هل هؤلاء، سنة أم شيعة، مسلمون

الخميس 2014/01/09

يتبادلون السيارات المفخخة والقنابل الموقوتة، يتبادلون الموت كأنهم يتبادلون بطاقات دعوة على الغداء أو العشاء، اليوم في داري وغدا في دارك، هناك وفرة في الرجال ومطابخ الموت موقدة على مدار الساعة، تسمن البعض وتطبخ البعض، نحن العرب كرام في القتل، وأي قتل، قتل الغدر والخسة والخيانة، وضد من؟ ضد بعضنا البعض؟

فهذا دأبنا على مدار التاريخ، لم نتوحد إلا قليلا، ولم نستح من خزينا إلا قليلا، ولكن طوال الوقت نعيش بلا حياء، ونمارس القتل بأبشع الأساليب وأحقرها ضد بعضنا البعض، ونزرع العداوة والبغضاء بين ظهرانينا ونسمح لأعداء منا ومن خارجنا أن يندسّوا ويدسّوا ويتآمروا ويوقعوا بيننا الحرب. وكل ذلك من أجل “الرئاسة”، و”الملك”، و”السلطة”، و”السلطان”، و”الإمارة”.. إلخ، لتتعدد الأسماء والسبب واحد.

المتأمل لحالنا لن يتمالك نفسه، سيقع متخبطا من فرط الضحك، دولة شيعية تتهم دولة سنية بتدبير تفجير انتحاري ضدها، أو العكس. سني فخور بسنيته يلتهم قلب سني معارض له، شيعي يقطف رأس شيعي ويرفعه متباهيا.

الشيعة يفخخون سيارة يقودها انتحاري لقتل السنة، وفي نفس التوقيت وذات اليوم من الأسبوع التالي يقود انتحاري من السنة سيارة مفخخة لقتل الشيعة.

يتبادلون القتل والذبح والتمثيل بالجثث والاغتصاب والسحل والتكفير، وما خفي كان أعظم من الانتهاكات غير الإنسانية، يتبادلون ذلك حتى داخل جماعاتهم وتنظيماتهم سواء شيعية أو سنية، كم مرة وفي كم دولة وفي كم مدينة وقرية وحي حدث ذلك على مدار ما يزيد عن ربع قرن؟ مئات المرات أوقعت آلاف القتلى وآلاف المصابين الذين تشوهوا بالعاهات المستديمة، من لبنان إلى العراق ومصر وسوريا والسعودية واليمن وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وهلم جرا، حروب داخلية ممتدة تشبه حروب القبائل قبل الإسلام.

الإشكالية أنه عند البحث في الدوافع التي قادتنا إلى ذلك، لا نرى إلا صراعا على السلطة يمتزج فيه الديني بالسياسي، فيقتل الناس باسم الدين من أجل السياسة، وقد وعى الساسة بدور الدين في الدفاع عن السلطة والتمكن من زمامها منذ أحداث الفتنة التي وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فكان أن استخدموه في صراعاتهم للاستيلاء على السلطة والبقاء فيها، وكان الوقود ولا يزال هو ترسيخ الجهل وحرمان الناس من التعليم والمعرفة والثقافة واستنزاف عقولهم وقلوبهم بصغائر الأمور، حتى إذا ساقوهم إلى الموت لم يجدوا مقاومة تذكر.

وقد اتخذ الساسة من بعض علماء الدين جنودا لحماية السلطة فقربوهم وأغروهم بالمال والجاه والنفوذ، فساقوا لهم الناس بالجنة والنار وأحلوا لهم الحرام وحرموا الحلال، وأعطوهم من التأويلات والتفسيرات والفتاوى ما يكفي لاستعباد الناس وإخضاعهم وإذلالهم ودفعهم إلى الانتحار والقتل والتمثيل بالجثث بأنفس راضية، ولننظر إلى الأموال والفتاوى التي تدفقت منذ السبعينات من القرن الماضي على أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان ومصر والسودان وغيرها من البلدان دعما ومساندة لآليات القتل والتدمير والتقسيم، ولا تزال هذه الأموال والفتاوى تتدفق لدعم ومساندة الفتن في سوريا وليبيا ومصر وتونس وهلم جرا.

