هل من يدرّس الجنون يجب أن يكون مجنونا

الأحد 2015/07/05
هناك ارتباط وثيق بين الإسلام السياسي والماركسية اللينينية كلاهما عنيف

نشرت الشهرية الثقافية "الجديد" في عددها "الرابع لشهر ايار/مايو 2015 حوار مطولا مع المفكر الفرنسي ميشال اونفري ومع الحوار نشرت آراء عدد من الكتاب والمفكرين العرب. هم أحمد برقاوي، مرزاق بقطاش، ربوح البشير، ابراهيم سعدي، سلامة كيلة، أزراج عمر.

وقد عادت الجديد ونشرت في عددها السادس الصادر هذا الشهر ردا من ميشال أونفري على بعض بعض نقاده، ننشرها بدورنا بالتعاون مع المجلة.

بعض الذين ناقشوا الحوار، الذي أجرته معي مجلة "الجديد" الثقافية الفكرية، أجمعوا على أن حظ الفلسفة في الحوار كان قليلاً، بل هناك من قال إنها غابت تماما عن الحوار.

وأود من منبر “الجديد” الذي نشر الحوار الذي أجرته معي د. أسماء كوار ونشر النقود التي وجهت إلى بعض الأفكار الواردة في الحوار الرد على نقاط نقلتها لي محاورتي إلى الفرنسية، للإجابة عما أرى من الضروري الرد عليه.

كانت أول نقطة أثارت انتباهي هي تساؤل بعض من نقاشوا الحوار بقولهم: هل يجب على الفيلسوف أن ينشغل بالدين واللاهوت، علما أن آلهة كبار الفلاسفة (أرسطو، كانط، سبينوزا..) كانت آلهة عقلية، ولم تكن لهم علاقة بآلهة الأديان ولا بآلهة الإيمان؟

إذا فهمت جيدا طرحهم، فهم يعاتبونني لاستدعائي علم الدين أكثر مما يعاتبونني على فعلي ذلك فلسفيا. ذلك أنني لم أبتعد عن التحليل الفلسفي سليل فلسفة الأنوار، من خلال ما تتميز به من استعمال العقل، التمسك بمبدأ عدم التناقض، التطور المنهجي، التوضيح بأمثلة، ورفض كل مسعى تصوري عندما لا يكون ذلك مفيدا للعمل الفلسفي والذي يتحول بدوره إلى ممارسة تفتقد لأيّ عمق.. الشرح المدعم بالوقائع المنتمية إلى التاريخ، تحليل المصادر المباشرة، رفض المجادلة العقيمة والتعليق على التعاليق. إذا لم يكن هذا التحليل هو الفلسفة بعينها، فلا أدري، إذن، ما هي حقا! فمعاتبتهم كوني لم أترك للفلسفة حيزا في الحوار وما تطرقت له من مواضيع، بل الذهاب حد القول، إنني لم أتقن الفلسفة يوما، في حين أنني لم أتقن إلا الفلسفة طول حياتي، هو هدر وافتراء. ثم اتهامي بمحدودية معرفتي بالإسلام لا يدل إلا على محدودية معرفة من ادعى ذلك بالدين الإسلامي، وعدم قدرتهم على الرد على ما طرحت من تساؤلات وتقديم الحجج والبراهين على بطلان ما عرضت من النصوص.

إذا كان “التفلسف” هو الانطلاق من مقولة إننا نؤمن بالله، ثم مواصلة الحديث العادي بشأن دور “المحرك الأول” لأرسطو، ودور “الإله والطبيعة” لسبينوزا أو دور “مسلّمات العقل التطبيقي الصافي” لكانط، والتي ستكون طريقة قديمة لإعادة ذكر الأسماء القديمة للإله، فإن ذلك، بالفعل، يجعلني لا أجيد الفلسفة. والعمل وفق هذا المنطلق هو حديث عن تاريخ الفلسفة وليس ممارسة الفلسفة أو “التفلسف”. وإذا أصبح الأمر كذلك، فإنني أخلي المجال لأساتذة الجامعات، الأكثر كفاءة بمثل هذه المقاربة.

اهتمامي، أنا، يتعلق بالتفلسف وليس الاهتمام بتاريخ كيفيات “التفلسف”. كان الأحرى بالذين قالوا بغياب الجانب الفلسفي في قراءتي للدين وبعض مواضيعه، أن يجيبوا فلسفيا، إذن بالتفلسف وليس بصفة الأستاذية في الفلسفة.

