هل نقبل أن يحكمنا الروبوت بدلا من السياسيين

طرح فرانك مولس المحاضر في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة كوينزلاند سؤالا “هل يمكننا استبدال السياسيين بالروبوتات؟” لينتهي إلى نتيجة مفادها أنه “حتى لو أصبح لدينا برلمان كامل من الروبوتات، سنبقى بحاجة إلى وكالة بشرية مسؤولة عن تحديد المعايير الأخلاقية لبرمجتها ضمن الروبوتات”.
السبت 2016/04/02
الأزمات الأخلاقية وأخلاقية الأزمات.. لغة لايفهمها إلا البشر

لندن - إذا كانت لديك فرصة للتصويت لصالح السياسي الذي تثق فيه تماما، لأنك على يقين من أن ليست لديه أجندات خفية ومن شأنه أن يمثل حقا آراء الناخبين، سوف تقوم بذلك، أليس كذلك؟

ماذا لو كان ذلك السياسي من الروبوتات؟ ليس إنسانا حقيقيا وإنما ربوتا مصنّعا. قبل عقود كان مستقبل هذه الأشياء ضربا من الخيال العلمي، ولكن هل يمكن أن يتحقق ذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يجب أن نسعى إلى ذلك؟

فقدان الثقة

أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن الثقة في السياسيين تراجعت بشكل كبير في المجتمعات الغربية، وأصبح الناخبون يستغلون الانتخابات، على نحو متزايد، كشكل من التصويت الاحتجاجي.

هذا لا يعني أن الناس قد يتخلون عن الاهتمام بالسياسة وصنع السياسات. على العكس، هناك أدلة على تزايد المشاركة في الحياة السياسية غير التقليدية، مما يشير إلى أن الناس أبقوا على المشاركة في الحياة السياسية، ولكنهم فقدوا ثقتهم في السياسة الحزبية التقليدية.

يشعر الناخبون على نحو متزايد أن الأحزاب السياسية القائمة متشابهة جدا، وأن السياسيين منشغلون بتسجيل النقاط والتسييس. ويشعر الناخبون الساخطون أن الأحزاب الكبرى مرتبطة بالنافذين من أصحاب المصالح الخاصة، وهي بمثابة تعاون وثيق بين رجال الأعمال أو النقابات العمالية الكبيرة، وبالتالي سوف لن يحدث تصويتهم أي فارق.

من الأعراض الأخرى لتغيير المشاركة السياسية وليس فك الارتباط هو صعود الأحزاب الشعبية التي لها أجندات متطرفة واهتمام متزايد بنظريات المؤامرة والنظريات التي تؤكد حدس الناس بأنه تم تزوير النظام.

فكرة وجود ساسة يخدمون مصالح ذاتية وموظفين مدنيين، ليست جديدة. وقد شاع هذا الرأي في المسلسلات التلفزيونية مثل مسلسل “يس مينستر” (Yes Minister) وأحدث سلسلة من المسلسل الأميركي هاوس أوف كاردس (House of Cards).

قد نكون فقدنا الثقة في السياسة التقليدية، ولكن ما هي البدائل التي لدينا؟ هل يمكننا استبدال السياسيين بشيء أفضل؟

التفكير الآلي

البديل هو تصميم أنظمة صنع السياسة بطريقة تجعل من واضعي السياسات محميين من أي تأثير خارجي لا مبرر له. للقيام بذلك، سوف يتم خلق فضاء يخضع لأدلة علمية موضوعية، وليس للمصالح الخاصة، وبالتالي يمكن إبلاغ صناع السياسات.

معظم الناس يتفق على أن لدينا القدرة على إصدار أحكام قيمية تميزنا عن الآلات وتجعلنا متفوقين عليها

للوهلة الأولى يبدو أن هذا الأمر لا يستحق أن يطمح المرء إليه. ولكن من بين القضايا السياسية العديدة، هناك قضايا من شأنها أن تؤدي إلى انقسام الرأي السياسي بشكل كبير، مثل تغير المناخ، وزواج المثليين أو سياسة اللجوء؟

صنع السياسات سوف يظل سياسيا في ذاته والسياسات المسندة بالبيانات أفضل من تلك القائمة على البيانات. ولكن يمكن تسييس بعض القضايا وينبغي لنا أن ننظر إلى أداء الروبوتات المنتشرة لهذه المهمة؟

أولئك الذين يركّزون على التقدم التكنولوجي قد يكونون أكثر ميلا إلى الإجابة بـ”نعم”. بعد كل شيء، العمليات الحسابية المعقدة التي تطلبت سنوات ليتم فك طلاسمها باليد، يمكن إيجاد حل لها في ثوان باستخدام أحدث المبتكرات في مجال تكنولوجيا المعلومات.

وقد أثبتت هذه الابتكارات قيمة الغاية في مجالات السياسة. على سبيل المثال؛ يدرس مخططو مشاريع البنية التحتية الجديدة الآن استخدام برنامج قوي من أجل إنشاء نموذج لحركة المرور قصد التنبؤ بالتدفقات المرورية المستقبلية.

هؤلاء الذين يركزون على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، من ناحية أخرى، لديهم تحفظات. التقدم التكنولوجي ذو استخدام محدود في قضايا السياسة التي تنطوي على المعتقدات المتنافسة والأحكام القيمية.

