هل مدننا فضاء لإنتاج المعرفة

الجمعة 2017/06/02

في كتابه “المسألة الثقافية” قال الناقد المغربي الراحل محمد عابد الجابري أن “المدينة هي االفضاء الطبيعي لإنتاج المعرفة ونموها” كما أنّ “نمو الحاجات البشرية وارتفاعها من الضروري إلى ما فوق الضروري في المدينة يجعل الإنتاج المعرفي والنظري، والأدبي والعلمي والفلسفي ممكنا”.

ويلاحظ أن تخصص الدراسات الثقافية في مؤسسات التعليم العالي في الغرب يولي اهتماما بالغا أيضا لنقاط التقاطع بين ثقافة المدينة وثقافة الريف في عصرنا الحديث، وفي هذا الخصوص نجد مؤلفات مهمة للرواد المؤسسين لهذا التخصص المعرفي تدرس الملامح المميزة لثقافة الفلاحين الريفيين عن ثقافات طبقة العمال في ضواحي المدن، وثقافات الطبقة الوسطى وما فوق الوسطى والطبقة العليا وهلم جرا.

ويلاحظ أحد النقاد البريطانيين أن الكثير من الاختلافات الثقافية التي كانت تميز في الماضي البعيد بين الريف والمدينة في أوروبا/الغرب قد بدأت تتلاشى بسبب تمدين الثقافة الريفية وتحديث البنية المعمارية للريف الذي صار مزودا بشبكات الطرقات العصرية والسككة الحديدية وحتى بالمطارات الصغيرة. وهنا نتساءل: هل مدننا فضاءات لإنتاج المعرفة النظرية والأدبية والفكرية التي يتحدث عنها الدكتور الجابري أم أنها ليست سوى قرى منفوخة تسود فيها الثقافة الفولكلورية؟

في هذا الخصوص أتذكر تعليقا طريفا للروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار قال فيه بأن المدن الجزائرية في مرحلة الاستقلال قد أصبحت مجرد “تجمّعات سكانية”، وذلك في إشارة منه إلى الملايين من الفلاحين والبدو الصحراويين الذين حلوا فيها محل السكان الحضريين الذين سكنوا فيها سابقا وساهموا في تطريز جماليات بنيتها المعمارية وثقافتها المتمدنة.

إن هذه المدن الكولونيالية قد أصبحت مريّفة كلية على نحو جعل أحد المعاصرين للأيام الأولى للاستقلال الجزائري يلاحظ أن نسبة كبيرة من هؤلاء الريفيين والبدو الصحراويين قد جلبوا معهم حيواناتهم ودواجنهم وأسكنوها معهم في شققهم الأوروبية المتواجدة في العمارات العالية.

وفي الحقيقة فإن عملية ترييف المدن في الجزائر ونزع ثقافتها المتمدنة قد رافقها التحطيم المنهجي للمئات من تماثيل الشخصيات الفنية والتاريخية والأدبية التي كانت تزين الشوارع ومداخل البنايات بالمطارق والهراوات الغليظة والفؤوس الحادة بحجة محاربة الأوثان. ولقد واصلت هذه الذهنية عمليات تحويل عدد من المقاهي الثقافية والفنية الشهيرة في المدن الكبرى، والتي كان يرتادها الأدباء والفنانون والمفكرون والأساتذة مثل مقهى اللوتس بالعاصمة الجزائرية، إلى محلات لبيع الأحذية.

كاتب جزائري

15