هل هذا إلا يأس المفكر ما ذهب إليه سيد القمني في حواره مع "الجديد"

الأحد 2017/01/29
لوحة: ريم يسوف

على الرغم من اشتراط سيد القمني، في حواره، أن من يناقشه لا بدّ أن يكون على قدره، كونه “المعلم الأكبر” كما نقلت عن لسانه محاورته، فإنني أسمح لنفسي أن أتخطى شرطه، أو لا أحمله محمل الجد، وأحاول مناقشته من مبدأ أن الأفكار حينما تُنشر ليقرأها الناس يصبح من حق أيّ قارئ مهتم إبداء رأيه فيها، سواء اتفق معها أو عارضها.

بدايةً أعلن تضامني مع القمني، في يأسه من إمكانية تغيير واقعنا -نحن العرب- نحو الأفضل، وحزنه على الحال التي وصلنا إليها، وأتفق معه في أن جميع الأديان حلت مشكلتها مع الحداثة عدا الإسلام لأنه يرفض التخلّي عن فكرة الصلاحية لكل زمان ومكان، وأدين بشدة كل محاولات تكفيره ومقاضاته على أفكاره، دفاعاً عن حرية الرأي والتعبير.

وأشير إلى أنني سبق أن قرأت بعض كتبه ومقالاته، فأعجبت بجرأته في تجديد قراءة التراث، قراءةً وضعته في سياقه أو ظرفه الموضوعي، ونزعه من مفارقته وفضائيته لتربطه بواقعه وزمنه. وكبّرت فيه نزوعه العقلاني في كشوفه ومقارباته الرائدة لموضوعات شائكة، أو بوصفها نوعاً من المسلَّمات، في المعتقدات الإسلامية واليهودية، التي تغلفها الأساطير والخرافات، وجدلية الديني والسياسي والاجتماعي في الدولة الإسلامية إبان دورها التأسيسي، وغير ذلك من القضايا المعرفية والتاريخية والمعاصرة المتشابكة، التي تضمنتها كتبه.

ما كتبه القمني في مقاله “الأزمنة الأخيرة لإسرائيل”، المنشور على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حول تمنّي أنبياء بني إسرائيل خراب مصر وإذلالها، بحسب الإصحاح التاسع عشر من سفر إشعياء في العهد القديم، سبق أن قرأته في كتابه “رب الزمان” قبل عشرين عاماً، حيث قال فيه “في الأزمنة الأخيرة لإسرائيل، زمن أنبياء إرميا وإشعيا، وقبل زمن من تدمير الهيكل على يد طيطس الروماني وتشتيتهم في بقاع العالم، وقف أنبياء إسرائيل على عتبات النهاية، يتنبأون بعودة المجد السليماني وقيام دولة إسرائيل مرة أخرى، وأنها حينذاك ستسود العالم، لكن قيامها كان يشترط أولاً وأخيراً خرابا تاما لمصر، وإذلالاً لها، وهو ما يفصح عن التكوين النفسي والعقلي ومدى التشوه الذي لقح بنفوس القوم تجاه مصر” (ط2، ص 35).

ومن الواضح إن إعادة نشر القمني لهذا الموضوع، كما نفهم من إجابته، يعبّر عن ردة فعله إزاء ما صار ينشره عدد من الإخوة المسيحيين في مصر على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي من نبوءات للنبي إشعياء، ليقولوا، وفقاً لتفسير القمني، “إن نبوءاته تتحقق الآن”.

ويرى القمني أن نشر هذا السفر، “الذي يتنبأ بخراب مصر من جميع الجوانب وجفاف النيل وقتل المصريين بعضهم البعض”، في الظروف الصعبة التي يمر بها بلده، إنما يكشف عن وجود أناس شامتين يبغون القول “إن مصر إلى دمار حتى لا يعود رئيس لها، وفي ذلك الوقت ستعود مصر للرب الحقيقي يهوه”.

الحقيقة أن القمني كان إلى وقت قريب يدافع عن مواطنيه المسيحيين، ويحضرني هنا مقاله الجريء المعنون بـ"العار" الذي نشره عام 2011 إثر تفجير انتحاري استهدف "كنيسة القديسين" في الإسكندرية، أدان فيه المقررات الدراسية التي تتفنن في زرع الكراهية للمسيحيين

يستنتج القمنى من ذلك أن هؤلاء، الذين ينشرون هذه النبوءات، “يُقدّمون الدين على الوطن، وهذا لا يختلف عما فعله جماعة الإخوان والسلفية الجهادية الذين لم يرتقوا من مرتبة الإنسان السائر على قدمين الذي لا يستخدم عقله سوى في الشؤون اليومية” وهو استنتاج صحيح من دون شك، وثمة ما يماثل هذه النزعة أيضاً لدى غير جماعة الإخوان والسلفية الجهادية، أعني المسلمين المتطرفين في ميولهم المذهبية، الذين يتعصّبون لهويتهم الطائفية الضيقة ويغلّبونها على الهوية الوطنية الجامعة، كما في العراق وسوريا ولبنان واليمن، غير آبهين لما ينشأ عن ذلك من تبعية وخراب وضياع لأوطانهم.

