هل هؤلاء حقا ليبيون

الخميس 2014/05/22

إنّ زائر ليبيا بعد ثورتها المجيدة الثمينة، أو متتبّع أخبارها وأحداثها، يدهش لما يشاهد ويسمع، فيحار ويتساءل: ما الذي دهاها؟ فيجيبه العارفون المختصّون: لقد غزاها “المتأسلمون” المأجورون، فبعثروا فيها جراثيم الإجرام والنّهب، وعاثوا فيها فسادا.

من عرف ليبيا وهي تسير بخطى ثابتة رصينة نحو التقدّم والتطور، تبني حاضرا على قواعد ثابتة أساسها العلم، وعمادها العمل، لضمان مستقبل زاهر لأجيالها الصّاعدة، التي أخذت توفّر لها ما يلزم من إمكانيّات وتسهيلات، لتتزوّد بالعلوم والمعرفة، ولتقتبس ما يلائمها من اختراعات وتجديدات، تواكب بها الرّكب العالمي المتقدّم، فتضمن سلامة الكرامة والأعراض، وحريّة الأفراد والجماعات، من عرف كلّ هذا، عرف شعبا أبيّا طموحا وآمن بنجاحه وفوزه.

من عرف ليبيا آنذاك، عرف النّبل والكرم والجهاد في سبيل الدّين والحق، كما عرف الإرادة الطّموحة المندفعة، التي لا تبالي بالتضحيات لبناء مستقبل ينسيها ماضيا استعماريّا بغيضا.

فمن جبلها الغربيّ إلى جبلها الأخضر، من سواحلها إلى صحرائها، من فزّانها الهادئ المسالم، إلى برقة الشمّاء المتآلفة، من عاصمتها التجاريّة عبر الدّهور، مصراتة الأبيّة، إلى ناديها الثقافي الأبديّ، درنة جوهرة الجبل، إلى حاضرتها المتطوّرة، طرابلس لؤلؤة المتوسط، حركة ونشاط وبحث عن الأحسن والأجود من العلم والمعرفة والإدارة والتنظيم والتطوّر، بما في ذلك المبنى والملبس والمأكل.

سارت آمنة مطمئنة إلى أن ابتلاها الله بظالم، جثم على صدرها عقودا أربعة فأزال الحرّيات، وأهان الكرامات، وكمّم الأفواه، واغتال الأرواح، وبدّد الثروات، حتّى انتفض الشعب وثار، فقدّمت ليبيا ثمين التضحيات البشريّة والماديّة، فتدخّل الغير، واستعانت بآخر، حتى يزول الظالم وظلمه، فتستعيد سيرها الحثيث، عساها تعوّض ما فات، وتُصلح ما أُفسد، وتبني ما هُدم.

بروح الجهاد في سبيل الحق المغتصب، وبثقة المؤمن الواثق في أخيه المؤمن، قدّمت ما عليها من تضحيات، وتركت المجال لمن قالوا إنهم بناة مجدّدون، ليشرعوا في تلبية الحاجات، وجمع الشمل، وتوافر الجهود من أجل النّهوض والسّير بغيةَ اللّحاق بمن تقدّموا.

هكذا أسلمت ليبيا أمرها لمن ظنتهم أبناءها المخلصين، منتظرة وفاءهم، ككلّ أمّ ربّت، فترجو مشاهدة نتيجة تربيتها وتضحياتها، كي تحمد الله على الهداية والتوفيق ثمّ تتلو قوله تعالى: "وأمّا بنعمة ربّك فحدّث".

لكن ليتها لم تثق ولم تأتمن أحدا. فالذين انتظرت منهم البناء رأتهم يهدمون، ومن منهم انتظرت الأمن والسلامة وجدتهم قتلة سفّاحين، ومن انتظرت منهم الرّفاهية والازدهار شاهدتهم ثرواتَها يبدّدون، ومن آمنت أنّهم لكرامتها حافظون، بكت وهي تراهم بأوامر الغير يأتمرون، على أمّهم يعتدون، ثمّ إنهم وراء ستار الدّين يختفون، وبمذاهب غريبة يبشّرون.

