هل من مغيث لأنين الغابات في تونس

استهداف الأشجار المعمرة وتزايد الاعتداء على الغطاء النباتي خلال الحجر الصحي.
الأربعاء 2020/04/29
الاعتداء على الغابات يهدد الثروات الطبيعية في تونس

دق نشطاء البيئة في تونس ناقوس الخطر على خلفية ما تعرضت له عدة غابات أثناء فترة الحجر الصحي من اعتداءات، حيث استغل البعض انشغال الحكومة بالمعركة ضد وباء كورونا المستجد، لقطع أشجار معمرة تشكل موروثا طبيعيا بهدف بيعها واستثمارها في صناعة الفحم، ولتوفير المزيد من الحماية طالب النشطاء بتوفير مراقبة كافية للغابات عبر تشديد الحراسة، كما طالبوا بتشديد عقوبات الجرائم البيئية.

تونس - في زمن الحرب ضد وباء كورونا المستجد وتوجه الحكومات إلى التوقي من هذا الفايروس الذي يضرب برئة الإنسان، هناك وباء آخر يضرب برئة الأرض في تونس خلسة أثناء حظر التجول وفي أيام الحجر الصحي لا يقل خطورة عن كورونا، ويتشكل في سلسلة الاعتداءات المتكررة على أحد ركائز المنظومة البيئية في البلد ألا وهي “الغابات”.

بهذه الكلمات تحذر منيارة المجبري عضو فريق العدالة البيئية بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في حديثها لـ”العرب” مما تتعرض له الثروة الغابية من انتهاك في ظل انشغال الحكومة بحالة الطوارئ الصحية.

واستنادا لتقرير رصد جملة من الانتهاكات في حق الغابات خلال فترة الحجر الصحي، أطلق المنتدى التونسي صيحة فزع لأجل إغاثة الغابات من الاعتداءات التي طالتها داعيا الجميع إلى التكاتف في هذه المهمة.

وسبق هذه التحذيرات، إعلان إدارة الغابات، في الآونة الأخيرة، عن تفطنها إلى شبكة تعمل على اقتطاع الأشجار في عدد من المدن لأجل نيل أرباح من ورائها، واستهدفت الاعتداءات تحديدا الأشجار المعمرة على شاكلة ما تعرضت له “أشجار الزان”، التي تعد موروثا طبيعيا وطنيا حيث يتجاوز عمر الواحدة منها القرن وحتى القرنين حسب خبراء البيئة.

ومما لا شك فيه فإن مواجهة الاعتداءات على الثورة الطبيعية في البلد بمثابة تحد جديد أمام الحكومة لا يقل أهمية عن مقاومة كوفيد – 19 وفيما تطمح حاليا لبلوغ الاستقرار صحي، تجد الحكومة نفسها مطالبة بوقف نزيف الجرائم البيئية والحفاظ على ثورات البلاد وسط تنديد الجمعيات البيئية بالتهاون في حمايتها وعدم وضعها في سلم الأولويات.

اعتداءات متكررة

Thumbnail

تمتد الغابات في تونس على مساحة 5.6 مليون هكتار، ما يعادل 34 في المئة من المساحة الإجمالية للبلاد، وتتمركز بالأساس في جهة الشمال الغربي بين منطقتي “خمير” و“مقعد”. وتعتبر عين دراهم من ولاية جندوبة منطقة غابية بامتياز حيث يمثل الغطاء الغابي 78 في المئة من مساحتها الجملية. وتأوي الغابات ما يقارب المليون ساكن.

 وتشكل الغابة مورد رزق لسكانها البالغ عددهم نحو 900 ألف وفقاً لبيانات وزارة الفلاحة، أي ما يعادل سبعة في المائة من مجموع سكان البلاد. لكن في زمن الحرب ضد كورونا باتت في مرمى الاعتداءات التي يرصد المنتدى التونسي البعض منها.

