هل هدف علم التاريخ الوصول إلى الحقيقة

السبت 2016/09/17
الكتاب يكشف دور الآشوريين والعبرانيين والإغريق في كتابة التاريخ

القاهرة- يتناول الباحث المصري شوقي الجمل في كتابه الجديد بعنوان “علم التاريخ” نشأة علم التاريخ منذ بدئه على شكل قصص وروايات، ثم تطوره مع تطور المعرفة الإنسانية، ودور العرب في هذا المجال والشوط الذي قطعوه فيه.

ويعرض الباحث في كتابه، الصادر عن المكتب المصري للمطبوعات، مفهوم التاريخ الذي يصفه بأنه التوقيت، أي تحديد زمن الأحداث، ويستعرض نشأة التاريخ في صورة قصصية، ودور التوراة في تدوين الأحداث، ثم يتطرق إلى اهتمام الإنسان بالتاريخ منذ فجر الخليقة، موضحا أهمية الدين في تكييف حياة الإنسان ونظرته لها، لافتا إلى أن أقدم المحاولات لتدوين التاريخ تلك التي قام بها الكاهن المصري مانيتون ثم الكاهن البابلي بيروسوس. كما يبيّن الجمل دور الآشوريين والعبرانيين والإغريق في كتابة التاريخ، ومن هؤلاء يذكر المؤرخين الإغريقيين هيكتوس وهيرودوت وثوكوديريس، الذين تميزت كتاباتهم بالبعد عن الخرافات.

ويتطرق بعد ذلك إلى دور الرومان أمثال بوليبوس الإغريقي ويوليوس قيصر ثم ليفي وتاسييت الذين اهتموا بكتابة تاريخهم لتوضيح عظمة روما في الأزمنة الأولى، مشيرا إلى أن كتابة التاريخ بعد ظهور الديانة المسيحية أصبحت في يد القساوسة والرهبان، وقد نظر هؤلاء إلى الأحداث على أنها نتيجة لتصرف الإنسان لكنها مرتبطة بإرادة الله أيضا. ويتحدث الباحث عن التاريخ عند العرب، حيث كان العرب قبل الإسلام يؤرخون للأحداث العظيمة والوقائع المشهورة كعام الفيل وبناء الكعبة، حتى جاء الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وأمر بأن تُتخذ الهجرة النبوية بداية للتاريخ العربي.

ويشير شوقي الجمل إلى أن تاريخ العرب قبل الإسلام، لا يوجد ما يدل عليه سوى بعض النقوش المدونة على المباني القديمة، وبعض الأبيات الشعرية التي كان العرب يتفاخرون من خلالها بأنسابهم ويتذكرون أيامهم، كداحس والغبراء وحرب البسوس، ولما جاء الإسلام أصبحت هناك حاجة ملحّة لتدوين التاريخ لأسباب منها: رغبة المسلمين في فهم ما جاء في القرآن والسنة من قصص اليهود والأنبياء السابقين، ورغبة الخلفاء في الاطلاع على سياسة الملوك ليعرفوا كيف يسوسون شعوبهم، وتقدير الجزية والخراج، بالإضافة إلى احتكاك العرب بشعوب لها حضارات أيضا، وازدهار حركة الترجمة والتأليف بتشجيع من الخلفاء.

ويتطرق الباحث إلى مدارس الحركة التاريخية عند المسلمين، مثل المدرسة اليمنية التي تعتبر استمرارا للتيار الجاهلي، ومن روادها وهب بن منبه، فقد كانت هذه المدرسة تعتمد على الروايات اليمنية في طابع أسطوري. أما المدرسة الثانية فكانت في المدينة ومكة، وهي مدرسة كتّاب السيرة. كذلك يذكر الباحث المدرسة العراقية في الكوفة والبصرة وبغداد، ويُعتبر الإخباريون هم المؤرخون الأوائل في العراق وكان لهم دور في تطوير التاريخ، وهناك أيضا مدرسة التاريخ في مصر والشام.

ويتناول المؤلف ما كان يدور في ذهن بعض العلماء من رأي خاطئ بأن التاريخ ليس بعلم، لأنه لا يمكن استخلاص قوانين علمية يقينية ثابتة، كما في علم الكيمياء. فبعضهم رأى التاريخ على أنه فن، وبعضهم رآه إنشاء أدبيا. ولكن الجمل يشدد على أن التاريخ علم من خلال عرضه لآراء بعض المفكرين أمثال كونت وهرنشو، مؤكدا على أن علم التاريخ قد تطور وأصبح علم نقد وتحليل يتتبع تطور المجتمع ويهدف للوصول إلى الحقيقة من خلال النقد.

ويتحدث الباحث عن الفائدة من دراسة التاريخ، والمتمثلة في تنشيط الفكر وزيادة الفضائل والرفع من مستوى الأخلاق، ثم ينتقل للحديث عن علم الجغرافيا ودوره في بيان مناخ المنطقة وطبيعتها الجغرافية من أنهار وجبال، وتأثير هذه الطبيعة على نشاط الإنسان وأخلاقه وطبائعه. ومن جهة أخرى يبيّن الكتاب صلة علم الآثار بالتاريخ ودوره في إلقاء الضوء على حياة الإنسان الأول وعاداته وتقاليده. ويتوقف عند علم الوثائق التي تعدّ المصدر الأصلي للباحث.

كما يستعرض الباحث الصفات التي يجب أن تتوفر في المؤرخ، مثل الجد والصبر، فالمؤرخ يحتاج إلى سعي وراء المعرفة وبذل الجهد لتوفير المصادر، كما يجب أن يتحلى بالدقة والأمانة في عرض وجهات النظر وأن تتوفر فيه النزاهة التامة. ويوضح أن المؤرخ مطالَب باليقظة والتحليل الجيد للوثائق والقدرة على التفسير والوصف والربط بين الأحداث المتعددة مثلما كانت في زمنها، ولا بد أن يتقبل آراء الآخرين ويحسن تنظيم المعلومات وتصنيفها لكي يقوم بعد ذلك بعرض أفكاره بأسلوب علمي سهل وبعبارات واضحة.

ويلفت شوقي الجمل إلى أن التاريخ في العصور الوسطى بدأ بالتدقيق وسار على تدوين الأحداث المعاصرة، أما في عصر النهضة فقد اتسمت كتابة التاريخ بروح النقد والتحليل والتمحيص، وكان على رأس كتاب التاريخ حينذاك لورانزوفالا ونيكولا مكيافيلي، وعند حدوث حركة الإصلاح الديني التي بدأها مارتن لوثر أصبحت للتاريخ قيمة خاصة عند ظهور الصراع بين الإصلاحيين والكاثوليكيين، فأخذ التاريخ يهدف للوصول إلى الحقيقة.

17