هل ما زال العراق دولة؟

العراق لم يعد دولة وهو محكوم بمسلح خارج على القانون هو قيس الخزعلي ومعه رفاقه في السلاح وشركاؤه في الولاء الكامل والنهائي لقيادة دولة أخرى خارجية علنا وعلى رؤوس الأشهاد.
الثلاثاء 2021/07/06
دولة الأزمات

لمعرفة حقيقة الدولة العراقية اليوم، قياسا بأحوال دول العالم الثالث الأخرى غير المصابة بعاهات مستديمة يتوصل الباحث المنصف المحايد إلى نتيجة واحدة مانعة قاطعة تؤكد أن العراق لم يعد دولة، على الأقل منذ يوم تأسيس الحشد الشعبي 2014، وما بعده، رغم أن فيه رئاسةَ جمهورية ورئاسة حكومة وبرلماناً وجيشاً وعلما ودستورا، كما يبدو للناظر إليه من بعيد.

وقد جاءت أزمة الكهرباء الأخيرة، مع حرارة تجاوزت الخمسين درجة، لتكشف هذا الواقع الذي لا يعرفه ولا يعرف طعم مرارته سوى المواطن العراقي الذي يكتوي بناره الحارقة، كل يوم وكل ساعة.

ومثل إشكالية "الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة" يتساءل المواطن هل أن سبب الخراب هو النفر الانتهازي المرتشي من العراقيين، أم هي إيران التي وجدت من أهله نفرا من المتطوعين لخدمتها والنيابة عنها في الإمساك بتلابيب الوطن، فلا تعف، ولا ترعوي؟

فحكومة الجارة المسلمة (الشيعية) منعت عن (مستعمرتها) العراقية، خصوصا المحافظات الجنوبية (الشيعية)، أيضا، إمداداتها من الكهرباء، بسبب مديونية العراق لها بأكثر من 4 مليارات دولار للكهرباء لا تستطيع الحكومة العراقية، وهي المُسيَّرة إيرانيا، أن تدفع هذا الدين بحكم العقوبات الأميركية التي لا تتيح للعراق إمكانية تحويل مثل هذه المبالغ الكبيرة. وإن فعلت فهي مهددة بأن تشملها عقوبات الولايات المتحدة، فتكون هي الطامة الكبرى التي لن يستطيع اقتصادُها المهزوز تحمل أعبائها.

ومن قبل الغزو الأميركي للعراق، وتحت سمع قوات التحالف الدولي وبصرها، وفي السنوات التي تلت خروجها من العراق، نجحت إيران في حبك شبكة أمنية متلازمة مع الكتل والأحزاب الحاكمة وأجنحتها العسكرية التي وُلد أغلبها في إيران، قبل الغزو الأميركي 2003 وبعده، وترعرع بالسلاح والخبرة والحماية الإيرانية، وبالإشراف المباشر من الحرس الثوري الإيراني وذراعه الخارجية، فيلق القدس، الذي يقوده إسماعيل قاآني خلفا للقتيل قاسم سليماني.

وبعد أن شكلت إيران ما أصبح يدعى بـ”الحشد الشعبي”، عام 2014، والذي هو في واقعه نسخة معدلة من الحرس الثوري الإيراني، مستغلةً فتوى السيستاني الذي لم يُصدر فتوى أخرى يأمر فيها بحله لانتفاء الحاجة إليه، ولتحقّق الغرض من تشكيله، ولانحرافه عن واجبه الوطني، وبسبب فساده وظلمه وتعدياته، تكاملت لإيران الوصاية الحقيقية الواقعية على الحكومة والبرلمان والقضاء والجيش والمخابرات، وعلى المرجعية ذاتها. ولا ينكر هذا الواقع المرير إلا مغرض ومزور أو أعشى لا يبصر، دون ريب.

فمن أول أيام مجلس الحكم الذي قام على أسوأ نماذج المحاصصة الطائفية والعنصرية تنبأ كثيرون من الكتاب والسياسيين العراقيين والعرب والأجانب بفشل النظام الجديد، وتكهّنوا بحجم الضرر والخراب والتمزق والفساد الذي سوف يجلبه للشعب العراقي، وللمنطقة، باعتبار أنه لم يقم على أساس الهوية الوطنية العراقية الواحدة، ولا وفق المبادئ والقيم العصرية الديمقراطية التي تحقق تطلعات الشعوب في القرن الحادي والعشرين.