 وحسب منيارة المجبري فقد وقع تسجيل عدة انتهاكات منها: قطع الأشجار الغابية كقطع 121 شجرة صنوبر بجبل منصور من منطقة الفحص، كما شهدت غابة عين سلام في مدينة عين دراهم بين يومي 4 و6 أبريل اعتداء تمثل في قطع أكثر من 400 شجرة من أشجار الزان المعمرة من أجل صناعة الفحم. وتمثل هذه الأشجار ثروة وموروثا إيكولوجيا يستحيل تعويضه.

كما وقع إضرام النار في مساحة تقدر بـ150 م2 من غابة شعراء بمنطقة التباينية التابعة لمحافظة زغوان، وفي جانب آخر يستغل العديد من تجار الخشب والفحم الثروات الغابية بطريقة عشوائية مما يتسبب في العديد من الكوارث منها قطع الأشجار والرعي العشوائي للأغنام والتوسع الزراعي والعمراني على حساب مساحة الغابات مما يفاقم من ظاهرة التصحر، كما تُحوّل عدة غابات إلى مصبات عشوائية للفضلات.

محمد بوفرة: رصدنا حوالي 200 اعتداء على الغابات في فترة الحجر الصحي
محمد بوفرة: رصدنا حوالي 200 اعتداء على الغابات في فترة الحجر الصحي

وعلى الرغم من التشريعات الرادعة فإن الاعتداءات من هذا القبيل تكاثرت في الآونة الأخيرة بل في نسق تصاعدي منذ الثورة حسب ما لاحظه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، حيث قام المعتدون باستغلال هشاشة الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي تعرفه البلاد لتحقيق أرباح على حساب الغابة التي تعدّ ملكا عاما للشعب والرئة التي تتنفس بها الأرض وذلك بامتصاصها ثاني أكسيد الكربون وطرحها الأوكسجين.

من جهته، يشير المدير العام للغابات محمد بوفروة لـ”العرب” إلى تضاعف الاعتداءات على الغابات في فترة الحجر الصحي. وأوضح أن “إدارة الغابات رصدت حوالي 200 اعتداء عبر استغلال البعض الأزمة الصحية للصيد وقطع الأشجار”. وبين أنه وقع اكتشاف ذلك بالتنسيق مع الأمن، كما قدمت النيابة العمومية قضايا استعجالية ضدّ المخالفين.

وردا على انتقاد جمعيات بيئية لحالة الإهمال التي طالت الغابات نتيجة انهماك الحكومة في الأزمة الصحية. يلفت بوفروة إلى أن إدارة الغابات التي دعمت المجهودات الحكومية في التصدي للوباء عبر شحنات التعقيم في جميع المدن والشوارع والمستشفيات والمنشئات العمومية، كانت وراء التفطن إلى اعتداءات طالت أشجار الزان في الآونة الأخيرة. مشددا على أن الرد سيكون حازما رغم صعوبة الأوضاع والظرف الاستثنائي اللذين تمر بهما البلاد.

وحجز عمال إدارة الغابات في أوائل ابريل 6 شاحنات كبيرة الحجم و4 جرارات محمّلة بكميات من الفحم المصنوع من أشجار الزّان بمنطقة عين سلام الواقعة في مدينة عين دراهم وهي منطقة مرتفعة وعلى دوائر متفرقة تشمل كل واحدة منها بين خمس وست أشجار، إضافة إلى كميات من قطع تلك الأشجار التي يعود عمرها إلى نحو 200 عام.

وذكرت وسائل إعلام محلية أنه “وقع إيقاف 5 أشخاص على قيد التحقيق بعد أن اعترف بعضهم بتعمدهم قطع أشجار الزان، مستغلين في ذلك الأزمة التي تمر بها البلاد، وإجراءات الحجر الصحي العام وحظر الجولان، في منطقة شبه معزولة، وذلك بهدف بيعها إلى مقاه وفنادق لاستعمالها في التدخين بواسطة النارجيلة بقيمة أربعين دينارا للكيس الواحد الذي يسع بين 30 و35 كلغ تقريبا”، وفق ما جاء في الاعترافات الأولية للمتهمين.

