هل نتحرر من الموروث لنبحث عن موروث آخر

تحتاج الثورة الشاملة والإصلاحات إلى فكر يفتح الطريق أمامها ويسطرها ويؤطرها، فكر يحلل الواقع ويطرح البدائل، وهو المفقود عند العرب اليوم، حيث الفكر العربي عدا بعض التجارب الفردية المنقطعة عن الواقع، بقي رهينا إما للماضي كما هو دون تجديد، وإما للمركزية الغربية، جاعلا من كلا الجانبين صنمين ضد جوهر الفكر المتحرر والمتأصّل والفاعل.
الأربعاء 2017/12/06
يجب أن نفهم أننا في عصر ما بعد الحداثة

تحمل يمنى طريف الخولي أستاذة فلسفة العلوم بقسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة، تاريخا طويلا في نشر الثقافة العلمية وأصول التفكير العلمي والعقلاني، وذلك انطلاقا من أطروحتيها للماجستير والدكتوراه والتي جاءت حول موضوع فلسفة العلوم عند كارل بوبر: نظرية في تمييز المعرفة العلمية، وموضوع مبدأ اللاحتمية في العلم المعاصر ومشكلة الحرية، ومرورا بكتبها وترجماتها وبحوثها المنشورة في المجلات المتخصصة، مثل “العلم والاغتراب والحرية: مقال في فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية”، و”فلسفة كارل بوبر: منهج العلم، منطق العلم” و”مشكلة العلوم الإنسانية” و”الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية” و”الوجودية الدينية: دراسة في فلسفة باول تيليش”، وغيرها.

التعددية الثقافية

ترى الخولي أن الحضارة العربية مثقلة بكثير من المشاكل وكثير من الإحباطات، ومما يؤسف له أنه حتى يوم الناس هذا لم نستطع حل مشكلة الأصالة والمعاصرة التي هي المشكلة الأم. وتقول “ألاحظ أن الفكر العربي المعاصر بشكل عام مازال غارقا في نماذج التنوير والعقلانية والحداثة التي كانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مازال معظم مفكرينا وفلاسفتنا يرون الحضارة الغربية مثلا أعلى ونموذج علينا أن نحذو حذوه، في حين أن عصر المركزية الغربية انتهى منذ أواسط القرن العشرين، وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين وما تلاها في القرن الحالي بتنا في عصر ما يسمى بالتعددية الثقافية”.

وتشير الخولي إلى أن التأهيل هدف لا بد أن نسعى إلى بلوغه، تقول “لا بد أن نعمل ونعيد الطرح بمناهج جديدة ومقاربات جديدة، إذا كنا غير مؤهلين أصبح فرضا علينا أن نعمل كي نصبح مؤهلين، إذ يؤسفني أنني أشعر أننا متخلفين في تخلفنا، عندما أجد أساتذتنا الكبار مثل مراد وهبة، مازالوا يبحثون عن النموذج الغربي: العقلانية، الواحدية المادية، اليقين العلمي، الموضوعية، الضرورة، حتى أصبح الأمر فرض عين علينا في مصر أن نرتل ذلك ليلا ونهارا، وكأن النموذج الغربي نص قدسي، هل نتحرر من موروث عن طريق تنويرية إيمانويل كانط؟ أليس كانط نفسه موروثا؟ كانط من العصر الثامن عشر عصر الفيزياء الكلاسيكية وعصر اليقين العلمي والرياضيات التركيبية، كلها مسائل تجاوزها الدهر، فهل من المفترض أن نتحرر من الموروث لكي نبحث عن موروث آخر، إذا كان هذا الموروث الآن ماضويا؟”.

الفكر العربي المعاصر مازال غارقا في نماذج التنوير والعقلانية والحداثة التي كانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر

وتشدد ضيفتنا أنه للخروج من ذلك لا بد من الطرح في إطار التعددية الثقافية وكان هذا منطلق دفاعها المستميت عن قضية اللغة العربية وعروبة الظاهرة العلمية، وتوطين الظاهرة العلمية في العربية. وتجديد وتأصيل وتطوير ودفع ثقافتنا العربية الإسلامية لتغدو عنصرا مضيفا للتعددية الثقافية، وشخصية حضارية تضاف إلى الشخصيات الحضارية المتعددة التي تبرز في العصر الحالي.

