هل نجت تونس من "جحيم ما بعد الثورة"؟

الاثنين 2016/11/21

الثورة مغامرة غير مضمونة النتائج، لا شك في هذا الكلام ولا ريب فيه. الثورة مخاطرة لا يمكن تقدير عواقبها بأي حال من الأحوال، إنّها مخاطرة مفتوحة على كل المآلات والاحتمالات.

الثورة هي الحدث الأكثر خطورة في التاريخ. أحيانا، قد يعقب الثورة انبثاق مجتمع جديد، أو مجتمع يتّسم بشيء من الجدّة، لكن، قد يعقبها أحيانا أخرى جحيم حارق لا يبقي ولا يذر، فتتحول الثورة إلى سِعلاة (أنثى الغول) تأكل أبناءها قبل غيرهم.

هل يعدّ هذا التذكير دعوة إلى شيطنة العمل الثوري؟ أبدا؛ إذ لا بأس بالقول ابتداء، إن الجهد الثوري لا يرتبط بالضرورة بالهبّات الشعبية الكبرى التي تسمى في القاموس السياسي بالثورة، وإنما قد يكون الجهد الثوري أكثر فعلية حين يشتغل داخل التفاصيل اليومية وغير المثيرة للإعلام.

إن الجهد الحواري الذي كان يقوم به سقراط في مستوى الساحة العمومية هو بمثابة الجهد الأقل إثارة والأكثر ثورية في تاريخ البشرية. لا ننسى أن سقراط قد أُعدم لهذا السبب بالذات. إن بضع العشرات من الأشخاص، وبجهد سقراطي يومي هادئ وسلس، قد ينجحون في زرع بذور مشروع حضاري جديد، وذلك بمعزل عن كل أشكال الهرج والمرج، ومن دون حاجة بالضرورة إلى أي مشاهد ملحمية تدّعي البطولة وتثير الفرجة.

أحيانا يتبادر إلى ذهني البسيط بأن سيلفيات الحراك قد ساهمت في إفساد الجهد الثوري الحقيقي بعد أن حوّلته إلى نوع من الفرجة. أليس هذا ما حدث للحراك السوري في أيام سلميته المعدودة؟ على أن الأمر يحتاج هنا إلى تحليل نقدي مستقل، ليس هذا مجاله.

لكن، حسبنا أن نعيد الثقة في الحراك “الميكروسكوبي” الذي يستصغره الكثير من الثوريين الفرجويين، دعنا نسمِّهم بالثورجيين. غير أننا نقصد الحديث بالنقد البنّاء عن الثورات كحدث “ميكروسكوبي”.

هنا بالذات يقتضي “التواضع الثوري” الاعتراف أيضا بأنّ عدد الثورات الفاشلة في تاريخ البشرية يفوق أضعاف المرّات عدد الثورات التي يمكن وصفها بالناجحة. لنفكر في حجم الثورات الفاشلة داخل الإمبراطورية الرومانية، لنفكر في حجم الثورات الفاشلة داخل الإمبراطورية الإسلامية، لنفكر في حجم الثورات الفاشلة في أوروبا الحديثة، لنفكر في عدد المرّات التي ثار فيها العبيد، ثم الأقنان، ثم العمال، ثم الطلبة، إلخ. بل قد يكون نجاح الثورات مجرّد استثناء في تاريخ الثورات. بالطبع، هذا النبأ ليس سعيدا، لكنه يعكس الحقيقة التي يصعب إنكارها.

بلا شك، سيبدو كلامنا خاليا من المبالغة حالما نتذكر أن الثورات التي نجحت دون أن تستتبعها سنوات من الرعب والجحيم تمثل حالات نادرة جدا في تاريخ البشرية. هذه هي الحقيقة المرة التي يدركها الثوريون والإصلاحيون والمحافظون على حدّ سواء. لذلك فإن الأصل في الحياة السياسية هو تفادي الثورة ما أمكن ذلك، تفاديها حتى الرمق الأخير من المتاح السلمي.

لكن، ولكي لا نبالغ في التواضع، قد تصبح الثورة أحيانا بمثابة الشرّ الذي لا بدّ منه، ولا سيما حين يجد الشعب نفسه أمام مستبدّ مصاب بجنون العظمة، كما كان حال ليبيا في زمن القذافي على سبيل المثال. قد تكون الثورات هي الخيار الأوحد عندما تواجه مطالب الشعب البسيطة بالأسلحة الثقيلة والمجازر الجماعية. غير أن بلوغ نقطة اللاعودة يعني أن سقف التفاؤل قد صار هابطا جدا. هنا تكمن بعض مآلات ما كان يُعرف بالرّبيع العربي في كل من ليبيا واليمن ومصر وغيرها. لكن، هل تمثل التجربة التونسية استثناء محمودا ومحدودا وسط ثورات محكوم على معظمها بالفشل الذريع؟

في البدء كانت البداية من تونس، ثورة الياسمين. وعلى طريقة أحجار الدومينو، تساقطت أنظمة الجمهوريات الوراثية تباعا من مصر إلى ليبيا واليمن وصولا إلى سوريا.