وحسب ما ذكره رئيس دائرة الغابات بعين دراهم، حمدة الرزايقي، لوكالة الأنباء الرسمية، فإن الأشجار التي قطعت، “هي أشجار طبيعية تعود إلى نحو ثلاثمئة سنة، وهي أشجار ذات طابع بيئي وغير قابلة للتجديد”، مؤكدا أن “القانون يمنع منعا باتا قطعها أو تقليمها أو المساس بها لأي سبب كان، وذلك لندرتها عالميا، فضلا عن كونها من الأشجار المهددة بالانقراض”.

استهداف الموروث البيئي

لطالما تعرضت الغابات في تونس إلى اعتداءات في جنح الظلام وفي أحيان كثيرة في وضح النهار، لكن لم تقع إثارة هذا الموضوع إلا بشكل ظرفي أي في حال نشوب الحرائق على حين غفلة واستهداف الأشجار المعمرة.

يعزو المراقبون ذلك إلى انشغال الحكومات المتعاقبة بإدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحارقة وبمرحلة الانتقال الديمقراطي الصعبة، فيما وقع التغاضي عن الملف البيئي وما نجم عنه من استغلال البعض للإهمال الحكومي للتسلل خلسة إلى الغابات قصد سرقة موروث بيئي وجني أرباح من ورائه.

وتلفت فايدة مقدمي الناشطة البيئية أنه “بغض النظر عن تقرير المنتدى التونسي الذي رصد جملة من الانتهاكات، إلا أن بعض المواطنين يحاولون في كل مرة استغلال أي ظرف لتحقيق أرباح على حساب ممتلكات الغير وخاصة ممتلكات الدولة”.

وتلاحظ مقدمي أن الثورة الحيوانية والغابية هي أكثر عرضة للاعتداءات. وقد ظهرت أولى الاعتداءات بعد اندلاع ثورة يناير عام 2011 ثم تواصلت طيلة سنوات في ما بعد الثورة، لكنها سجلت ارتفاعا خلال الأزمة الصحية الأخيرة.

العديد من تجار الخشب والفحم يستغلون الثروات الغابية بطريقة عشوائية مما يتسبب في العديد من الكوارث منها قطع الأشجار والرعي العشوائي للأغنام

وتتابع “للأسف هناك بعض الأشخاص يريدون الحصول على أراض غابية بهدف تغيير صبغتها إلى أراض فلاحية.. والبعض الآخر يريد بيع الأشجار وتحويلها إلى فحم”. وتحذر من أن تواصل الاعتداءات يعرض التنوع البيولوجي والمخزون البيئي إلى خطر.

ويتسق رأي المقدمي مع رأي الخبير البيئي عادل الهنتاتي الذي حذر بدوره من خسارة تونس لأصناف نباتية موروثة من الصعب أن يقع تجديدها.

ويشير الهنتاتي إلى أن القضاء على أشجار معمرة يشكل خسارة للتنوع البيولوجي في تونس. ويشرح بالقول “لهذه الأشجار فوائد طبيعية كبيرة فهي تحمي الأرض من الانجراف والتصحر وتوفر الأكسجين وتنقي للهواء”.

ويجمع خبراء البيئة على أن الغابة تشكل درعا ضد التغيرات المناخية حيث تحد من الاحتباس الحراري وتحمي التربة من الانجراف بالإضافة إلى ما توفره من تنوع بيولوجي.

ويتابع الهنتاتي “حين تتلف الغابة تتلف معها أصناف نباتية موروثة تعد مصدرا لكثير من الأدوية”.

الحل في تشديد الرقابة

يجمع الخبراء أنه لا حل لحماية الغابات من الاعتداءات إلا بتشديد الرقابة والعقوبات ضد المخالفين.

ودعا المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى تفعيل العمل بأبراج المراقبة داخل المجال الغابي من أجل استباق أي عمل إجرامي والتفطن إلى الانتهاكات قبل فوات الأوان.

