هل نحن مستعدون لمجتمع ما بعد كورونا الذكي؟

الدول التي قطعت شوطا كبيرا في عملية التحول الرقمي استطاعت تطبيق مفهوم الحكومة الرقمية بالاعتماد على التقنيات الذكية لمحاربة الوباء.
الجمعة 2020/04/17
التحول التكنولوجي الذكي ضروري في ظل انتشار الوباء

لا يكتفي إيهاب خليفة، رئيس وحدة التطورات التكنولوجية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي، باستعراض الأزمة الحالية التي يعيشها العالم في ظل أزمة كورونا ومطالبة الحكومات بإدراك طبيعة المرحلة، بل هو يؤكد أن العالم ما بعد كورونا سيكون حتما مغايرا للعالم كما عرفناه قبله، لذلك يطالبنا جميعا بالتهيؤ لتلك المرحلة.

عملية التحول التكنولوجي الذكي أصبحت اليوم ضرورة لا غنى عنها؛ خاصة ما نشهده حاليا في توظيفها لتيسير الحياة البشرية في ظل انتشار وباء كورونا المستجد، وغدت الإنترنت والتقنيات الذكية المخرج الوحيد للبشرية من أزمتها بعد أن تمت محاصرتها، وشكلت بديلاً لحياة جديدة، يمكن أن يستمر حتى بعد انتهاء هذا الوباء.

انطلاقا من هذه الرؤية كانت الدراسة التي أعدها إيهاب خليفة، رئيس وحدة التطورات التكنولوجية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي، تحت عنوان “كيف تغير التكنولوجيا إدارة الحياة اليومية خلال أزمة كورونا؟”.

يرى الباحث أن ما تشهده البشرية حالياً، هو الجيل الأول من العالم السيبراني، بما يحسب له من ميزات، وما يسجل عليه من سلبيات، وأن البشرية ستنتقل، بعد انتهاء الأزمة، إلى الجيل الثاني، الأكثر تطوراً وذكاءً، من خلال تسريع عمليات البحث العلمي والتطوير والاستثمار في هذه التكنولوجيات التي أثبتت كفاءتها.

وأوضح خليفة أن الانتشار المتسارع لفايروس كورونا المستجد وتحوله إلى جائحة، أدّيا إلى قيام العديد من الدول باتخاذ إجراءات فورية وحاسمة، بهدف الحد من انتشار الفايروس قدر المستطاع، إلى أن يتم إيجاد المصل اللازم للعلاج.

ومن هذه الإجراءات عمل حجر صحي احتياطي للأفراد داخل المنازل، وفرض حظر التجوال على بعض المناطق والمدن، ووقف حركة المواصلات العامة، وإغلاق المدارس والجامعات مؤقتا، وتقليل القوى العاملة في المؤسسات والهيئات الحكومية والخاصة، وغيرها من الإجراءات التي تهدف إلى احتواء المرض. وكانت نتيجة ذلك أن توقفت معظم مظاهر الحياة اليومية في العديد من الدول حول العالم.

التحول الرقمي

إيهاب خليفة: تحولت الحياة البشرية إلى حياة افتراضية أشبه بأفلام الخيال العلمي حيث يقوم الجميع بمهامهم عبر الإنترنت
إيهاب خليفة: تحولت الحياة البشرية إلى حياة افتراضية أشبه بأفلام الخيال العلمي حيث يقوم الجميع بمهامهم عبر الإنترنت

استطاعت الدول التي قطعت شوطاً كبيراً في عملية التحول الرقمي تطبيق مفهوم الحكومة الذكية، ليس فقط تسيير الحياة بشكل شبه طبيعي، بل أيضاً اعتمدت على التقنيات الذكية، التي استثمرت في تطويرها خلال السنوات الماضية، في محاربة انتشار المرض، وقيدت التعامل بالأوراق النقدية، التي يمكن أن تتسبب في نشر الفايروس من شخص لآخر، واتجهت إلى الاعتماد على استعمال بطاقات الائتمان الإلكترونية.