كفكفت ليبيا الأمّ دموعها سائلة نفسها، إن هي أخطأت في تربيتها أو أتت محرّما فأنجبت غير الصّالحين؟ تساءلت وسألت إلى أن أتاها اليقين. أصوات أتتها من تحتها، عرفت فيها أبناءها المجاهدين، القدامى والمحدثين، عمر المختار شيخ المجاهدين، والباروني وبن عسكر والعبيدي والسويحلي المخلصين، وغيرهم من الشّهداء الميامين، من خلفهم شهداء الظلم في كلّ حين، والذين سقطوا في “ثورة فبراير” أجمعين، سمعتهم يقولون لها لا تحزني فهؤلاء ليسوا أبناءك، فهم غرباء غير ليبيين، أزياؤهم وأقوالهم وأعمالهم عليهم دليل.

إنّهم مرتزقة بالدّين، جاؤوا من بعيد، يحملون أفكارا وأوامر، سيرون قبل أن تريْ عواقبها. صدّقوا من ضللوهم وأغروهم بأنهم مرشدون، دفعوهم إلى الضّلال والجريمة باسم الدّين، والدّين والحمد لله بأرضك متين، ثمّ إنه دين السلام لا يبيح الجريمة، التي لا يأمر بها إلا المفسدون.

هل من الدّين يا أمّ، اختطاف الصّبايا والبنات؟ هل من الدّين الاعتداء على الحرمات؟ هل من الدّين نهب الممتلكات؟ اطمئنّي يا ليبا، فهؤلاء دخلاء مُرسلون، كلّفهم معلموهم بما هم فاعلون، وسيلقون ما لقي أسيادهم وأمثالهم السّابقون، في مصر وتونس والجزائر من جزاء أليم، أو عودة إلى اليقين. لأنّ ما كان لله دام واتّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. ثمّ إن الحكمة والتاريخ بالتجربة قد أثبتا، لمن يبحث عن إثبات، أنّ الشعوب تُمهل ولا تُهمل، ويا ويل من أراد الشعب منه القصاص.

إنّ الجماهير لم تعد تجهل خبايا وأسرار الأمور. فقد عرفت جماهيرنا، لا بفضل نباهتها فحسب، بل بعثرات وأخطاء هؤلاء “المتأسلمين” أنّ برامجهم ومخطّطاتهم ليست في صالح ليبيا ولا أيّ قطر بعينه، بل هي لفائدة مغامرين، يريدون السيطرة بالعنف لا باللّين، فهذا لعمري ظلم مبين، بينما الشعوب قد ثارت ضد ظلم المعتدين. فلو كانوا حقّا مخلصين، ومصلحة الوطن يريدون، أليس من الأبسط والأسهل دخولهم اللّعبة الدّيمقراطية، وتحرّكهم داخل إطارها؟ كأنّهم لا يعلمون، أو لا يريدون أن يعلموا، أنّها تضمن للجميع واجباتهم وحقوقهم، وتمكّن من أراد الوصول إلى سُدّة الحكم، بلا عنف ولا اعتداء، بل بمحبّة وموافقة إخوته المواطنين، الموافقين على أطروحاته وبرامجه، إذا هو عرضها بكلّ صراحة ووضوح.

لكنّهم على ما يبدو يأبون أداء الواجبات، ويفضّلون اتباع ما أُمِروا به، لأنّهم، ويا أسفي عليهم، فقدوا إرادتهم فصاروا يفكرون بعقل الغير، فأصبحوا كما قال الله سبحانه: “صمّ بكم، عمي، فهم لا يرجعون”. ألا يعلمون، وهم يدّعون التّفقّه في الدّين، أنّ من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا؟ فليبقوا في غيّهم يعمهون، وسَيروا أيّ منقلب ينقلبون، يوم تثور ثائرة الشعب الذي به يستهزئون، لأنّه كما سبق القول: الشعوب تمهل ولا تهمل.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

8