وإن رجال الدين الذين حكموا ما يزيد عن ثلثي التاريخ الإسلامي، ما زالوا يحكمون لكن بدرجات متفاوتة ليست بقوة السابق، فلم يتورع البعض من الدس على الإسلام والمسلمين بحجة الإصلاح والتجديد، فتمكن من تخزين وتثبت الأفكار اللازمة لتهيئة الوقود وإشعال النار، وقد نجح الأمر ولا تزال التفسيرات والتأويلات من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بسيد قطب وشكري مصطفى وغيرهم، تقوم بدورها، خاصة بعد أن تبنتها دول وجماعات وتنظيمات تثبيتا لأركان سلطتها أو بحثا عن تثبيتها.

لذا لم تنشأ جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي تجديدا للدين ودفاعا عنه أو حماية له أو إصلاحا من شؤونه وشؤون أهله، ولكن نشأت لتنازع رجال السياسة والسلطة ورجال الدين على الرئاسة والملك، بعد أن رأت ما يملكون من مال وسلطان وقوة، فكانت التأويلات والتفسيرات المنحرفة والشاذة والمتطرفة والتكفيرية وسيلة في مواجهة السلطة وشيوخها ودعاتها وسياسييها، ليبدأ هؤلاء وأولئك ممارسة القتل والتخريب والتدمير غير معنين بما آل إليه الإسلام من تشويه وتمزق وما آل إليه أهله من قتل وانتهاك على أيديهما.

وبين هؤلاء وأولئك ولدت تلك الفئة الجاهلة الجهول من شيوخ الفضائيات الذين صاروا أبواق فتنة وحرب وفساد وانحلال، وتجار يتاجرون بدين الله ولا يتورعون عن بيع آياته وأحاديث نبيه للقتلة والمجرمين واللصوص والمنحرفين ومن يدفع أكثر، حتى صار وجودهم وباء كالسرطان ينهش جسد الدين والأمة.

لقد ورطوا الإسلام في معاركهم وصراعاتهم ونزاعاتهم بحثا عن السلطة والمال والجاه والنفوذ، واستغلوه أسوأ ما يكون الاستغلال، ففرقوا وقسموا أهله وبلدانه إلى فرق وملل وشيع وجماعات ودويلات، وها هم يدخلونه في اقتتال طائفي لن تخمد نيرانه حتى يأكل الأخضر واليابس في المنطقة.

فجماعات وتنظيمات الشيعة والسنة، التي تنتظر الجنة قتلى أنصارها وفقا لفتاوى شيوخهم لمن يتم تجنيدهم ودفعهم إلى الانتحار، هذه الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تغرر بالشباب والأطفال وتزفهم إلى الموت، ممولة ومدعومة ومدفوعة من هذا النظام أو ذاك، لن يهدأ لها بال حتى تملك زمام السلطة حتى لو كان ذلك على خرائب البلاد والعباد.

ويبقى السؤال: هل هؤلاء وأولئك ممن يكفرون بعضهم البعض سنة أم شيعة مسلمون؟ هل من يقتلون ويستحلون أعراض وحرمات بعضهم البعض في سوريا ولبنان واليمن والعراق وليبيا و.. و.. مسلمون؟ هل من أفتوا ويفتون حتى الآن لهم بقتل ونهش جثث بعضهم البعض مسلمون؟ هل الأنظمة التي تمولهم مسلمة؟ هل الجماعات والتنظيمات التي تقتل الأبرياء من العامة على امتداد المنطقة جماعات وتنظيمات تنتمي إلى الإسلام؟

لا أظن، والإسلام منهم جميعا سواء كانوا جماعات أو تنظيمات أو أنظمة أو أفرادا براء، فهو دين نورٍ ورحمة وليس ظلاما وقتلا وسحلا وانتهاكا وتمثيلا بالجثث.


كاتب مصري

8