هل ننصح سنة العراق بالتشيع حقنا للدماء

الأحد 2015/05/17
سنة العراق بين مطرقة داعش وسندان ميليشيات إيران وغياب التفهم العربي.. أين المفر

لا داعي لذكر ما حدث يوم السبت الماضي من اقتحام الميليشيات لسجن الخالص الذي يقع على مسافة 80 كيلومترا شمال شرقي العاصمة بغداد وقتل نحو 60 سجينا بالرصاص، ولا داعي للحديث عن تسعة مدنيين اختطفوا من منازلهم مساء ذلك السبت الحزين أيضاً شمال شرق مدينة بعقوبة والعثور على جثثهم في اليوم التالي على الطريق السريع بين ناحية التوجيهية وتقاطع أبو جسرة، كذلك لا جدوى من الكتابة عن مقتل أربعة بغداديين وحرق الوقف السني في الأعظمية مع إضرام النيران بـ17 منزلا في ذلك الحي السني البغدادي الكبير أثناء مرور زوار الكاظم الشيعة بالمدينة.

كل هذه حكايات مفبركة مني، لأنني كاتب طائفي يتوهم أشياء لا وجود لها، فليس هناك طائفية في العراق. حتى أن السنة مع الشيعة في العراق يرقصون السامبا والسالسا في الحدائق العامة كل مساء.

وحدة العراق غير ممكنة بعد اليوم، إلا إذا قرر السنة التشيع بشكل جماعي فإما الدين أو الوطن، لأنه بهذه المظالم وتراكمها لا يمكن لمذهبين التعايش في المستقبل. انتهى الأمر وهذا ما خططت له إيران وقد نجحت.

العرب يقولون نحن نتألم على حال سنة العراق، إلا أننا لا نستطيع السماح بخطاب يؤدي الى تحويل الظلم نحو الشيعة والثأر منهم. الحل يجب أن يكون سلميا، والحل السلمي بطبيعة الحال هو تقسيم العراق، أو التشيع الجماعي.

سنة العراق يفهمون لماذا معاناتهم غير مهمة. لقد كانت الدولة بيدهم وضاعت بسبب حماقات قادتهم السياسيين إضافة إلى أنهم ليسوا طيعين ولينين يمكن التفاهم معهم كسنة لبنان أصحاب النزعة المدنية البيروتية التجارية مثلا

ثم إذا كنا عقلانيين إلى هذه الدرجة، لا يوجد جواب عقلاني يستطيع إقناعنا عن سبب عدم تغيير المذهب الديني للحفاظ على الحياة والممتلكات. عموما مئات العوائل قد تشيّعت، وتخلصت من هذا القلق الرهيب على الحياة. فما هو الفارق؟ لا يوجد فارق أليس كذلك؟ الفارق يظهر فقط حين تضغط السعودية على شيعة القطيف، أو حين يطالب البغدادي بالجزية من المسيحي الموصلي.

لا نلقى سوى اللوم المحبط على انتقاداتنا المستمرة، والبعض يضعها في خانة “الطائفية”. والحقيقة هي أن السنة قد انتظروا لعشر سنوات بعد الاحتلال 2003 في خجل شديد من كلمة طائفية واحدة، رغم هول ما جرى عليهم، بسبب تربيتهم الوطنية الراسخة.

أيام النظام السابق كانت المعارضة في الخارج تشتم صدام حسين والبعث والبعثيين، بينما اليوم السيستاني هو السلطة العليا، والميليشيات أقوى من الجيش كيف يمكننا معارضة ذلك؟ ماذا نكتب مثلا؟

ثم أن إيران صاحبة مشروع واضح وهي لا تخجل منه، فهي تدعم الشيعة وتستقبل الناشطين العقائديين في مدينة قم المقدسة مع دورات تدريب عسكرية وسياسية، فمن هذا المشروع الكبير خرج عبدالملك الحوثي مثلا، الذي يُنشد العراقيون له الأناشيد قائلين “صارت اليوم اليمنْ/رافضية للعلَنْ”. إيران تزج الدين بالسياسة بقوة لإحراج العرب.

