني.

12