هل كان الأمر مجرّد تقليد متسرّع لاستثناء غير قابل للتقليد؟ أم أن الثورات بالأحرى كانت شرّا لا بدّ منه -على الأقل داخل الجمهوريات الوراثية- مع أن فشلها قاعدة كونية وليست استثناء “عربيا”، وأن تونس مجرّد استثناء ضمن القاعدة الكونية؟ السؤال مركب ومتشابك ومعقد.

عموما، قد لا يتسع المقام هنا لتقييم المسار برمّته، بآماله وأحلامه وأوهامه، لكن من الواضح أن الأفق عاد في مجمل البلدان التي شملتها موجة الربيع إلى سابق انسداده، ومرة أخرى وجدت الشعوب نفسها محشورة في الزاوية الضيقة بين جحيمين: جحيم التطرف الديني، وجحيم الاستبداد السياسي.

في الجملة عاد الخريف الذي كان، بل عاد أسوأ مما كان. لكن، في غمرة خريف الفتن يبدو كأن التجربة التونسية تمثل نقطة الضوء الوحيدة. إنها الثورة الوحيدة ضمن ما كان يُعرف بـ“الربيع العربي”، التي لم تفقد الأمل في إمكانية تحقيق الانتقال الحداثي الديمقراطي المنشود.

ولربّما يأتي تدبير العدالة الانتقالية اليوم ليؤكّد الأمل التونسي في النجاة من كلفة الثورات. فعلا، كانت تجربة حكم الترويكا مفعمة بالمخاطر الأمنية جرّاء تغوّل التطرف التكفيري واحتلاله المتسارع للكثير من المساجد والمنشآت، مدعوما بما كان يسمّى بـ“روابط حماية الثورة” قبل إعلان حلها.

ولا شك أن العدد الكبير من شباب تونس الذي يقاتل اليوم إلى جانب داعش في سوريا والعراق ليس سوى تركة من تلك الأوقات. غير أن التغوّل التكفيري قد شهد مؤخرا تراجعا ملحوظا. ما يعني أن تونس قد تكون في طور النجاة من جحيم ما بعد الثورة. فما هي مقومات نجاح التجربة التونسية؟ في تقديري هناك ثلاثة مقوّمات أساسية:

أوّلا، المرأة التونسية: ذلك أن الدور الريادي للمرأة التونسية في الحراك الثوري منذ انتفاضة البوعزيزي إلى غاية اليوم، مسألة لا تخطئها العين. وبلا شك تبقى صورة الطالبة التونسية خولة الراشدي في عام 2012، وهي تواجه الدواعش الذين وضعوا علم داعش مكان علم تونس فوق الجامعة، بمثابة أيقونة تمثل صورة المرأة التونسية بشخصيتها الوطنية القوية ودورها الرّائد في التصدي لزحف “الإسلام الغاضب” والغريب عن المجتمع التونسي، وأيضا قدرتها على إحباط كل محاولات التراجع عن مكتسباتها إبان حكم الترويكا.

ثانيا، المؤسسة العسكرية: إذ يعدّ الجيش التونسي جيشا وطنيا بكل المعاني والمقاييس؛ يحمي البلد على طول الحدود مع الأراضي الليبية حيث آفة انتشار الأسلحة والمحاولات الدائمة لتسلل الإرهابيين، ويحفظ الاستقرار الداخلي في ظرف انتقالي دقيق، ولا يتردد في التحوّل إلى مؤسسة للخدمات الاجتماعية كلما اقتضى الأمر أو استدعت الضرورة، وكل هذا بعيدا عن تجاذبات السياسة وإغراءات السلطة التي تركها بالكامل للأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني دون أدنى تدخل، ولو من وراء الستار أو تحت الطاولة. باختصار، نحن أمام جيش يحمي الكعكة ولا يطلب نصيبا منها. وهذا أيضا من الأمور النادرة.

ثالثا، الإرث الإصلاحي البورقيبي: من الواضح أن الحرب الأساسية التي خاضها الإسلام السياسي في تونس تتعلق بمحاولة مسح الذاكرة الوطنية من الإرث البورقيبي. وهذه هي الجبهة الأساسية التي خسرها الإسلام السياسي في الأخير. لقد ميّز الشعب التونسي بوضوح في الرؤية وصرامة في الموقف بين مرحلة بورقيبة ومرحلة زين العابدين بن علي.

ولم تنجح محاولات الخلط بين سليل حركات التحرر بما له وما عليه، وسليل الاستبداد العربي بما عليه. والواقع أن الحرب على الإرث البورقيبي كانت أيضا بمثابة حرب على الإسلام التونسي المنفتح كما رسخه علماء تونس الكبار من حجم الطاهر بن عاشور والطاهر الحداد وغيرهما. كان الأمل أن يحدث فراغٌ في الذاكرة الوطنية، بحيث يملؤه في الأخير أولئك الذين لا مشروع لهم غير ملء الفراغ.

لكن، في تونس لم يكن ثمة من فراغ. كانت هناك المرأة التونسية، كان هناك الجيش التونسي، كان هناك المجتمع المدني والمثقفون الشباب، وكان هناك أيضا، إرث باق لرجل دولة كبير قُدّر له أن يحكم بلدا صغيرا.

كاتب مغربي

9