كان الأحرى بالذين قالوا بغياب الجانب الفلسفي في قراءتي للدين وبعض مواضيعه، أن يجيبوا فلسفيا، وليس بصفة الأستاذية في الفلسفة

أما القول إن إجاباتي لم تظهر الروح الفلسفية في إدراك الوجود لأن روح الفيلسوف تبقى مرجعيته الأولى والأخيرة، ولا حق له، مهما واجه من أوضاع، أن تكون مرجعيته هي الدين لأن انتقاد الدين يقتضي فهم الضمير الديني وأهواءه السياسية، الأخلاقية والاجتماعية. فلماذا يكون الدين ميدانا محظورا على من لا يؤمن به؟ لا يمكن لأحد مؤاخذة “ميشال فوكو” بالادعاء بأنه كان مجنونا عندما ألف كتابه “تاريخ الجنون”. كما لا يمكن لأحد أن يفعل الشيء ذاته مع “جون بول سارتر” كونه يهوديا بتأليفه “أفكار حول المسألة اليهودية”، أو أن ماركس، كونه بروليتاريا، لأنه قام بتحليل الاغتراب الرأسمالي في “رأس المال”.

إن هذه المؤاخذات التي جاءت في نقاش الحوار منبثقة عن أسلوب واحد ومتشابه، كما كان الشأن بالنسبة إلى المسألة الأولى، وهي حظر النقاش حول ما أقوله: يظنون بأنني لا أملك الشرعية للحديث عن ذلك لأنني أتحدث عن الدين ولست معتنقا له، أو قد لا أعرفه، أو قد أجهل قراءة النص في لغته الأصلية، أو في تطبيقاته الطقوسية.

لكن، من ذا الذي يمكنه القول إن المجنون هو الأليق بالتفكير بشأن الجنون، وأن اليهودي هو الحري بالتفكير في اليهودية، والبروليتاري للتفكير بشأن البروليتاريا؟ أليس حريا بنا أن نفكر بشأن موضوع ما من موقع خارجي، لا تتحكم فيه عوامل معينة، ونكون أقل عرضة للتأثر به؟

أين يكون الإسلام

أما القول بجعلي من الإسلام الراهن موضوعاً للنظر الفلسفي، من خلال تحويل الإسلام إلى دين سياسي مسلّح، وأنني أتعاطى أكثر مع أنماط فاعلة من الدين الإسلامي أو ما يطلق عليه الغرب اسم “الإرهاب” أكثر من التعاطي مع الإسلام في حد ذاته، فإنني أذكر هنا أنني درست، بكل وضوح، الإسلام في حد ذاته واكتفيت أثناء الحوار بذكر القرآن، الأحاديث النبوية للرسول، وحياة محمد، وتاريخ الإسلام، ولا شيء غير ذلك لتجنب، على وجه التحديد، الجدال العقيم، التعاليق وجدال الجدالات وتعاليق التعاليق.

لكن، هنا، أيضا إذا قلتم لي إن القرآن، أحاديث الرسول، والسيرة المحمدية وتاريخ الإسلام لا صلة لها بالإسلام وأن ذلك لا يكفي لفهم الإسلام، فإنني أسألكم ما الذي يمكن استدعاؤه أكثر من ذلك، إذا استبعدنا هذه الدعائم لفهم الإسلام وتجاوزنا جدال الجدالات؟ مرة أخرى، لن يبقى هناك إلا العتب على واقع أنني، لست مسلما، وبالتالي لا أملك الشرعية في التفكير بشأن الإسلام أو الخوض في مسألة من مسائله.

أتعاطى أكثر مع أنماط فاعلة من الدين الإسلامي أو ما يطلق عليه الغرب اسم “الإرهاب” أكثر من التعاطي مع الإسلام في حد ذاته

أين، إذن، الإسلام، إذا لم يكن مجسداً في القرآن، وفي الأحاديث، وفي حياة محمد وفي تاريخ الإسلام؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن الإسلام، عند ذاك، هو في الخيال المثالي، السماوي، المفاهيمي، الحدسي، وليست له أيّ علاقة مع ما هو عليه في الواقع، من الناحية التاريخية، من الناحية الواقعية ومن الناحية النصية. أما لومي على أنني قد استعنت بمصطلح، معروف في لغة الغرب، غير مبرر تماما، لرفض ما طرحت من حقائق، فكان الأجدر بكم أن تردّوها بالدليل النصي المقنع والمفحم. أما أن تقفوا عند سطحيات المصطلحات، فهذا عذر واهٍ لا يرقى إلى مناقشة علمية لنصوص موجودة. كنت أتمنى أن يذكرني أحدكم بالنص والحجة المقنعة التي ترد “ادعاءاتي” كما تعتقدون.

