هل نحتاج وزارات ثقافة

في أغلب بلدان العالم لا توجد وزارة للثقافة بالمعنى الذي نعرفه في عالمنا العربي، ولا دخل للجهاز الحكومي في الثقافة وآليتها وأنماطها، بينما تحولت وزارة الثقافة في العراق إلى تكية للمتعطلين والدخلاء على الجسد الثقافي.
الأحد 2018/10/28
تطويع الثقافة وتوظيفها مسحوقا ناعما لتجميل وجوه تلك الأنظمة القبيحة (لوحة: رمسيس يونان)

كتبت هنا منذ أكثر من سنة عن كيفية إدارة الثقافة في البلدان المتحضرة وآلية دعم النشاطات الثقافية والفنية بعيدا عن الدولة وجهازها الإداري المترهل. وبالنظر للتكالب الذي نشهده في العراق من أجل الترشيح لوزارة الثقافة في الحكومة الجديدة، واختلاط الفهم لدى الكثير من الأصدقاء المثقفين هناك، أعيد ما قلته بطريقة أخرى، في محاولة لتقريب المعنى، لا سيّما في ما يتعلق بحقيقة وزارة الثقافة الحالية ككيان مترهل وهجين فاقد للهوية والكينونة، فلا هو منتم إلى الجهاز الحكومي ولا هو منتم إلى الهيكل الثقافي في البلد.

وبقدر تعلّق الأمر بالعراق، فإن وزارة الثقافة منذ تأسيسها على يد الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة على حكم العراق، كانت أداة لتطويع الثقافة وتوظيفها في ماكنة الدعاية الخاصة بالأنظمة ومسحوقا ناعما وملونا لتجميل وجوه تلك الأنظمة القبيحة وإسباغ طابع التحضر عليها.

في أغلب بلدان العالم لا توجد وزارة للثقافة بالمعنى الذي نعرفه في عالمنا العربي، ولا دخل للجهاز الحكومي في الثقافة وآليتها وأنماطها، بينما تحولت وزارة الثقافة في العراق إلى تكية للمتعطلين والدخلاء على الجسد الثقافي، حتى بلغ العديد من موظفيها أكثر من خمسة آلاف موظف أغلبهم لا علاقة لهم بالثقافة، لا من قريب ولا من بعيد، بل جلّهم من منتسبي الأحزاب الإسلامية الفاسدة التي سعت، منذ سيطرتها على مقدرات البلاد، لمكافأة عناصرها بالوظائف الوهمية على حساب الجهاز الإداري للدولة الذي ارتفع من 750 ألف موظف قبل العام 2003 إلى أكثر من أربعة ملايين بعده، يقابلهم أكثر من أربعة ملايين متقاعد أغلبهم لم يخدم الدولة كي يستحق هذا الامتياز.

وفي المحصلة فإن إلغاء وزارة الثقافة ودوائرها الفاشلة التي لم تستطع تقديم أيّ شيء يذكر على مدى الخمس عشرة سنة الماضية، هو توفير مبالغ هائلة للدولة كان الأحرى بها أن تُستغل في دعم الأنشطة الثقافية المختلفة التي تعاني من شحة الموارد المالية وانعدام الدعم.

وما زلت أطالب بتشكيل مجلس أعلى للثقافة يتكون من مجموعة من المثقفين الذين يتمتعون بقدرة إدارية جيّدة، على أن يصاحبه ضغط جدّي من المثقفين ومنظماتهم ونقاباتهم على البرلمان من أجل تشريع قانون الـ1 بالمئة من ميزانية الدولة وتخصيصها للثقافة أسوة بالبلدان المتحضرة، على أن يستعين أعضاء المجلس الأعلى للثقافة بخبراء ومدققين ومحاسبين متخصصين لإدارة تلك الأموال بطريقة قانونية ومنصفة، لتوزع على صناديق دعم الأفلام والمسرحيات والمعارض التشكيلية ونشر الكتب وتنظيم المهرجانات وإصدار المجلات والصحف الثقافية، بالإضافة إلى تأسيس صندوق خاص بالضمان الاجتماعي للمثقفين ورعايتهم وحمايتهم بطريقة تحفظ لهم كرامتهم وتغنيهم عن السؤال.

وبالنظر للتدخل المشين في شؤون الثقافة والتاريخ المخزي الطويل للدولة في التطفل على هذا القطاع الحيوي، لم يفرز الوسط الثقافي عندنا للأسف كوادر ثقافية قادرة على إدارة مثل تلك المنظومة الكبيرة التي ستتطلب بالتأكيد الكثير من القدرات والنزاهة والحيادية في مجال الحكم على الأعمال المتقدمة لطلب الدعم من صناديق المجلس الأعلى المقترح، فإنّني أقترح ترشيح من يرغب في التصدي لهذا العمل من المثقفين إلى دورات تطويرية وزيادة خبرات مدعومة من مفوضية الثقافة في الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية وشبه الحكومية، لتأهيلهم والاطلاع على تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال.

لكن تبقى الخطوة الأولى والأهم في هذا المجال هي الاقتناع، أولا وقبل كل شيء،  بعدم جدوى ما يسمى بوزارة الثقافة والضغط من أجل إلغائها وتشريع قانون تخصيص الـ1 بالمئة من الميزانية العامّة لتمويل الثقافة عن طريق لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان الجديد.

10
مقالات ذات صلة