هل نطق؟

هل ما ينتجه الرسم الديجيتالي فنا؟ أم يجب أن تقام مُسائلة حول ما يمكن أن تطوره هذه الواسطة الجديدة من أفكار؟
الجمعة 2018/10/12
تماثيل ثلاثية الأبعاد تجتاح العالم

أذكر، عندما كنت في العاشرة من عمري كنّا جالسين في إحدى الليالي أنا ووالدي على الشرفة، بينما كان أخواني ووالدتي يتفننون بقطع بطيخة ضخمة وزكية الرائحة بشكل دوائر مُسطحة.

قربنا، ما بين الشرفة والغرفة أضاء والدي قنديل من نوع “لوكس” الذي كان نجم الطفولة اللبنانية المبهورة بكيفية وخطورة إضاءته وبنوره القوي نسبة إلى أدوات الإنارة الأكثر تقليدية كالشمع وفوانيس الغاز.

كانت الكهرباء مقطوعة، والجوّ معتدل الحرارة والدخان المتصاعد من غليونه يغلف الجوّ بعطر خاص، كان يحيلنا أنا وإخوتي إلى الشعور بالأمان مع والد حرص على إخراجنا من سنين الحرب بأقل ضرر عاطفي مُمكن.

وخلال تلك الليلة العطرة بدأ والدي من حديث إلى حديث يخبرني عن المنحة التي حصل عليها للدراسة الفنية في روما ومن ثمّ في فلورانسا، وكيف غُرم بفن النهضة الإيطالية (لا زال حتى اليوم) التي وضعت “الإنسان/ الإنساني” محور العالم.

أولى معلوماتي عن هذا الفن جاءت من تلك الفترة التي كان والدي يتحدّث فيها بشغف عن تيتيان ودوناتيللو ورفاييل، وخاصة عن مايكل أنجلو الذي كانت له قصة قصيرة أخبرني إياها والدي، ربما أكثر من عشر مرات.

وكنتُ في كل مرة أتظاهر أنني نسيت تفاصيلها أو أطلب في أن يعيدها على مسامعي لشدة رغبتي برؤية الحماس الذي كان يرافق كلماته ويلمع في عينيه في كل مرة. مختصر هذه القصة أن الفنان كان مُرهقا جدا أثناء نحته لتمثال النبي موسى، وفي إحدى المرات ضاق ذرعه وأخذ الإزميل والمطرقة بيديه وأخذ ينحت بسرعة وقوة هائلة صارخا “انطق يا حجر!”.

كنتُ أُعقّب قائلة لوالدي “وهل نطق؟”، كان والدي يضحك وأضحك معه لنعود إلى كتاب ضخم جلبه معه من أيام الدراسة لنتفرج سويا على الصور الثلاثية الاتجاهات التي أخذت للتمثال، لنكمل قلب صفحات الكتاب مُستمعة إلى تعليقاته الشخصية والشيقة.

ومنذ أكثر من سنتين، عندما بدأت أرى صورا للتماثيل الثلاثية الأبعاد المُصنعة في كندا وأميركا وكوريا الجنوبية كنت أتذكر حديثنا أنا وولدي، وإذا ما كان ينطبق على هذه التماثيل الوفية للتفاصيل وإن بشيء ضئيل إلى ما “اختبره” الفنان مايكل أنجلو من تورط عصبي وجسدي وعاطفي عندما طلب من الحجر أن يخضع له ناطقا بالحياة ليبدع تمثالا من أروع التماثيل العالمية على الإطلاق.

وتقوم تقنية تنفيذ التماثيل ثلاثية الأبعاد وباختصار شديد على ماسح ضوئي يعمل بتقنية الأبعاد الثلاثية، يمكنه التقاط تفاصيل وجوه وأجساد الأشخاص بدقة متناهية، أما بعد تسجيل البيانات المتعلقة بهم يُصار إلى طابعة ثلاثية الأبعاد وتنفيذ تماثيل مصغرة عنهم.

وثمة تقنية أخرى نشأت في كوريا الجنوبية يدخل فيها الفرد إلى غرفة صغيرة مزوّدة بمئة كاميرا احترافية، ليتم مسحه من كل الجهات وتحويله إلى نسخة رقمية قابلة للطباعة بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد.

وفي الجامعات العالمية تُدرّس تقنية النحت هذه إلى جانب المواد الفنية التقليدية الأخرى، كما تدرّس تقنيات الرسم الديجيتالي، لكن ثمّة سؤال يطرح نفسه أمام هذه التقنية الجديدة نسبيا: هل يُمكن اعتبار ما تنتجه هذه الآلات فنا، لأن قيادة صناعتها تولاها خبراء متمرسون؟ أم يجب أن تقام مُسائلة حول ما يمكن أن تجسّده أو تطوّره هذه الواسطة الجديدة من أفكار؟

أما الأكيد، فهو أنني ما زلت حتى الآن أرى هذه “السلفيز” المصنوعة من الرزين وهي تخرج من أفضل مطابع بيروت دون أن تأخذني تفاصيلها الدقيقة الخالية من الحياة إلى إنسانية “الحجر الناطق” الذي شغل مخيّلة والدي وشحذ إنسانية الفنان مايكل أنجلو، ورؤوس زوايا مؤثرات جمّة طاولت أجيالا من الفنانين بعده ولا تزال.

17