ما لم أقل

ثم لماذا تعتبرون أن المشكلة التي تتمثل في كوني أدرس النص الديني على أساس موقف بنيوي، ما دمتم غير قادرين على مجادلتي وفق النص الديني وعلى الأساس البنيوي؟

إن إثارة مثل هكذا سؤال، يبرز مرة أخرى، رفض كل ما يأتي من غير المسلمين حتى ولو كان ذلك واقعا. إنني أقبل أن أعاتب على أنني لم أتحدث عما كان يجب أن أتحدث بشأنه، وهو أمر هيّن، لأن ما لم نتطرق له أهم مما تطرقنا إليه. إذن نعم، أنا لم أتطرق إلى الدين الشعبي، علم الدين الإسلامي المسالم، وغيرها من المواضيع، فهل كان يمكنني فعل ذلك دون أن تثار نقطة ما ويثار من حولها السؤال والجدل؟

قد تقولون، أيضا، لماذا لم أتحدث عن عمارة الأندلس والرياضيات والجبر أو “تيمور لنك” الذي هو من أكبر رجالاتكم. فهل تحدثت عن هذه المواضيع حتى تثار مواضيع لم أتطرق إليها. لكن هل ذلك سبب لعدم الرد علميا وبالحجج الدامغة في شأن ما كتبته؟

الإسلام والعنف

وعندما أشرت إلى أن النص القرآني والسيرة النبوية تحمل من التجارب الثورية والعنفية ما يجعل العقل ينبذها، قلتم إن هذا القول يسترعي الوقوف عنده. وقد رد بعض الكتّاب بالقول إن الدين الإسلامي الثوري – العنفي هو ثمرة الاستنقاع التاريخي الذي كان بسبب عناصر معينة. إذ أن المجتمعات الإسلامية والعربية لم تشهد نماذج كالقاعدة وداعش وما شابه ذلك منذ خمسة قرون، رغم أن النص القرآني لا يزال على حاله والتجربة المحمدية كذلك.

أونفري: لا يمكن لأحد مؤاخذة ميشال فوكو بالادعاء بأنه كان مجنونا عندما ألف كتابه "تاريخ الجنون"

أعتقد أن هذا أول طرح أراه يأخذ في الاعتبار ما قلته. إنها حقيقة. ولسبب ما، فإن القرآن لم يتحدث عن الدولة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، ولكنه في ذلك كله يضع المبادئ التي تتبناها الدولة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين. إذن ما الذي يمكننا فعله إزاء تلك المبادئ؟

إن قيادة ومقاتلي “الدولة الإسلامية- داعش” ليسوا أغبياء دون أدنى شك أو أدنى علم أو جاهلين للقرآن، وهو ما تريد الدعاية الغربية إقناعنا به، الدعاية التي لا أقبل بها. إنهم يعرفون النصوص القرآنية جيدا ويجعلون منها منطلقا لفهم ما يقتطعونه من صورا تعطي لهم الحق والشرعية.

إن العنف الثوري للسياق الذي ظهر فيه الرسول والقرآن ليس هو نفسه السياق الراهن، لكن التاريخ هو التاريخ، والنصوص هي النصوص، والأمثلة هي الأمثلة. أجد صعوبة في فهم كيف، في سياق العنف العصري (العنف هو سياق دائم للتاريخ)، أن الهجرة لا تكون كمثال على ما يجب فعله إذا كان السياق عنيفا. الرسول كان محاربا، هو نفسه محارب فاعل، وتاريخه معروف، وقد ذكرت ذلك بنفسي، وسيكون من الصعب عليكم، وشخصية محمد وتاريخه معروفان لدى المسلمين أنفسهم، أن تجعلوا من محمد رجلا يندد بالحرب وعدم قتل عدو الإسلام، هذا الإسلام الذي محمد هو رسوله، لا يمكن أن يكون ديناً يندد بالحرب والقتال لنصرة مبادئه.