عدد كبير من سنة العراق تحولوا إلى التشيع وارتاحوا (ومعهم كل الحق) إلا أن كثيرين لا يريدون التحول ويقاومون. فماذا نفعل في هذه الحالة؟

العرب بالمقابل ليس عندهم رجل كخامنئي ولا مشروع كمشروعه، بل إن السني العراقي حائر اليوم، فإذا شرب عرقا قالوا “كافر”، وإذا ذهب إلى المسجد قالوا “إرهابي”، بينما التشيع ليس فيه تكفير، تشرب عرقا وتصلي وتذهب للزيارة لا مشكلة ولا توجد ضغوط صارمة فالمهم عندهم “الولاء” العقائدي والسياسي. وهذا ما يجعل من مشروعهم حيويا اليوم.

العرب مشغولون بالإسلام السياسي السني، وغير مستعدين للتورط بحرب تصعّد التطرف الديني في المنطقة، ولو كانت حربا إعلامية أو في المساجد. إيران من جهتها تصعّد عمدا وبلا تردد، تريدون سلاما؟ نحن نريد حربا. لا تريدون طائفية؟ نحن نريد طائفية. تحاربون الإسلام السياسي؟ نحن ثورة إسلامية. تقمعون رجال دينكم المتطرفين؟ نحن نحكم بولاية الفقيه والمرجع. ماذا نفعل في هذه الحالة؟

لا نلقى سوى اللوم المحبط على انتقاداتنا المستمرة، والبعض يضعها في خانة {الطائفية}. والحقيقة هي أن السنة قد انتظروا لعشر سنوات بعد الاحتلال 2003 في خجل شديد من كلمة طائفية واحدة، رغم هول ما جرى عليهم، بسبب تربيتهم الوطنية الراسخة

من أين نأتي بلغة غير طائفية لوصف واقع طائفي إلى هذه الدرجة؟ ثم أننا لا نستطيع أن نلوم شيعة العراق على بقائهم في الجانب الإيراني، فبماذا يعدهم العرب؟ لا يوجد مشروع عربي. الشيعة يعيشون في بلادهم، ويمارسون عقائدهم بحرية. هل يهاجر ليصبح لاجئا في بريطانيا؟ هل يبحث عن كفيل ويعمل حدادا في قطر؟ لا يريدون هذا النوع من “البهذلة ” والغربة.

معظم القيادات الشيعية اليوم في الحكومة العراقية قد جرّبت الغربة في الماضي، كما جرّبوا العمل السياسي المعارض في الخارج، ويعرفون الحقيقة. مازلت أتذكر سيارة السيد نوري المالكي المارسيدس القديمة الصدئة (المزنجرة) ومنظره وهو يحمل المازوت إلى شقته بالطابق الثالث في المنطقة الصناعية بدمشق.

هم اليوم يبيعون نفط العراق ويمتلكون أضرحته وعقاراته وتجارته، فلماذا يتغربون وهم يرون المواطن الكندي يحلم بالدفتر “عشرة آلاف دولار” بينما هو في بلده وبين أهله ويلعب بالدولارات؟

هناك كتّاب شيعة في الخارج موضع ترحيب من العرب والخليج دائما، ينتقدون إيران بلطف، ويحظون بالتقدير والاحترام. لأن بإمكانهم مديح إيران فهم شيعة لكنهم فضلوا عروبتهم أولا، ولأنهم دعاة سلام ثانيا، ويكشفون باستمرار عن نوايا العرب الطيبة تجاه الشيعة.

فالعرب قوميون وليسوا طائفيين، ولا يحبون الخطاب السياسي الديني، بينما الكتّاب السنة من جهة أخرى إما خائفون ومتملقون لعملاء إيران، أو يسببون إشكالات للإعلام العربي. فهم يطالبون العرب بمساندة السنة في العراق وسوريا، وهذا أمر مرفوض لأنه يستدعي المواجهة كما يغضب الشيعة العرب.

كل هذه محن يمر بها سنة العراق، فهم لا يفهمون لماذا معاناتهم غير مهمة. لقد كانت الدولة بيدهم وضاعت بسبب حماقات قادتهم السياسيين. إضافة إلى أن سنة العراق ليسوا طيعين ولينين يمكن التفاهم معهم كسنة لبنان أصحاب النزعة المدنية البيروتية التجارية مثلا.

