هل نسي العراقيون رئيسهم في ثلاجة ألمانية؟

الخميس 2013/11/07

كان هناك رئيس للعراق اسمه جلال الطالباني، مَن يتذكره؟ لا يزال الرجل رئيسا لدولة اسمها العراق، ومع ذلك فلا أحد يسأل عنه. ما من أحد يستفهم عن مصيره. أين انتهت به الحال؟ هل هو حي أم ميت؟

السياسيون الذين اعتبروه ذات يوم صمّام أمان العملية السياسية لم يعد أحد منهم يهتم به أو حتى يذكره. كانوا يقولون إن وجوده هو الذي يقف بينهم وبين أن يبيد بعضهم البعض الآخر. ولكنهم حين اختفى الرجل الحكيم الذي لم يكونوا يذكرون اسمه إلا مسبوقا بلقب مام (العم بالكردية) صاروا يهملون ذكره.

لم يذبح بعضهم البعض الآخر، بل كان الشعب العراقي هو الذي يتعرض لإبادة منظمة، عن طريق السيارات المفخخة التي لم تستثن طائفة ولا عرقاً من مكرها ودهائها وعبث أهدافها.

أما العملية السياسية فإنها مستمرة، بل أن الولايات المتحدة وهي التي تشرف بشكل مباشر على تلك العملية قد استدعت رئيس الوزراء العراقي وهي في طريقها إلى استدعاء الفرقاء الآخرين ممن يشكلون الأطراف التي تتحكم بالسياسة العراقية لتملي عليهم توجيهاتها للمرحلة المقبلة.

وهي مرحلة لن تكون سوى استمرارا للمراحل السابقة التي شهدت فشلاً ذريعاً في إدارة شؤون المجتمع، وعجزاً تاماً عن بناء دولة المؤسسات والقانون وانتشاراً واسعاً للفساد الذي صار يخترق الدولة أفقياً وعمودياً وتدهوراً مستمراً في الوضع الأمني. كل ذلك يحدث فيما لا يزال «مام جلال» نائماً في الغربة.

الرجل الذي قضى معظم سنين حياته في المنفى، يشاء العراقيون أن يتخلصوا منه منفيا. ينقصنا الإنصاف فعلا. فالرجل يعيش منفى مزدوجاً. نفته الحياة إلى الموت ونفته الذاكرة العراقية إلى النسيان.

يخيل إلي أنني قرأت ذات مرة خبراً يقول إن المستشفى التي يرقد فيها الرئيس العراقي قد طلبت من الحكومة العراقية تسلم جثته. ثم اختفى الخبر بعد ذلك. طواه هو الآخر النسيان.

هل يكره العراقيون زعماءهم إلى هذا الحد، أم أنهم جاحدون بطبعهم؟

ولكن العراقيين شعب بذاكرة ضعيفة فعلاً.

لقد هرب الكثير من وزرائهم ونوابهم خارج العراق محملين بمليارات الدولارات من غير أن يسأل عنهم أحد أو على الأقل يطالب باسترداد الأموال المنهوبة. عوائل سياسييهم تعيش مرفهة في بيروت وعمَّان ودبي والقاهرة، إضافة إلى تلك العوائل التي بقيت في بلدان لجوئها في الوقت الذي يتقلبون فيه على نار هادئة اختارتهم مادة لاستعراض حفلة شوائها.

إنهم يقفون دائما في انتظار الأسوأ.

الرئيس نائم في المانيا وقد يكون ميتاً، ونائبه فر إلى تركيا وحكم عليه بالإعدام غيابيا. أتذكر أن هناك رجلاً مسناً لقبه العراقيون بالهزاز كان قد اختفى هو الآخر بعد أن اتهمته الحكومة بالإشراف على تفخيخ السيارات.

هناك وزير ثبت أنه تلاعب بالحصة التموينية ليجني مليارات لا يزال حراً طليقاً، وهناك وزير اشترى خردة أسلحة من بولندا هو الآخر يعيش طليقاً، وهناك من ضحك على العراقيين بعقود كهرباء وهمية فحملته طائرة أميركية من السجن. هناك أيضاً وزير ثقافة كانت له مساهمات لافتة في القتل، لا يعرف أحد أين يقيم. هل المطلوب من العراقيين أن يتذكروا ما حل بهم من المصائب وهم يقفون في انتظار مصائب جديدة؟

لا يتعلق الموضوع بالذاكرة بل بفكرة العيش. صار العراقيون يحلمون في أن يعيشوا يوما لا قتل فيه، وليذهب اللصوص بأموالهم إلى الجحيم. ولكن حلماً من هذا النوع لا يمكن أن يتحقق من غير أن يعمل العراقيون بأنفسهم على إيقاف المهزلة التي يسمونها (العملية السياسية).

لا يمكن لفكرة العيش أن تجد منفذاً لها في اتجاه الخلاص ما لم يتخلص العراقيون من الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل الأميركي لحكم العراق، وهو طاقم فاسد لا علاقة له بالسياسة، لا من بعيد ولا من قريب.

لقد ابتلي العراق بعصابات نظمت نفسها على هيئة أحزاب.

عصابات لا تملك أية واحدة منها مشروعاً سياسياً لإنقاذ البلاد مما انتهت إليه، بعد حكم شمولي استمر خمسة وثلاثين سنة، وبعد ثلاثة حروب مدمرة وبعد احتلال لم يترك حجرا على حجر.

جلال الطالباني المنسي في ثلاجة بألمانيا هو نموذج لعراق نسي نفسه.


كاتب عراقي

8