مخالفة التاريخ

إذا سلّمت بما جاء في بعض الردود عن مسألة التطرف والإرهاب وأن الإسلام لم يكن إسلاماً سياسيا عنفياً حتى في مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الغربي، أو ضد الحركة الصهيونية، وأن الثورة الفلسطينية التي انطلقت عام 1965 ضد حركة عنصرية تتخذ من اليهودية ملاطاً أيديولوجياً، لم تكن هذه الثورة، إسلامية، بل ثورة علمانية تحررية قومية يسارية، رغم وجود النص القرآني، أقول لهم إن كل التاريخ النضالي ضد الاستعمار، في الجزائر، على الأقل، يفنّد هذه المقولة: كان هناك “إسلام سياسي عنيف حتى في الفترة النضالية ضد الاستعمار الغربي”، وهو ما لا ألومكم عليه، لكن لا يمكننا تحوير التاريخ ليتحدث بما ليس فيه.

اتهامي بأنني لم أتقن الفلسفة يوما، في حين أنني لم أتقن إلا الفلسفة طول حياتي، هو هدر وافتراء!

لإثبات ما أقول، أعود إلى النص الذي نشره “حزب جبهة التحرير الوطني” في ليلة 31 أكتوبر 1954. إنه يشدد على هدف معين وهو “الاستقلال الوطني من خلال إقامة الدولة الجزائرية ذات السيادة، ديمقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية”. وبالنسبة إلى الأهداف الخارجية، تضمّن البيان الإشارة إلى “تحقيق وحدة الشمال أفريقيا في الإطار الطبيعي العربي-الإسلامي”. بشأن وسائل النضال، تحدث البيان عن “وفق ما جاءت به المبادئ الثورية وأخذا في الاعتبار الظروف الداخليـة والخارجية، فإن مواصلة النضال بكل الوسائل حتى تحقيق هدفنا”. “كل الوسائل” ولا تستثني، طبعا، الوسائل العنفية.

فأين الثورة العلمانية التحررية القومية اليسارية التي تتحدثون عنها؟ تمنيت لو أن الحديث عن الثورات التحريرية أخذ منعطفا آخر مستندا إلى التاريخ، وليس بالتجنّي على التاريخ، لأن التاريخ لا ينسى.

دعوني أذكركم، أنه عندما أرادت فرنسا مغادرة الجزائر في 1962 وتولّي “حزب جبهة التحرير الوطني” الحكم، أعلن الإسلام دينا للدولة، العربية لغته الوطنية كما قرر أن قانون الجنسية مؤسس، من الآن فصاعدا، على الأساس الديني لشجرة العائلة إضافة إلى قانون الأسرة الذي يحظر زواج المسلمة من غير المسلم.

الإسلام والماركسية

إن حرب التحرير لم تكن سلمية ودون عنف، والتاريخ شاهد على أن القتل جرى حتى بين المسلمين أنفسهم والذين يكونون، غالبا، من أشد أعدائهم. يسكن قرية ملوزة 303 مسلم هؤلاء أبيدوا عن آخرهم، في 1957 من طرف مسلمي “حزب جبهة التحرير الوطني” بسبب خلاف سياسي مع “الحركة الوطنية الجزائرية”، وفي السنة التي قبلها وقعت عمليات التفجير ضد مقاه في العاصمة الجزائر منها “ميلك بار”، “كافيتيريا”، موقعة عددا كبيراً من الضحايا المدنيين، من بينهم أطفال. وهذا يعني أن الحرب ضد الاستعمار لم تجر أطوارها دون عنف.

أنا، هنا، لا ألوم أحدا، ولا أحكم على أحد، بل أكتفي بالإجابة على ملاحظة، لا يمكننا تجاهل الوقائع. هناك ارتباط وثيق بين الإسلام السياسي والماركسية-اللينينة في تلك الفترة، وهي الأيديولوجية التي خلطت الكثير من الأمور ببعضها. من استخدم من؟ التاريخ يبقى للكتابة.

لكن الإسلام والماركسية لم ينددا أبدا بالعنف ولم يطالبا باستخدام وسائل غير عنفية، بل دعيا، بوضوح، إلى ذلك. إن الوقائع موجودة والتاريخ أيضا. والشيء نفسه، نجده لدى النضال ضد الصهيونية من طرف الفلسطينيين والذي له علاقة، أيضا، بالسلام. من يمكنه قول إن “حركة فتح” أو “منظمة حزب الله” لا علاقة لهما بالإسلام؟ أو القول بأنهم لائكيون، إن لم يكونوا ملحدين؟

إذا أردنا الشروع في نقاش، يجب على الأقل، إثبات الوقائع- دون الحكم عليها، ناهيك عن التنديد بها. يكفي، فقط، إثبات الوقائع وعدم إنكار التاريخ. وهو ما يبدو صعبا للغاية.

باريس 28-5-2015

ترجمة: أسماء كوار

15