واتجهت الحكومات إلى استخدام نظم الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات، لتحل مكان الطاقم البشري والطبي، في تقديم الخدمات الضرورية للمرضى، واعتمدت على البيانات الضخمة، ونظم المراقبة الشاملة، ونظم التعرف على الوجوه، في الكشف المبكر عن الحالات المصابة، أو التي يمكن أن تتعرض للإصابة، واستخدمت الدرونز والروبوتات في عمليات تعقيم الشوارع والمناطق الموبوءة، وتوجيه الإرشاد للمارة في الشوارع والتأكد من التزامهم بالتعليمات الطبية.

ولفت خليفة إلى أن الحياة البشرية تحولت إلى حياة افتراضية كاملة، أشبه بأفلام الخيال العلمي والواقع الافتراضي، حيث يقوم الجميع بمهامهم ووظائفهم عبر الإنترنت، من العمل والتعليم إلى التسوق الإلكتروني والتواصل الشخصي وجمع المعلومات والأخبار، وإذا كانت البشرية استطاعت أن تحقق مفهوم المسافة الاجتماعية للحد من انتشار كورونا، فهي حققت العكس أيضاً، من خلال التقارب الافتراضي بين الأفراد من خلال الإنترنت.

تحول ذكي

نتيجة ذلك كله، زاد معدل استهلاك الإنترنت العالمي، حيث أعلنت شركة فودافون، التي تعمل في أكثر من 65 دولة حول العالم، أن نسبة الزيادة في تحميل البيانات وصلت إلى 50 في المئة في بعض البلدان، كما زاد استعمال الإنترنت في بعض البلدان، مثل إيطاليا، بنسبة 30 في المئة، وزاد استهلاك الولايات المتحدة الأميركية حتى 22 مارس -أي قبل أن تستحوذ على المرتبة الأولى من حيث عدد الإصابات- بنسبة 18 في المئة.

الزيادة الكبيرة في معدلات استهلاك التحميل تعكس الأهمية التي أصبحت عليها الإنترنت، وكيف تحولت إلى وسيلة رئيسيّة للتعايش، ليس فقط من أجل القيام بالمهام والأعمال عن بعد، ولكن، بعد فرض الحظر والحجر الصحي وإغلاق الشوارع والمنتزهات، أصبحت وسيلة ترفيه، واتجه الأطفال والمراهقون وحتى الكبار، لممارسة ألعاب الفيديو الجماعية، وزادت معدلات مشاهدة موقع يوتيوب وخدمات بث الأفلام، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل عن مدى قدرة البنية التحتية للإنترنت على الصمود.

وأكد خليفة أن انتشار هذا الوباء ساهم في تسريع عملية التحديث التكنولوجي التي تمر بها المجتمعات، فأصبحت عملية “التحول التكنولوجي الذكي” ضرورة لا غنى عنها لتيسير الحياة البشرية، وأصبحت الإنترنت المخرج الوحيد للبشرية بعد أن تمت محاصرتها، وشكلا بديلاً جديدا للحياة يمكن أن يستمر حتى بعد انتهاء الأزمة.

ومن هنا تأتي أهمية أن تبدأ الحكومات والشركات في إدراك طبيعة المرحلة الحالية، وتداعياتها على المستقبل؛ مرحلة ما قبل كورونا لن تكون كما بعده، ومع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا بصورة أكبر من ذي قبل وتصاعد الاعتماد عليها في المستقبل القريب، سوف تختلف نظم الإدارة والعمل وكذلك المخاطر والتهديدات، فيصبح الأمن السيبراني أولوية قصوى لجميع الدول، ومواجهة الجريمة السيبرانية ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار المجتمعي، والاستعداد للحرب السيبرانية أمر لا يمكن تجاهله.

اتجهت الحكومات إلى استخدام نظم الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات، لتحل مكان الطاقم البشري والطبي، في تقديم الخدمات الضرورية للمرضى

وسعى خليفة عبر دراسته إلى تحديد أهم التكنولوجيات التي تم استخدامها في مكافحة ومواجهة انتشار فايروس كورونا المستجد، وكذلك أهم التكنولوجيات التي ساهمت في تيسير الحياة البشرية سواء على مستوى العمل أو التعليم أو التسوق أو غيرها من أوجه النشاط الإنساني، مشيرا إلى أهم القطاعات التكنولوجية التي استفادت من هذه الأزمة. وفي النهاية حاول إلقاء نظرة على مستقبل الحياة البشرية في ظل التطورات التكنولوجية بعد انتهاء الأزمة.

