هل من تغيير في سياسة إيران التوسعية

الأربعاء 2013/08/28
العراقيون ملوا التدخل الفج لإيران في شؤون بلادهم الداخلية

لا ريب أن الهدف من تلك الثورة الإطاحة بحكم الأسرة البهلويّة المستبدّة والقائمة على سلب الحق في تقرير المصير للشعوب غير الفارسيّة كالأحوازيين العرب والآذريين الترك والأكراد والبلوش والتركمان.

والمعروف أن هذه الشعوب تشكّل أكثر من 70 بالمئة من تعداد سكّان ما تسمّى بخارطة إيران السياسيّة، أما الشعب الفارسي ورغم أقليّته قياساً ببقيّة الشعوب المذكورة، فيحتكر السلط الثلاث ويُهيْمِن على مقدّرات بقيّة الشعوب، ليُسلب منها حقّها المشروع في تقرير مصيرها وجميع حريّاتها الأساسيّة وحقوقها الإنسانية، بما في ذلك فرض اللغة الفارسيّة في المناهج التعليميّة ومنعها الدراسة والحديث بلغتها القوميّة بُغية تفريسها والسعي لمحو هويّتها وطمس معالمها.

ورغم تأكيد الرئيس الإيراني الجديد "حسن روحاني" ووزير خارجيّته "محمّد جواد ظريف" على "تمسّك إيران بمبادئ سياستها الخارجيّة وعزمها إجراء بعض التغييرات في الأسلوب فقط"، إلا أن البعض لا يزال يعلّق بعض الآمال الواهية على تراجع الدولة الإيرانيّة عن سياستها التوسعيّة على حساب الأمّة العربيّة والكف عن تدخّلاتها المستمرّة في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة، ويؤكد ذلك الإعلان الرسميّ لكل من مصر واليمن والكويت والإمارات والبحرين عن "إلقاء القبض على شبكات تجسّس إيرانيّة" يعمل غالبيّتها لمصلحـــــة الــحرس الثوري الإيراني.

ويتولّى "فيلق القدس" الذراع الأقوى للحرس الثوري مهمة إدارة مشروع إيران التوسّعي خارج الحدود ويقوده اللواء"قاسم سليماني" المُدرج على قائمة الإرهاب مِنْ قِبَلْ العديد من الدول. وعوضاً عن دعوة وزير الخارجيّة ظريف أو"علي أكبر ولايتي" مستشار خامنئي للشؤون الدوليّة والسياسة الخارجيّة، استدعى مجلس خبراء القيادة الإيراني اللواء سُليْماني، ليوضّح للمجلس صورة حول العالم الإسلامي وما يدور في مصر وسوريا والعراق ولبنان وسائر البلدان الإسلاميّة وفقاً لـ"أحمد خاتمي" أحد أعضاء الهيئة الرئاسيّة في المجلس.

ويعلّق الذين صوّتوا لـحسن روحاني الكثير من الآمال لإنهاء العقوبات الاِقتصاديّة والماليّة ضد إيران وكذلك إيجاد تسوية للملف النووي وبالتالي وضع حد لاِنهيار العُملة الإيرانيّة والتضخّم الذي بلغ أوجه فسجّل نسبا خياليّة تجاوزت الـ 40 بالمئة وفقاً لتقارير البنك المركزي الإيراني. ولهذه الأسباب وقع اِختيار روحاني على ظريف لتولّي منصب وزير الخارجيّة وتحسين العلاقات مع أمريكا في مقدّمة أجندته الخارجيّة، خاصّة أن الأخير درس في أميركا وعاش فيها وعمل سفيراً لإيران في الأمم المتحدة بنيويورك، ويُعد ضليعاً بالشؤون السياسيّة والاِجتماعيّة الأمريكيّة على حد سواء.

