هل محسن رضائي القائد البراغماتي الذي تنتظره إيران؟

القاسم المشترك بين الطامحين للرئاسة من المحافظين يكمن في تقديمهم أدوات فعالة للحرس الثوري والموالين له لتعزيز النفوذ السياسي لشبكتهم في البلاد.
السبت 2021/05/08
رحلة سياسية مثيرة للاهتمام

فتح اكتساح قادة الحرس الثوري للانتخابات التشريعية الإيرانية العام الماضي شهية العسكريين للاستحواذ على السلطة التنفيذية أيضا. لكن يبدو أن الانتخابات الرئاسية بعد أسابيع ستكون مختلفة بعض الشيء، فبينما يتجه هذا الاستحقاق نحو ذروته أصبحت المعركة بين المعسكرات المتشددة والبراغماتية واضحة أكثر.

طهران - يكثف المرشحون المحتملون للرئاسة في إيران حملاتهم ويوجهون رسائل إلى المواطنين لاستمالتهم مع اقتراب موعد الاستحقاق المقرر في يونيو المقبل لاختيار رئيس جديد للبلاد، في الوقت الذي تبرز فيه شخصيات تريد أن تتعامل بلدهم مع الواقع بعقلانية أكبر.

ويقف أمثال محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي وهو شخصية بارزة بين المحافظين حيث ارتقى في صفوف الحرس الثوري ليصبح قائدا لسلاحه الجوي في أواخر تسعينات القرن الماضي. وترأس قوة الشرطة في البلاد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قبل أن ينتقل إلى السياسة ليصبح عمدة طهران في 2005.

ويرى فيه الكثير من الإيرانيين المرشح الرئاسي الدائم، فقد ترشح للمنصب ثلاث مرات على الأقل في السابق. ولا تزال عناصر من داخل النظام عازمة على دفع ترشيحه؛ حيث يهاجم مسؤولو الحرس الثوري المتشددين الآخرين، حتى أنهم بادروا إلى استبعاد البعض من خلال مجلس صيانة الدستور، وهو الهيئة المسؤولة عن الموافقة على المرشحين.

ويحافظ رئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي، وهو من الشخصيات البارزة المحتملة الأخرى في المعسكر المتشدد، على مستويات عالية من الشعبية بين الإيرانيين واتصالات عميقة بالمطلعين على النظام بمن في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي.

ويكمن القاسم المشترك بين الطامحين للرئاسة مثل رئيسي وقاليباف وغيرهما من المحافظين المخلصين في أنهم جميعا يقدمون أدوات فعالة للحرس الثوري والموالين له لتعزيز النفوذ السياسي لشبكتهم في البلاد من خلال شغل منصب الرئاسة ورئاسة البرلمان.

وفي مواجهة هؤلاء المرشحين المحتملين يقف السياسيون الإيرانيون الأكثر براغماتية منذ فترة طويلة والذين يسعون إلى إبعاد البلاد عن سلوكها المارق في المنطقة على الجانب الآخر من المعركة الانتخابية.

إذا فاز رضائي بالرئاسة قد يعيد التعامل مع الغرب ويخفف الأجندة التوسعية التي اعتمدها المعسكر المتشدد في المنطقة

ويُنظر إلى وزير الخارجية المخضرم محمد جواد ظريف، على نطاق واسع، على أنه من هذه الشخصيات؛ فبينما كان لسنوات رجل الواجهة في ما يتعلّق بسياسات إيران التوسعية والعدوانية، يبدو أن لهذا المسؤول في حكومة الرئيس حسن روحاني نفسه آراء أكثر عدوانية حول الكيفية التي يجب أن تعمل بها بلاده.