وتضيف “أن خلق ذلك لن يكون بالاعتماد على مفكرين عرب، كل مفكر عربي أدلى بدلوه وأعطى أفكاره بعضها جيد وبعضها متوسط، كل أصاب وأخطأ، المطلوب الآن هو التحرر من عصر الحداثة لأنه انتهى، ونعيش عصر ما بعد الحداثة، ما بعد الاستعمارية، ما بعد العلمانية، ما بعد المركزية الغربية، الأمر لا يكون بالارتكان إلى هذا المفكر أو ذلك، ولكن عن طريق تفعيل المناهج البحثية التي طرحت في الفكر ما بعد الحداثي، فهذا الفكر في العقود الأخيرة من القرن العشرين طرح مناهج فكرية لمقاربة الظاهرة الإنسانية يمكن أن تفيد، وأخص بالذكر ثلاثة مناهج: الأول منهج التأويل (الهيرمينوطيقا) إعادة قراءة النص في ضوء معطيات جديدة ليكتسب دلالات جديدة، هذا كفيل ببعث الحياة والمعاصرة في نصوصنا.

الثاني المنهج الأركيولوجي الحفري المعرفي الذي يقف على شروط وظروف وأوضاع تخلق الظاهرة أو الواقعة أو النص، نفهم شروط تخلقها وظروف كينونتها ذلك سوف يعطينا طرحا جديدا. الثالث المنهج التفكيكي تفكيك النص والظاهرة أنت نفسك الآن تبحث عن بنية ثابتة، عن مفكر ثابت تركن إليه، لا، إننا نريد القراءة التفكيكية التي تلغي السلطة والمرجعية التي كانت ظاهرة وتبحث عن سلطات ومرجعيات كامنة بين السطور”.

وترى الخولي أن عصر ما بعد الحداثة الذي نحياه الآن يطرح مناهج جديدة لمقاربة الإشكاليات الثقافية والإنسانية والحضارية، وهذه المناهج يمكن أن تسفر عن أطروحات تساعد في تحقيق التنمية المستدامة في الفكر وفي الواقع، إذ تؤكد أننا نحتاج لبحوث جديدة وأجيال شابة وليس للارتكان إلى مفكر أو سلطة أو مرجعية بعينها، لأن مفهوم ما بعد الحداثة يرفض مفهوم السلطوية التقليدي.

معظم المفكرين والفلاسفة العرب يرون الحضارة الغربية مثلا أعلى ونموذجا، في حين أن عصر المركزية الغربية انتهى

مشروع فكري

تقول الخولي إن مشروعها العلمي يتلخص في توطين الظاهرة العلمية في الحضارة العربية الإسلامية. وتضيف “تخصصي فلسفة العلوم ومناهج البحث العلمي، وهذا فرع من فروع الفلسفة الغربية لم يظهر إلا مع بداية القرن العشرين في أعقاب ثورة الفيزياء الكبرى، ثورة النسبية والكوانتم، التي قلبت مناهج ومعايير وآليات التفكير العلمي مائة وثمانين درجة، وبذلت العمر والجهد في دراسة واستيعاب الظاهرة العلمية وشروطها وعوامل نجاحها وتألقها، لكني لم أقتصر على ما قاله كارل بوبر وبرتراند راسل وغيرهما من فلاسفة العلم الغربيين”.

تتابع “بعد ما يقرب من خمسة عشر كتابا في استيعاب الدرس الغربي ومعرفة شروط وآليات الظاهرة العلمية، سخرت الدرس الغربي في توطين الظاهرة العلمية في الثقافة العربية، حيث بدأت بالبحث والتنقيب في عوامل وآليات ومعاملات ثقافتنا لأجد أواصر قربى بينها وبين الظاهرة العلمية الغربية، وذلك بالاستعانة بتاريخ العلم والعلماء العرب وميراث الحضارة الإسلامية الهائل في ميدان المنهجية، وهنا أصدرت العديد من الكتب لكن أهمها كتابي الأخير ‘نحو منهجية علمية إسلامية’، والذي أثبت فيه أن بنية الثقافة العربية الإسلامية ليست غريبة عن العلم ومهيئة تماما لاستيعاب مستجداته الآنية والمستقبلية”.

وتوضح الخولي أننا نحن العرب نظلم تراثنا بشكل غريب، هل التراث هو الحجاب وعذاب القبر واللحية والنقاب وهذا التخلف، فماذا عن تراث العلوم الرياضية العربية؟ هل تعلم بأن علوم الرياضيات احتلت أوسع مساحة على صدر المسرح الفكري في الحضارة العربية؟ هل تعلم أن إنجاز العقل الإسلامي في التاريخ هو في ميدان الرياضيات؟ هل يعلم أحد هذا الكلام؟ يتمسكون بالكلام السخيف لأن العقل تراجع، لذلك مشروعي وبحثي يستند كثيرا على رصيد هائل صنعه أمثال العالم الجليل رشدي راشد أحد أبرز المتخصصين في رياضيات العصور الوسطى والذي يثبت كيف كانت العقلية العربية الإسلامية متقدمة في العلوم العلمية.

15