واعتبر الخبير عادل الهنتاتي أن الحل يكمن في تجديد الرقابة والسماح لحراس الغابات في فترة الحجر الصحي بمواصلة عملهم والقيام بمهامهم بشكل استثنائي. كما طالب بتشديد العقوبات والضرب بيد من حديد على كل المخالفين.

عادل الهنتاتي: القضاء على أشجار معمرة خسارة للتنوع البيولوجي في تونس
عادل الهنتاتي: القضاء على أشجار معمرة خسارة للتنوع البيولوجي في تونس

أما فايدة مقدمي فترى أن حماية الغابات تتطلب حماية عمال الحراسة أولا وتوفير وسائل العمل الكافية. وتتابع “أمام ما يتمتع به الأشخاص المعتدون من أجهزة كالسيارات وبنادق الصيد، يفتقر عمال الغابات لوسائل الحماية لمواجهة المخالفات”.

وحسب تقرير المنتدى، يبلغ عدد العمال الذين يحرسون الغابات والسباسب وغيرها من المنظومات الطبيعية 7455 عاملا من بينهم 5150 حارس غابات، و123 حارسا لسباسب الحلفاء، و212 حارس صيد و256 حارس برج مراقبة وهو عدد ضعيف بالمقارنة بالمساحة الجملية للمجال الغابي.

ويضيف المنتدى أن هؤلاء يفتقرون لوسائل المراقبة والتنقل لمراقبة الثروات الغابية كما يفتقرون للحماية عند التصدي للمعتدين. وهو ما يعتبر تهميشا لعمال حراسة الغابات مما دفع العديد منهم إلى التواطؤ مع المعتدين وعدم القيام بواجبهم خاصة ورضخوا إليهم في ظل أوضاعهم المعيشية الصعبة ورواتبهم الضعيفة.

وفي ذات السياق سلط المنتدى التونسي الضوء على العقوبات القانونية في القضايا البيئية ويلفت أن العقوبات الحالية غير كافية، مذكرا بأن “الوقاية خير من العلاج وأن قرارات الإيقاف والعقوبات المسلطة على المجرمين لن تمكن من إرجاع الأشجار المقطوعة ولا من تحقيق التوازن البيئي الذي كانت تؤمّنه”. وعليه طالب بمراجعة مجلة الغابات المرجع القانوني، حتى تتماشى مع سيادة الدولة على الموارد الطبيعية المنصوص عليها في الفصل 13 من الدستور التونسي ومع مبادئ الحوكمة الرشيدة بهدف تحقيق حماية شاملة للغابات.

وتعليقا على العقوبات المخصصة للجرائم البيئية ترى المقدمي أنها غير كافية وليست بحجم الجريمة البيئية التي تسبب فيها المخالف.

 من جهته، أقر مدير عام الغابات محمد بوفروة بضرورة تشديد العقوبات وإعادة النظر في القوانين الموجودة حاليا بمجلة الغابات، ولا يستبعد أن تتضاعف باعتبارها جريمة خطيرة خاصة وأن الاعتداءات الأخيرة وقعت في فترة الحجر الصحي. واستنتج أن حماية الغابات تتطلب جهودا مشتركة بالمزيد من إدماج الشباب في العمل البيئي وتوفير مشاريع تنموية لتحفيزهم على هذه المهمة.

وعلى خلفية الاعتداءات التي طالت مؤخرا غابات مدن عدة مثل جندوبة وسليانة والكاف والقصرين، اقترح وزير الفلاحة والصيد البحري أسامة الخريجي مرسوم قانون يهدف إلى تشديد العقوبات على جرائم الاعتداء على الملك العام وخاصة الغابات وطالب بالتسريع في إصداره وسط تعالي أصوات الجمعيات البيئية المطالبة بضرورة حماية الغابات، محذرين من أن الاعتداءات على الموروث الطبيعي لا تقل خطورة عن وباء كورونا القاتل.

12