ومن الأمثلة المناسبة وجود تشريع للقتل الرحيم، الذي من المفروض أنه مرفوض في المعتقدات الدينية ويثير تساؤلات حول قضية تقرير المصير. ربما نحن نميل إلى نفي هذه القضية بشكل استثنائي، ولكن هذا من شأنه أن يؤدي إلى التغاضي عن معظم قضايا السياسة التي تنطوي على معتقدات متنافسة وأحكام قيمية، ومن هذا المنظور يبدو أنه ليس هناك جدوى من استخدام سياسيين من الروبوتات.

القواعد الأخلاقية

قد يكون الكمبيوتر الخارق قادرا على تقديم تنبؤات دقيقة حول أعداد مستخدمي الطرقات المقترحة. ولكن ماذا سيفعل هذا الكمبيوتر الخارق عندما تواجهه معضلة أخلاقية؟

الآلة جزء من حياة البشر اليومية قريبا

معظم الناس سوف يتفق على أنه لدينا القدرة على إصدار أحكام قيمية تميزنا عن الآلات وتجعلنا متفوقين عليها. ولكن ماذا لو استطعنا برمجة المعايير الأخلاقية في أجهزة الكمبيوتر، وبالتالي يكون بمقدورها اتخاذ القرارات على أساس مبادئ توجيهية معيارية محددة مسبقا، وما هي العواقب الناجمة عن هذه الخيارات؟

إذا كان ذلك ممكنا، يعتقد البعض أنه يمكن أن نستبدل السياسيين غير المعصومين بربوتات ذكية معصومة بعد كل شيء؟

الفكرة قد تبدو بعيدة المنال، ولكن هل هي ممكنة التحقيق؟

قد تصبح الروبوتات أيضا جزءا من الحياة اليومية في وقت أقرب مما نعتقد. على سبيل المثال؛ قد يتم عما قريب استخدام الروبوتات في أداء مهام روتينية في مرافق رعاية المسنين، للحفاظ على شركة تهتم بشؤون المسنين أو المعوقين، وأشار البعض إلى إمكانية استخدام الروبوتات في الدعارة. أيا كان الرأي الذي نملكه عن السياسيين الروبوت، بالفعل تم وضع الأساس لهذا.

مؤخرا عرضت إحدى الورقات نظاما يكتب الخطب السياسية بشكل تلقائي، بعض هذه الخطب معقول، ومن الصعب التمييز ما إذا كان كاتبها من البشر أو كان آلة.

يستخدم السياسيون بالفعل أشخاصا يكتبون لهم الخطابات، لذلك قد يكون البدء في استخدام الروبوت لكتابة الخطابات مجرد خطوة صغيرة بالنسبة إليهم.

الأمر نفسه ينطبق على صناع السياسة والمسؤولين عن التخطيط الحضري أو التخفيف من الفيضانات، والذين يمكنهم الاستفادة من نماذج البرمجيات المتطورة. وقد نكون قادرين في وقت قريب على استبعاد البشر بشكل تام، واستبدالهم بالروبوتات من خلال نماذج من البرمجيات المضمنة فيها.

يمكننا التفكير في العديد من السيناريوهات، إلا أن القضية الأساسية لا تزال هي نفسها؛ سوف يحتاج الربوت ليكون مبرمجا وفق مجموعة متفق عليها من المعايير الأخلاقية والتي تسمح له بإصدار الأحكام على أساس الأخلاق المتفق عليها.

قد تصبح الروبوتات أيضا جزءا من الحياة اليومية في وقت أقرب مما نعتقد على سبيل المثال؛ قد يتم عما قريب استخدام الروبوتات في أداء مهام روتينية في مرافق رعاية المسنين

المدخلات البشرية

حتى لو كان لدينا في المستقبل برلمان كامل من الروبوتات، فإننا ما زلنا بحاجة إلى وكالة يعمل بها البشر، تكون مهمتها أساسا تحديد المعايير الأخلاقية لبرمجتها في الروبوتات.

ولكن من سيقرر بشأن تلك المعايير الأخلاقية؟ كذلك ربما نضطر إلى عرض ذلك على التصويت بين مختلف الأحزاب المعنية والمتنافسة.

هذا يعيدنا إلى نقطة البداية، من خلال العودة إلى مشكلة كيف يتم منع التأثير الذي لا داعي له.

دعاة الديمقراطية التي تقوم على التداول على السلطة، والذين يؤمنون أن الديمقراطية يجب أن تكون أكثر من نزهة نحو صناديق الاقتراع في كثير من الأحيان، يرتعدون من احتمال وجود سياسيين من الروبوت.

لكن دعاة السوق الحرة، الذين يبدو أنهم أكثر اهتماما بإيجاد حكومة ضعيفة، وبتدابير التقشف وخفض البيروقراطية، قد يكونون الأكثر اعتمادا على الربوت.

يبدو أن رجال الأعمال أصبحت لهم اليد العليا، لذلك في المرة القادمة سوف تستمع إلى أحد المعلقين يشير إلى السياسي على أنه روبوتي، وينبغي أن لا ننسى أنه ربما يأتي يوم يصبح فيه السياسيون من الروبوتات.

18