ولأن المقدمات تصنع النتائج فإن أي نظام يعود بالمجتمع إلى الوراء عشرات السنين، ويَستنهض الفكر الظلامي المتخلف، والعصبيات القبلية، والنزعات الطائفية والعنصرية المتطرفة، ويعادي التحضر والتقدم والتطور، لا بد أن يصل، عاجلا أم آجلا، إلى حالة اللادولة الحالية المتشابكة المعقدة التي يعيشها الشعب العراقي اليوم.

فلا يحدث إلا في العراق الجديد أن يستطيع واحدٌ مسلحٌ بلا علم ولا ثقافة ولا ذوق ولا حسن سلوك أن يصادر صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة والبرلمان والحكومة والجيش، ويقرر سياسة الدولة الخارجية والداخلية معا، ويعلن الحرب على دولة، أو دولٍ أخرى، علناً وعلى شاشات التلفزيون، ولا يجرؤ أحدٌ في الحكومة أو البرلمان أو القضاء على معاقبته أو على مجرد معاتبته ولو بالكلام.

فقد هدد الأمين العام لميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، الولايات المتحدة، بعد قصفها ميليشيات موالية لإيران في سوريا والعراق، قائلا “إننا جاهزون بشكل كامل للرد على أميركا”، و”عملياتُنا ضد الأميركيين انتقلت إلى مرحلة جديدة”.

وكشف الخزعلي عن مضمون رسالة وجّهها إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، يحذره فيها من السماح لأي طرف حكومي عراقي أو عربي أو أجنبي بالضغط عليه من أجل منع الفصائل (المجاهدة) من الرد على الولايات المتحدة في العراق.

وفي مقابلة تلفزيونية، وفي معرض رده عمّا إذا كانت الفصائل المسلحة العراقية مملوكة من قبل صانع القرار الإيراني، رفض الخزعلي هذا الكلام، وكشف عن رسالة شديدة اللهجة بعث بها إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني. فقال “أبلغتُ قاآني شخصياً بأننا لن نسمع منكم في المستقبل، إذا تعرّضتم لضغوط”. و”قلت له إن المخازن التي قُصفت هي تابعة لنا، وإن الشهداء الذين سقطوا هم أبناؤنا، وإنا نحن من قدم الخسائر والتضحيات، وبالتالي فهذه القضية نحن معنيون بها أيضاً، وفي حال زارتكم شخصيات أو وفود عراقية تحاول الضغط عليكم أبلِغوهم بأنّ القضية عراقية، وليست قضية إيرانية”.

وأكد الخزعلي أن “وقف أعمالنا لعسكرية، يأتي وفق شروط: أولها، عدم إبقاء أي قاعدة عسكرية غير عراقية، والسيادة على الأرض والسماء”.

إذن، وكما ترون. إن العراق لم يعد دولة، وهو محكوم بهذا المسلح الخارج على القانون ورفاقِه في السلاح وشركاؤه في الولاء الكامل والنهائي لقيادة دولة أخرى خارجية، علنا وعلى رؤوس الأشهاد.

ففي الدول الأخرى التي تحترم نفسها وشعبها هناك قيادة عامة للقوات المسلحة، أو هيئة للدفاع أو الأمن الوطني، تقرر، وحدها، حالات الحرب والسلام. أما في العراق الجديد فهناك قيس الخزعلي، وهادي العامري، وفالح الفياض وأبوفدك، وهُم رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والقيادة العامة للقوات المسلحة والبرلمان والدستور ووزارة الخارجية. وعلى المتضرر أن يلجأ إلى القضاء. ولكن عليه قبل أن يتوجه إلى قضاء فائق زيدان ومدحت المحمود ينبغي عليه أن يتذكر أنه، أيضا، قضاؤهم، شاء من شاء، وأبى من أبى، ولله في خلقه شؤون.

9