العرب يقولون لقد خرج سنة العراق علينا بصدام حسين ثم خرجوا بالبغدادي، وهذه نماذج غير جذابة ومدمرة بالنسبة إلى العرب والحياة.

وحدة العراق غير ممكنة بعد اليوم، إلا إذا قرر السنة التشيع بشكل جماعي فإما الدين أو الوطن، لأنه بهذه المظالم وتراكمها لا يمكن لمذهبين التعايش في المستقبل. انتهى الأمر وهذا ما خططت له إيران وقد نجحت

لقد كان العرب يفضلون التجربة الشيعية المتواضعة في الحكم، والتعامل مع نموذج شيعي عربي عراقي أفضل من سنة العراق المتغطرسين والحالمين. المشكلة هي أن إيران لا تريد ذلك، وتدفع باتجاه التبشير والتهجير والتوسع المذهبي دائماً.

شيعة العراق يثقون بإيران أكثر من العرب، فقد جربوا العرب الذين دعموا صدام حسين ضدهم وضد الخميني، كما جربوهم في الحصار الاقتصادي والجوع. لهذا يبدو المشهد مؤهلا للانفجار والحروب والمآسي بكل أسف.

فشل تجربة السيد حيدر العبادي مؤخرا يؤكد بأن الأمور بيد إيران. فقد حاول حيدر العبادي إقناع السعودية بفتح سفارة ببغداد، وتحسين حياة السنة، وأن يكون شيعة العراق هم الوسيط السياسي والتجاري بين العرب وإيران، وهذا سيحقق للعراق وللشيعة مصالح اقتصادية كبيرة.

إلا أن إيران نسفت هذا المشروع من أساسه بالميليشيات إلى درجة أن الرجل العبادي قد لوّح بتقديم استقالته مؤخراً. حتى الدكتاتور نوري المالكي لم يكن مستقلا بقراره، فكل الخيوط تعود إلى إيران ومشروعها المذهبي. فكيف يمكن في هذه الحالة وصف واقع طائفي دون لغة صريحة؟

هل يريد العرب مني أن أنصح شعبي بالتعقل، وأنه لا يوجد فرق بين شيعي وسني، وإذا كانت إيران مصممة على التبشير فتشيعوا رجاء وكونوا أعقل منهم؟ هل تريدون أن يكون هذا عنوان مقالي القادم؟

ثم كيف لنا أن نمنع الحرب القادمة؟ هل الأمر بيدنا حقاً؟ هل نحن الكتاب البسطاء مسعّروها وحارثو نارها؟ هل هذا ما تظنون؟

عندما أكتب عن الحرب أحيانا، ليس ذلك لأنني متبلد الشعور، إلا أنني أعرف أشياء كثيرة عن الشباب. منها أنهم لا يريدون أن يمشوا مع خطيبات جميلات، لا يستطيعون حمايتهن من الميليشيات.

لا شيء يدفع الفتيان إلى الحرب كالشعور بالكرامة، وهي أيضا متعلقة بتلك المنائر المنتصبة بفحولة العقائد العزيزة على الضمير. هؤلاء الفتيان لا يريدون أطفالا، لا يستطيعون منحهم أسماء قوية كأسلافهم، أو يضطرون إلى تغيير أسمائهم فيما بعد.

ثم كيف يمكن لأب أن يشرح لابنته الصغيرة بأن اسمها لم يعد عائشة بل نسرين؟ خصوصا وأن الأطفال يحبون أسماءهم ويتعلقون بها. هكذا ومن فهمي البسيط للإنسان، أعرف بأن الحرب في ظروف كهذه ستشتعل.

صدقونا يا سادتنا بأن النصح ينفع معنا لتجربتنا الموجعة في الحياة، ونحن محبون للاعتدال فدلّونا على الطريق. فليخرج قادتنا وسادتنا العرب على الملأ وليضيئوا لنا الدرب نحو المستقبل.

فإن كنْتَ تَبْغي العِزّ فابْغِ تَوَسّطاً

فعندَ التّناهي يَقْصُرُ المُتطاوِلُ

أبو العلاء المعري

كاتب عراقي

4