هل مهمة الصحافي في مصر حماية المسؤول من هفواته الكلامية

لم يعد أمام الصحافيين في مصر سوى تبرير هفوات المسؤولين والشخصيات العامة خلال الحوارات الصحافية التي تجرى معهم. وأثار حوار أجري مع وزير التعليم المصري طارق شوقي عاصفة من الجدل بعدما وصف المعلمين بـ”اللصوص”، واتهم الصحيفة التي أجرى معها الحوار بتحريف مضمون ما قال.
الأربعاء 2017/09/06
القارئ يبحث عن سقطات المسؤولين

القاهرة – لم تعد التصريحات الصحافية للمسؤولين والنجوم تمر مرور الكرام مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وتثير في الكثير من الأحيان عاصفة مدوية من الغضب، ما يجعل إلقاء اللوم على الصحافي الذي نقل التصريحات أهون الشرور بالنسبة إلى المشاهير والسياسيين.

وتفاجأ وزير التربية والتعليم المصري طارق شوقي بردود الفعل، بعد نشر حوار له مع صحيفة الأخبار، قال فيه إن “نصف المعلمين لصوص والنصف الآخر لصوص وغير أكفاء”، حيث انتفض المعلمون ودعوا إلى تنظيم احتجاجات واسعة.

ونفى الوزير ما جاء على لسانه وأكد أن “الصحافي الذي أجرى معه الحوار أخرج الكلام عن سياقه”، لكن الصحافي رفعت فياض أصر أن كل كلمة نشرت بالصحيفة حقيقية، وعلى استعداد لنشر التسجيل الصوتي.

وذكرت وزارة التربية والتعليم أن شوقي يتجه إلى التعامل مع الإعلام الفضائي، لأن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تحريف كلامه.

وأوضح شوقي في تصريحات لـ”العرب” أن “ما نشر على لساني يجافي الحقيقة، وتسبب ذلك في أن تدخل الوزارة في مواجهة مع المعلمين وتضيع الجهود التي بنيت خلال الفترة الماضية لتحسين الأجواء معهم بعد توترها خلال السنوات الماضية”.

ليلى عبدالمجيد: سقطات بعض المسؤولين ترجع إلى عدم خبرتهم في التعامل مع وسائل الإعلام

ورأى أنه “من المفترض أن تكون عند الصحافي مسؤولية سياسية، ويدرك خطورة ما يتم نشره، ويضع في حسبانه مدى تأثير ذلك على الوضع العام، فليس كل ما يقال ينشر، ويجب عليه عدم استدراج المسؤول ليقول كلاما يتنافى مع المهنة ولا يمثل نجاحا للصحافي، لأنه يورط المسؤول في كلام يسبب له أزمة”. وفي واقعة ثانية، نشرت صحيفة “المصري اليوم” حوارا مع الفنان محمد رمضان، ذكر خلاله أن أفلام الفنان الراحل إسماعيل ياسين “أساءت للجيش المصري، لأنه أظهر الجندي بصورة غير لائقة وملابس واسعة وبنيان جسدي مثير للسخرية”.

وأدانت أسرة الفنان الراحل ما جاء على لسان رمضان، وانتفض رواد مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن ياسين، وقرر البعض مقاطعة فيلم رمضان الجديد “الكنز” المعروض حاليا بدور السينما، وهو ما دفع رمضان إلى تكذيب التصريح وقال إنه جرى تحريفه.

وأكد رمضان “أنه سوف يراجع علاقته بالصحافة الورقية، والأفضل أن تتم مخاطبة الجمهور عبر الإعلام المرئي الذي يصل للناس مباشرة، وليس عن طريق صحافي”.

وتمثل الحوارات الصحافية بالنسبة إلى الصحف الورقية في مصر إحدى أهم الأدوات الصحافية لعبور أزماتها وزيادة حجم مبيعاتها، ما يعني أن مقاطعة المشاهير والمسؤولين لها ستؤثر حتما على إيراداتها.

واعتادت بعض الصحف التركيز على سقطات المسؤولين خلال الفترة الأخيرة، ما تسبب في إحراج بعض الوزراء، لا سيما وأن ردود الفعل من جانب الجمهور تكون عنيفة، وتطال الحكومة بأثرها، وليس المسؤول صاحب التصريح الصحافي، كما أنها تنتقل بسرعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي وتتحول إلى مادة ساخنة للمزيد من الهجوم والانتقادات.

ودرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على مطالبة الإعلام بعدم التركيز على هذه السقطات لأنها تثير البلبلة في الشارع، وتزيد من التحديات الواقعة على الحكومة، ودعا إلى تسليط الأضواء على ما يذكره المسؤول من إيجابيات، بحيث تكون هناك مسؤولية سياسية واجتماعية على الجميع.

طارق شوقي: ما نشر على لساني تسبب في دخول الوزارة في مواجهة مع المعلمين

ويرى خبراء إعلام أن خوف المسؤولين والشخصيات الشهيرة من التعامل مع الصحافة المكتوبة بسبب نشر هفواتهم، يعمّق من المشكلات ولا يحلها، كما أن البعض سوف يتجه إلى إجراء حوارات صحافية مكتوبة، بمعنى تلقي الأسئلة مكتوبة والإجابة عليها بالطريقة نفسها، ثم إرسالها للصحافي لضمان نشرها دون تغيير أو تحريف أو تأويل.

وكان عدد كبير من الوزراء والفنانين لجأوا في الآونة الأخيرة إلى إصدار بيانات دورية مكتوبة وتوزيعها على وسائل الإعلام المختلفة، عقب كل حدث أو تطور يهم المسؤول أو الفنان، تجنبا للتحريف أو سوء الفهم، بعد قيام البعض من الصحافيين بكتابة موضوعات، عن عمد أو جهل، أفضت إلى مشكلات كبيرة للمصادر.

وأشارت ليلى عبدالمجيد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة لـ”العرب” إلى أن سقطات بعض المسؤولين ترجع إلى عدم خبرتهم في التعامل مع وسائل الإعلام، كما أن بعض الأسئلة تكون “مستفزة”، ما يدفعهم للرد بطريقة متسرعة، مؤكدة أن هناك تصريحات يفترض أن تنشر بعقلانية ويدرك الصحافي حجم تبعاتها.

ويرى خبراء إعلام أن مشكلة المسؤولين والمشاهير أنهم يتعاملون مع الإعلام باعتباره مجرد وسيلة، ويتناسون أن هناك مواقع للتواصل الاجتماعي تتصيد بعض الجمل والعبارات وتتعمد كثيرا إخراجها من سياقها، وأن اللجوء إلى الإعلام المرئي لن يكون أكثر أمنا، وربما تكون المشكلة أشد خطورة عندما يتم اجتزاء لقطات معينة عن سياقها العام.

ولفت عصام فرج أستاذ الصحافة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا لـ”العرب” إلى أن الصحافي ليس مسؤولا عن سقطات الوزراء والفنانين، لكن تركه ما دار في الحوار والتركيز على السلبية الوحيدة التي جاءت فيه يأتي من إدراكه أن الناس سوف تتفاعل مع السلبيات، الأمر الذي يتنافى مع المهنية ويجبر المسؤول على تجنبه.

لكن الابتعاد عن الصحافة المكتوبة لن يمثل طوق نجاة، لأن للصورة تبعاتها السلبية، إذا لم يحسن المسؤول ضبط كلماته ومعرفة حساسية موقفه.

18