وأرى أن القمني محق تماماً في قوله إن “من ينشر هذا الكلام يجب ألا يقول إن الإسلام فقط به إرهاب وهو متمسك بسفر إشعياء والتوراة وهما أصل الإرهاب. من يعتمد إشعياء والتوراة يكون أسوأ مما جاء في تاريخ الإسلام من حروب فاتكة”.

والغريب أن سيد القمني وُوجه في الآونة الأخيرة بهجوم ضارٍ، من طرف بعض المسيحيين، على نشره المقال في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، بينما لم يهاجموه عندما صدر كتابه “رب الزمان”.

ويعزو ذلك إلى سببين: أولهما أنه كان يدافع عنهم آنذاك، ويطالب بحقوقهم لأنهم مواطنون مصريون في المقام الأول، عندما كانت كنيستهم صامتةً، وثانيهما لأنه كان ينتقد التراث الإسلامي.

والحقيقة أن القمني كان إلى وقت قريب يدافع عن مواطنيه المسيحيين، ويحضرني هنا مقاله الجريء المعنون بـ”العار” الذي نشره عام 2011 إثر تفجير انتحاري استهدف “كنيسة القدّيسَين” في الإسكندرية، أدان فيه المقررات الدراسية التي تتفنّن في زرع الكراهية للمسيحيين مع وجوب إذلالهم وعدم موالاتهم، وفضح المجزرة الحقوقية للمسيحيين المحرومين من أيّ مناصب في بلدهم مصر، وما يلاقونه في محاكم الأحوال الشخصية، وما يفرضه الشارع الملتاث من مذلة وهوان على أيّ مسيحي..

ردة فعل صادمة

لكني في الوقت ذاته أرفض رفضاً قاطعاً مطالبته المسيحي، الذي ينشر نبوءات أشعياء، بـ”ألاّ يغضب حين يتم إخضاعه لحكم إسلامي يفرض عليه الجزية”، أو بأنه “ذمي وليس أكثر من ذلك، ويحتاج لمن يتكلم معه اللغة الإسلامية؛ اركع يا ذليل لسيدك المسلم وسأطبق عليك الشريعة ما دمت طالباً لمصر خراب إشعياء”! إنها ردة فعل صادمة، ومنزلق يفتقر إلى الحكمة، ولا يليق بمفكر علماني وداعية إلى العقلانية، ولعل أقلّ ما يقال عنها إنها تضعه في سلة واحدة مع الإسلامويين المتشددين.

كان عليه أن يردّ عليهم بمنطق يعالج اللامعقول بالمعقول وليس بمنطق انفعالي متهور. وأجيز لنفسي أن أستعير العبارة التي وردت في مقاله “العار” آنف الذكر، في سياق استنكار موقف المتنفذين والسياسيين في مصر من جريمة تفجير الكنيسة، “إنه العار مجسداً بكل صنوفه ومفرداته ومعانيه ومترادفاته”.

الاحتلال المتحضر

يستوقفني، في السياق ذاته، موقف سيد القمني من الفتح الإسلامي لمصر والاحتلال الخارجي لها، فهو يتمنّى لو أن عمرو بن العاص لم يدخلها؛ اعتقاداً منه بأن تاريخ المنطقة كلها كان سيتغير تماماً آنذاك. وحجته في ذلك أن مصر كانت تُحتل قبل الإسلام على أيدي متحضّرين، مؤكداً أن “المتحضر الأقوى يُقدّر حضارة المتحضر الأضعف أمامه فيضيف له ولا يمحو حضارته”.

ويضرب مثلاً على “المحتل المتحضّر” باحتلال الإسكندر المقدوني لمصر، الذي أبقى على جيشه خارجها، وكانت في حالة انهيار تامة (لا يذكر لماذا). ويقارن بينه وبين عمرو بن العاص، مشيراً إلى أن الأول، الذي علّمه أرسطو، طلب أن يحجّ إلى معبد الإله “آمون”، ولم يقل إما كبير آلهة الإغريق “زيوس” أو الجزية أو القتل، في حين أن الثاني وقف على الحدود وطلب ثلاثة أشياء إما الإسلام أو الجزية أو القتل.