ولكن دعوة مجلس خبراء القيادة لـسُليماني رئيس فيلق القدس الإرهابي يؤكد أن المُخرج والمؤلّف في رسم سياسة إيران الخارجيّة هو الحرس الثوري وما ظريف إلا مجرّد ممثّل يأتمر بأوامر المُخرج ومنفذاً لتعليماته.

وحضور سُليماني في مجلس خبراء القيادة لشرح السياسة الإيرانيّة في كل من مصر وسوريا والعراق ولبنان واليمن والبلدان الإسلاميّة، يُعد دليلاً قاطعاً على مدى التدخل الإيراني في الشؤون الداخليّة لهذه البلدان، وينفي مزاعم قادة إيران بعدم إرسالها الأسلحة إلى الدول المذكورة. ومجرّد تبنّي قادة إيران مشروع تصدير الثورة على الصعيد الرسمي، إنما يعتبر إدانة صريحة وواضحة لطهران كونها تعطي لنفسها الحق بتصدير بضاعتها الفاسدة في نظر الكثيرين دون حصولها على تأشيرة دخول.

ويؤكد ذلك اِتساع نفوذ الحرس الثوري في القارّة الأفريقيّة والقواعد الإيرانيّة في "أرتيريا" و"جُزر حُنَيْش" المحتلة من قِبَلِها في البحر الأحمر، إضافة إلى النفوذ في أميركا اللاتينيّة وخاصّة هيمنة إيران على مفاصل الحكومة العراقيّة إثر اِصطفافها المفضوح إلى جانب من تطلق عليه تسمية "الشيطان الأكبر"(أميركا) واعترف بذلك علناً كلاً من الرئيس السابق أحمدي نجاد ومن قَبْله"أبطحي" مدير مكتب الرئيس الإيراني الأسبق محمّد خاتمي، متباهيان بـ"عدم قدرة أميركا على اِحتلال أفغانستان والعراق لو لا الدعم الإيراني لها".

ولا ريب أن الحرس الثوري الإيراني يسير قدماً في مشروعه التوسّعي، وشعار الاِعتدال لـحسن روحاني ونقله الملف النووي من المجلس الأعلى للأمن القومي إلى وزارة الخارجيّة الإيرانيّة، سوف لن يغيّر شيئا في نوايا إيران التوسعيّة في المنطقة ولا يزال الحرس يُهَيْمِن بقوّة على صنع القرار في إيران، أما العقوبات الاِقتصاديّة والماليّة فهي مُرحّب بها من قبل العديد من قادة الحرس الذين امتهنوا التهريب على الصعيد الدولي، فالاِقتصاد الإيراني الذي يعتمد بنسبة 92 بالمئة على ثروات النفط والغاز والمعادن المتأتية من دولة "الأحواز" العربيّة المحتلّة، يعتمد أيضاً على التهريب بنسبة 19 مليار دولار خلال العام الماضي فقط وبمعدّل 35 بالمئة، وبحكم إشراف الحرس على جميع ممرّات التهريب، فأنه يجني ثروات طائلة جرّاء العقوبات.

وعليه، فأن هذه المؤسّسة العسكريّة الاِقتصاديّة لن تتراجع عن مخططاتها التوسعيّة غير آبهة بإطالة عُمر العقوبات والتضخّم رغم بلوغه مراحل الخطر المحتّم، فنواقيس خطر الثورة تدقّ في إيران بسبب نزول الطبقة الفقيرة إلى تحت خط الفقر بعد تسليم مكانتها إلى الطبقة الوسطى، وبالمقابل فأن قوّات الحرس الثوري وقوى "الباسيج" التابعة له تواصل تدريب ميليشياتها لمجابهة الاِحتجاجات والاِضطرابات المرتقبة بالنار والحديد، حفاظاً على النظام الشمولي بقيادة خامنئي الذي "يستمد شرعيّته وتعليماته من عند الله وفقاً للرؤية الإيرانيّة، فنصّب نفسه حاكماً مطلق اليد والصلاحيّات ضمن جغرافية ما تسمّى بإيران وخارجها".

12