هل نحن إزاء أوسلو 2

الشعب الفلسطيني سواء مع فتح أو حماس هو الذي يدفع ثمن الخلاف والانقسام، الذي يعبر عن أفول حركته الوطنية واستهلاكها لدورها، ما يتطلب فتح صفة جديدة تتأسس على الاستفادة من التجربة السابقة وإعادة البناء على قواعد ورؤى وأشكال عمل جديدة.
الأحد 2018/08/19
الانتفاضة ضد الداخل هذه المرة

مع اتفاق الهدنة، الذي قبلت به مؤخّرا حركة حماس، مع إسرائيل، بوساطة مصرية، والذي يرجّح أن تتبعه توافقات أخرى أوسع وأعمق، تبدو حماس وكأنها وصلت إلى حيث انتهت فتح، مع توقيعها اتفاق أوسلو (1993)، بمصطلحاتها هي، وضمن ذلك مصطلح “التهدئة” أو “الهدنة”.

أضحى الفلسطينيون اليوم إزاء اتفاق جديد مع إسرائيل، أو إزاء اتفاق أوسلو 2، بعد أن توفرت مجموعة من العوامل الضاغطة على حماس، والتي من ضمنها، تشديد الحصار على غزة التي يقطنها مليونا فلسطيني باتوا يعيشون ظروفا صعبة وقاسية، الأمر الذي شكل عامل ضغط قويا على “حماس” ما أضعف شعبيتها وشرعيتها وتعمّد إسرائيل توجيه ضربات عسكرية مدمّرة للقطاع بين فترة وأخرى، ضمنها شنّها ثلاث حروب مدمرة على غزة (2014-2012-2008)، ذهب ضحيتها أكثر من أربعة آلاف من الفلسطينيين مع عشرات الآلاف من الجرحى وتجفيف موارد هذه الحركة المالية، بعد إغلاق الأنفاق وتشديد الحصار ووقف التدفقات المالية من كل الجهات وتعثر عمليات المصالحة الفلسطينية، سواء بسبب شروط فتح أو بسبب شروط حماس.

عموما، وبغض النظر عما تتحمله حماس من إدارتها بطريقة أحادية وإقصائية وقسرية لقطاع غزة، طوال فترة طويلة، فإن الاتفاق الحاصل يفيد بضرورة إدراك مسألتين أساسيتين:

أولاهما، أن حماس وصلت إلى طريق مسدود، وأنها أخفقت في كل الطموحات أو التوهمات التي حفّزتها على أخذ السلطة في غزة (2007)، رغم رفضها اتفاق أوسلو، فهي لم تستطع تحويل القطاع إلى منطقة للمقاومة، لا لتحرير فلسطين ولا لدحر الاحتلال من الضفة، بل إنها لم تستطع استنزاف إسرائيل من تلك المنطقة، أو فرض نهجها في المقاومة، رغم كل الأحاديث المبالغ فيها عن توازن الرعب، ومعادلة قصف مقابل قصف، وكأن الصواريخ أو الطائرات الورقية تعادل القصف الجوي الذي تتعمّده إسرائيل لضرب غزة عقب حوادث من هذا النوع.

يضاف إلى كل ذلك أن الحركة لم تستطع، بطريقتها في إدارة القطاع، إقناع الفلسطينيين، لا سيما في غزة، بأنها قدمت نموذجا بديلا للسلطة أفضل من النموذج الذي قدمته فتح في الضفة الغربية، وهي لم تستطع أن تقدم غزة كمنطقة نموذجية لتطوير المجتمع الفلسطيني، وتنمية إمكانياته، بسبب اضطراب رؤيتها، ومراوحتها بين الحديث عن المقاومة المسلحة حينا وعن المقاومة الشعبية حينا آخر.

وثانيتهما، أن هذا الاتفاق يفيد بأن حماس وصلت، أو انتهت حيث وصلت أو انتهت غريمتها فتح. ذلك أن حركة فتح كانت وصلت، بعد 28 عاما من الكفاح المسلحّ (1993-1965) إلى دولة - سلطة في الضفة، عبر عقدها اتفاق أوسلو مع إسرائيل، وبذات الطريقة فإن حركة “حماس” وصلت بعد 31 عاما من الكفاح المسلّح (2018-1987) إلى “دولة” ـ سلطة في غزة، عبر الاتفاق الذي عقد بوساطة مصرية، بحيث بتنا إزاء “دولتين” أو سلطتين تحت الاحتلال، الأمر الذي يطرح تساؤلا مشروعا عن قيمة الكفاح المسلح، وعن جدواه، مع  نتيجة كان يمكن تحصيلها بوسائل سياسية، أو بوسائل كفاحية أقل كلفة، طالما الأمر يتعلق بحكم ذاتي لا أكثر.

ثمة تبعات خطيرة ومضرة ستنجم عن هذا الاتفاق، على الفلسطينيين وحركتهم الوطنية ونظامهم السياسي، تماما كما حصل مع اتفاق أوسلو (1993)، أهمها:

  • تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فإلى جانب الفصل الجغرافي سيكون هناك فصل سياسي.
  • تكريس انقسام النظام السياسي الفلسطيني، إذ لن يعود بعدها مكان للحديث عن نظام سياسي فلسطيني وإنما عن نظامين.
  • إقامة نوع من حكم ذاتي أو سلطة على السكان، في غزة يشبه الحكم الذاتي القائم في الضفة، أي لا دولة كاملة السيادة، أو ذات صلاحيات سيادية على الأرض والموارد والمعابر.
  • تكريس تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر إلى سلطة، وإبقائها في حال من التنازع بين استقطابين، أو محورين، أي بين “فتح” و”حماس”.

مع هذا الاتفاق سيغدو للفلسطينيين ما يمكن تسميته تجاوز “دولتين” بدلا من دولة واحدة، الأمر الذي يلبي حاجة كل من الحركتين المذكورتين للسلطة، مهما كان ثمنها، لكن ذلك سيكون على أساس تحجيم طموحات كل منهما، وبما يتساوق مع مصالح إسرائيل، لا الشعب الفلسطيني!

يستنتج من كل ذلك أن الفلسطينيين باتوا اليوم أمام مرحلة جديدة من الاستقطابات والتجاذبات والاتهامات الفلسطينية المتبادلة، فالقيادة الرسمية، وهي هنا قيادة المنظمة والسلطة وفتح، ترى في ما حصل طلاقا كاملا من قبل حماس، واستهدافا لمكانتها من كل الأطراف المشاركة في الاتفاق، كما ترى فيه مؤامرة على منظمة التحرير وخيار الدولة الفلسطينية المستقلة، وتقسيما للشعب الفلسطيني. في حين أن حركة حماس ترى أن تلك القيادة متورطة في تشديد الضائقة على حماس، وأنها لم تقم بما عليها للتخفيف منه أو لتوفير الفرص أمام المصالحة.

الشعب الفلسطيني في الحالين، أي مع فتح أو حماس، هو الذي يدفع ثمن هذا الشقاق والخلاف والانقسام، الذي يعبر عن أفول حركته الوطنية، واستهلاكها لدورها، ما يتطلب فتح صفة جديدة، تتأسس على الاستفادة من التجربة السابقة، وإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على قواعد جديدة ورؤى جديدة وأشكال عمل مختلفة.

5