وهي مقارنة، وإن صحت في بعض الجوانب، تغفل جوانب أخرى تحتاج إلى نقاش مستفيض أتركه للمؤرخين، وتلتقي مع اتجاه يتبناه بعض المصريين يرى أن مصر كانت ولاية رومانية إلى أن اجتاحها الغزاة العرب، وعملوا على إلباسها ثوب العروبة والإسلام، وإذابة الشخصية المصرية في مكوّناتهم الثقافية وجعلها شخصيةً عربيةً، والقضاء على المنظومة القبطية والثقافة القبطية وثقافة أرض النيل. وإذا كان ذلك

أمراً مداناً فإنه ينطبق على ما فعله العرب المسلمون في العراق وبلاد الشام وبلاد فارس والأناضول وبعض البلدان الآسيوية وأجزاء من أوروبا، كما ينطبق على كل حملات التنصير، وفرض أنماط معينة من الأديان والمذاهب على مر التاريخ، سواء بالإكراه أو بأساليب أخرى.

يستوقفني موقف سيد القمني من الفتح الإسلامي لمصر والاحتلال الخارجي لها، فهو يتمنّى لو أن عمرو بن العاص لم يدخلها؛ اعتقاداً منه بأن تاريخ المنطقة كلها كان سيتغير تماماً آنذاك

يعرف سيد القمني أكثر مني، بالتأكيد، أن الروم استعبدوا المصريين في أثناء حكمهم، وجعلوا مصر ضيعةً للإمبراطور البيزنطي ومن قبله الروماني، وعُرفت بمخزن غلال روما. وكان اختلاف عقيدة المصريين المسيحية عن عقيدة الروم سبباً في اضطهاد الإمبراطورية لهم، فقد اتخذ البيزنطيون “المذهب الخلقدوني”، الذي ينص على اتحاد الطبيعتين، الإلهية والبشرية، في شخص المسيح، اتحاداً غير قابل للانفصام، مذهباً رسمياً لإمبراطوريتهم دون غيره، بينما كان المصريون يأخذون بـ”المذهب اللاخلقدوني” المونوفيزيتي (اليعقوبي)، وقد حاول الروم فرض مذهبهم على جميع الرعايا، فنفر منهم المسيحيون اليعاقبة، وفضلوا الهيمنة الإسلامية كونها تضمن لهم حُرية المعتقد.

ويستدعي موقف القمني هذا تذكيره بمسألتين في غاية الأهمية هما:

-1 ليس كل محتل متحضر وقوي يُقدّر حضارة المتحضر الأضعف أمامه ويضيف لها، وثمة أمثلة كثيرة، في التاريخ المعاصر على الأقل، تمكن الإشارة إليها، لكني سأكتفي بأنموذج واحد فقط هو المحتل الأميركي للعراق. لقد حثّت القوات الأميركية عناصر محليةً وأخرى قادمةً من بلدان الجوار على نهب كنوز المتحف العراقي، وهي من أثمن كنوز الدنيا الأثرية وإرث لجميع البشر، وتحطيم أجزاء منه. ولا يزال العديد من البغداديين يتذكرون نداءات المارينز لهؤلاء المجرمين “تعال يا علي بابا واسرق ما تشاء”، فضلاً عمّا سرقوه هم أنفسهم من آثار ليبيعوها في الأسواق السوداء العالمية الشهيرة مثل أسواق نيويورك وروما وبوينس آيرس. هل يستطيع سيد القمني أن يذكر لي ما هي إضافات الاحتلال الأميركي لحضارة العراق؟

-2 إغفاله الاحتلالين الهكسوسي والأخميني لمصر، اللذين ارتكبا المجازر المهولة بحق أبناء مصر القدماء، وهو أمر يؤكد انتقائيته وعدم موضوعيته في تناوله لموضوعة الاحتلال الخارجي لبلده. ولا أعتقد بأن هذين الاحتلالين كانا أكثر تحضراً من الفاتحين، أو المحتلين، العرب المسلمين الذين بنوا “الفسطاط” والقاهرة ومدناً أخرى في مصر.

من باب الموضوعية أيضاً، لا بد من أن أشيد بمراجعة سيد القمني لبعض أبحاثه السابقة، انطلاقا من أن المراجعات الفكرية وتصحيح العثرات سمة رئيسية لأيّ باحث حقيقي حينما يجد براهين أخرى، وأن الثبات على المبدأ ضد مفهوم البحث. وكذلك بملاحظاته النقدية تجاه بعض المعتقدات التي تتنافى مع العلم التي لا تزال تؤمن بها مؤسسة الأزهر، ورفضه الطلب من المثقفين تجنّب العامة في مناقشة الجدليات الفكرية المتعلقة بالأديان بهدف إثارة لغطهم وتشويشهم، ورؤيته ضرورة التعامل مع القرآن الكريم بوصفه تاريخياً في بعض أجزائه، وفكرة التوفيق بين الواقع العلمي والمعتقد الديني. لكني في الوقت نفسه ألومه على تراجعه عن بعض أفكاره خشيةً من “بورصة التكفير” التي تعيدنا إلى محاكمات القرون الوسطى، فليس في عصرنا العربي البائس، وهو أسوأ عصور القهر والعسف والطغيان، ما يستحق التحسّر على مغادرته.

كاتب من العراق

ينشر الملف بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية والمقالات كاملة على الموقع الإلكتروني

13