وفي تسجيل صوتي سُرّب مؤخرا لمقابلة مع صحافي إيراني أعرب ظريف عن أسفه لحقيقة أن الحرس الثوري والمتطرفين داخله قد افتكّوا جل السلطة في تحديد السياسة الخارجية، وتركت وزارته خارج دائرة المعلومات بلا قوة. وقد أصدر اعتذارا علنيا عن التصريحات التي أدلى بها خلال المقابلة، بينما أكد الكثيرون أنه سرب التسجيل الصوتي عن قصد على الأرجح كمحاولة للتعريف بموقفه الأكثر اعتدالا للجمهور المحلي وللعالم.

وبالإضافة إلى ظريف هناك محسن رضائي، القائد السابق في الحرس الثوري، وهو الآن سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام. وتبدو رحلته السياسية مثيرة للاهتمام حيث كان من المطلعين المقربين من النظام لسنوات، مُجسّدا “جيل الثورة” كما هو معرّف في إيران، ومؤمنا بقيم الثورة ورؤيتها وممثلا لها.

وقبل دخوله عالم السياسة اكتسب رضائي سمعة لعدم خوفه من تحدي عقيدة النظام. وبات معروفا لأول مرة في دوائر صانعي القرار الإيرانيين في أواخر ثمانينات القرن الماضي؛ حيث دافع بشدّة، بصفته قائدا في الحرب الإيرانية – العراقية، عن الدبلوماسية لحل الصراع، مما سبب عداء متطرفي الحرس الثوري له، حيث اعتقدوا أن الطريق الشرعي الوحيد كان النزاع النشط.

وأثناء حكم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد تحدث رضائي ضد تصريحات الرئيس المتعصبة بانتظام، وانتقد سياساته المتشددة في ما يتعلق بالقضايا الخارجية والداخلية.

Thumbnail

وفي الآونة الأخيرة كان رضائي من أشد المؤيدين للمصالحة مع الولايات المتحدة. وفي خروج عن مطالب بعض زملائه التي اعتُبرت أكثر تشددا طرح هدف استئناف المحادثات مقابل التزام من واشنطن برفع العقوبات تدريجيا. وفي مقابلة مع صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية طرح اقتراحه قائلا إنه “يجب رفع العقوبات شهريا أثناء المحادثات، مع منح الأولوية للمعاملات المالية وصادرات النفط”.

واقترح أن ترفع الولايات المتحدة تجميد مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المودعة في بنوك أجنبية كإجراء لبناء الثقة. كما أعلن القائد السابق للحرس الثوري عن معارضته تصعيد إيران أنشطتها النووية، مدعيا أنها تلحق الضرر بمصالح البلاد، وتستفز في النهاية المجتمع الدولي.

وتقول المحللة ماجا نيلسون إنه ربما تكون تصريحات رضائي الأخيرة هي الأهم، لاسيما في ما يتعلق بالموقّعين على الاتفاق النووي الأوروبي. وتشير إلى استعداده لسلوك الطريق البراغماتي والانخراط مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. كما يبدو أن لموقفه الأكثر اعتدالا تأثيرا على السياسة الإيرانية على أعلى المستويات بالفعل.

وبصفته سكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام فهو مسؤول عن وضع السياسات التي يوافق عليها المرشد الأعلى. ومن المحتمل أن يكون خامنئي قد بارك إجراء رضائي لمقابلات من هذا النوع، على أمل أن تساعد إيران على كسر الجمود الدبلوماسي.

ومن هذا المنطلق ترى نيلسون أنه ينبغي لزعماء أوروبا أن يضعوا رضائي على رادارهم على الأقل. فهو رجل صاغت مسيرته السياسية وجهات نظره بشكل واضح وسمحت له بدمج مقاربة براغماتية لعلاقات إيران في المنطقة والعالم.

ومن المرجح أن تتميز إدارة رضائي في حال فاز بالرئاسة بإعادة التعامل مع الغرب وتخفيف الأجندة التوسعية التي اعتمدها المتشددون في المنطقة. وقد تكون هذه الفرصة التي طال انتظارها لسد الفجوات مع إيران التي قطعتها سنوات من نزاع الصفقة النووية وعدد كبير من الحوادث الإقليمية التي لا تنتهي.

6