وأكد أن الواقع السيبراني الجديد الذي فرضه فايروس كورونا المستجد على العالم، أثبت أن التكنولوجيا هي سبيل الإنسان للتعايش في ظل انتشار وباء عالمي، حيث حالت دون توقف الأنشطة الحياتية عن العمل، ومن هنا يمكن القول إن البشرية قد جنت بالفعل ثمار جهدها في التطوير التكنولوجي الذي أنقذها من حالة الشلل التام، الذي كان يمكن أن تتعرض له أثناء انتشار الوباء.

وتتلخص رؤية الباحث حول مستقبل الحياة البشرية في ظل التطور التكنولوجي بعد انتهاء الأزمة، في نقطتين؛ أولا أن يستمر تبني نموذج التعليم والعمل عن بعد، حتى بعد انتهاء الأزمة، مع إعادة النظر في سلبياته وتقييمها وتطويرها مستقبلاً بصورة أفضل من الوضع الحالي، وذلك بسبب ما حققه من مزايا متعددة، تضمن توفير الوقت والجهد والتكلفة.

واقع افتراضي

ساهم انتشار الوباء في تسريع عملية التحديث التكنولوجي فأصبحت عملية التحول الذكي ضرورة لتسيير الحياة البشرية
ساهم انتشار الوباء في تسريع عملية التحديث التكنولوجي فأصبحت عملية التحول الذكي ضرورة لتسيير الحياة البشرية

ويتيح  ذلك للحكومات فرصة لتقديم جميع الخدمات الحكومية للمواطنين عبر الإنترنت، ويضمن تحقيق الكفاءة ومواجهة الفساد الإداري، بينما تتابع الحكومات سير العمل، مع الوزراء أو المحافظين، وحضور القمم والمؤتمرات الدولية من خلال نظم الفيديو كونفرنس، دون الحاجة إلى الانتقال والسفر.

ويقتصر الحضور في المدارس على تنمية المهارات الشخصية للطلاب وممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية والفنية، أما التحصيل العلمي فيكون من خلال التعلم عن بعد، وتقدم الجامعات خدماتها التعليمية لطلابها عبر الإنترنت، فتتيح لهم فرصة الدراسة والعمل في نفس الوقت، من خلال تحقيق مرونة المواعيد، وسهولة متابعة المحاضرات والدروس.

وتقوم الشركات بتبني نموذج العمل عن بعد، وفق نموذج الأعمال الخاص بها، وتوجه ميزانياتها للبحث والتطوير وزيادة المخصصات المالية للعاملين بها، بدلاً من توجيهها لإنشاء مبان إدارية أو مصاريف إدارية يمكن توفيرها أو ترشيدها.

ثانيا، الانتقال من الجيل الأول للعالم السيبراني إلى الجيل الثاني، لتحل تقنيات الواقع الافتراضي بديلاً عن نظم الفيديو كونفرنس، المستخدم في الجيل الأول. ولن يقتصر استخدام الواقع الافتراضي على الترفيه، كما هو في هذا الجيل، بل تتعدد استخداماته اليومية، فمثلاً يمكن استخدامه في تطوير العملية التعليمية، فإذا كان الدرس اليوم عن عصر الديناصورات، يمكن من خلال نظارات الواقع الافتراضي أن يعيش الطالب داخل هذا العالم بكل معالمه، وإذا كان الدرس عن المجموعة الشمسية، يستطيع رؤيتها وكأنه في الفضاء، وهكذا في غيرها من الموضوعات، فتصبح العملية التعليمية أكثر متعة وجاذبية وعمقاً من مجرد معلومات يتلقاها الطلاب من المعلم من خلال الفيديو كونفرنس.

وتصبح نظم الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والروبوتات، أحد متطلبات الحياة الضرورية، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى الهاتف الذكي والكمبيوتر والإنترنت في الوقت الراهن، ليعم استخدامها في المستشفيات والمطاعم والمصالح الحكومية والشركات، وتنتشر السيارات ذاتية القيادة في الشوارع، ويستخدم الأفراد الطابعات ثلاثية الأبعاد في طباعة جميع احتياجاتهم اليومية من أطعمة وملبوسات وغيرها. باختصار، مرحلة ما قبل كورونا لن تكون كما بعده؛ علينا أن نتهيأ جميعا لذلك، حتى لا ينسانا التاريخ.

غراف

12