هل نحن في حاجة إلى وزارة ثقافة؟

أغلب وزارات الثقافة العربية ينخرها الفساد والترهل ولا تقدم إنتاجا ثقافيا يلبي طموحات المثقفين والمبدعين والشعوب.
الجمعة 2020/06/19
بناءات بلا روح لا تنتج إبداعا

تتجدد الدعوات التي يطلقها مثقفون عرب إلى إلغاء وزارات الثقافة، وتعويضها بإدارة أقل تكلفة وأكثر إنتاجا، ولكن يبدو أن هذا صعب التطبيق خاصة في ظل استغلال الثقافة والمثقفين سياسيا وتحويل الثقافة إلى مجرد ترف أو تقسيمها إلى من هم في السلطة ومن هم ضدها، بينما الفعل الثقافي أكثر عمقا من هذا التقسيم. فأي حل ممكن لتجاوز ترهل ما يسمى بوزارات الثقافة؟

تثير مسألة تزويق الطاقم الوزاري بوزارة للثقافة تساؤلات جدية. فما هي الجدوى من أن تكون هنالك وزارة للثقافة إذا كانت مجرّد ديكور حكومي لا طائل من ورائه؟ هل ندرك ماذا تعني الطاقة البشرية والعقل البشري عندما يستخدم للعمل والإبداع والابتكار؟

فماذا لو تحول العمل الوظيفي الحكومي إلى تعطيل وتجميد للعطاء والإنتاج وخاصة في وزارة للثقافة هي في وضعها الراهن مكان للركود والسبات؟

إذا كانت وزارة الثقافة معنيّة بالثقافة حقّاً فلتثبت ذلك. فلتثبت أنها وزارة منتجة بشكل فعلي حالها حال وزارة الصناعة أو الزراعة، بل إن هنالك مصطلح صناعة الثقافة، فهل تحوّلت وزارة الثقافة إلى منتج مثابر للصناعة الثقافية؟

في العديد من تجارب العالم تتحول وزارة الثقافة بطاقمها الإداري قليل العدد من العاملين إلى محرّك للنشاط الثقافي، وليس مثبطا له، فهي ترعى الجمعيات والمؤسسات والمراكز الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بالثقافة، وهي تموّل المشاريع الثقافية الفردية والجماعية، وهي ترعى المتاحف وتوسّعها وتوجد المزيد منها، وهي تساهم في الإنتاج السينمائي والمسرحي وتجني أرباحاً منه، وهي ترعى نشر الكتاب وتستثمر فيه.

لكنّ السؤال الذي يطرح بقوّة هو إذا كانت وزارة الثقافة قد تركت مؤسسات المجتمع المدني والمراكز الثقافية ودور النشر والإنتاج المسرحي والسينمائي وقرّرت هي أن تنزل إلى الميدان فتقوم بهذه المهام جميعها، وتتدخّل في أدقّ تفاصيل الحياة الثقافية حالها حال أية وزارة ثقافة في أي نظام شمولي، مجرّد واجهة حكومية لمراقبة الثقافة والمثقفين؛ فلا شكّ أن تلك هي البداية لطريق الفشل الذريع.

أمامنا مثلا إحدى وزارات الثقافة في العالم العربي وهي وزارة الثقافة في العراق، فهذه الوزارة هي مجرد حقيبة تتقاذفها أحزاب السلطة ولأنها ليست وزارة ذات ميزانية ضخمة يمكن للأحزاب الاستفادة منها، لهذا لم يتنافسوا عليها وفي أكثر من تشكيل وزاري ظلت حقيبة الثقافة متروكة لا يتقدّم لها أيّ حزب من الأحزاب.

وزارة الثقافة اليوم تركيب مترهل عجيب، وزارة تسرّبت إليها الشيخوخة وترهلت وأصبحت مجرد هيكل عاجز عن الحركة والإنتاج.

وزارة فريدة تعجّ بآلاف مؤلفة من الموظفين الذين أغلبهم يندرجون ضمن فئة البطالة المقنّعة بلا إنتاج ولا إنتاجية.

هل أصبحت الثقافة مجرد ترف
هل أصبحت الثقافة مجرد ترف

وزارة تضم بالإضافة إلى الوزير الذي ليس بالضرورة له علاقة بالثقافة ولا متدرجا في المناصب الثقافية، هنالك العديد من وكلاء الوزارة وهؤلاء راسخون رسوخ الرواسي لا يتغيّرون أبدا مهما تغيّرت الحكومات وهؤلاء ومن هم معهم من المناصب الرفيعة أيضا عاجزون عن الإنتاج الثقافي ويتمتعون بامتيازات خيالية ومواكب وحراسات ومخصصات مالية ومختبئون في مواقعهم لا يسأل عن منجزهم أحد.

في العديد من دول العالم عندما يتغير الطاقم الوزاري تتغير معه الإدارات العليا إلا في وزارة الثقافة العراقية لا مسؤول يتزحزح من مكانه.

والأغرب أن كان هنالك مسؤول ظل يتنقّل بين المديريات، إذا أخرجوه بسبب الفساد أو لأي سبب آخر من الباب، دخل من الشبّاك؛ تنقّل بين مديريات ثقافة الطفل إلى الفنون التشكيلية، إلى السينما والمسرح، إلى الثقافة الكردية والثقافات الأخرى، إلى غيرها لم يوقفه في تنقله المبارك إلا الموت.

وبعد هذا فكيف يمكن تقييم وزارة ثقافة بآلاف الموظفين وقوافل من أحدث وسائل النقل ومليارات تصرف عليها وهي عاجزة عن إنتاج فيلم سينمائي روائي طويل واحد في العام وعاجزة عن طبع مجلة ثقافية شهريّا وبشكل منتظم وعاجزة عن إنتاج مسرحية واحدة كل شهر أو شهرين؟

وكيف يمكن الثقة بأداء وزارة عندما تدفّقت عليها أموال مشاريع بغداد عاصمة الثقافة المليارية في العام 2013 حصل ما حصل من فضائح واختلاسات ظل الوسط الثقافي والصحافي يتحدث عنها لسنوات ولم يجرؤ مسؤول قط على فتح ملفات الفساد في مشاريع عاصمة الثقافة حتى الساعة.

لا شك أن هذا الكيان المترهل المسمى وزارة الثقافة يستحق أن تتم هيكلته وإعادة تنظيمه من جديد وأن يتم تقليص تلك الوزارة إلى ربع من هم  فيها من طواقم وموظفين ووكيل وزارة واحد وإلغاء مديريات كإلحاق ثقافة الطفل بوزارة للأسرة والمرأة والطفل وجعل دار النشر الحكومية مشروعا استثماريا مع القطاع الخاص وإحالة الإنتاج المسرحي للفرق المسرحية الأهلية ودعمها وإنشاء نوادي ومراكز السينما في المحافظات ودعم إنتاجها والإبقاء على مكتب لدعم السينما، لا ينتج أفلاما بل يخصص ميزانية لدعم إنتاج الأفلام  للأفراد والجمعيات والشركات والاستثمار في دور العرض، وكذلك الحال مع الفنون التشكيلية بدعم القاعات ومعارض الفنانين وإلغاء وجود مديرية من هذا النوع وتحويلها إلى مكتب للدعم، وكذلك الحال مع الموسيقى وتحويلها إلى معاهد الموسيقى والفرق الموسيقية الشبابية والتراثية.

14