هل هذا عدل؟

هناك من يصوم ويغضب لأن من يبتلع سنتمترا مكعبا من الماء يعد فاطرا شأنه شأن من أكل نصف دجاجة مشوية وتشكيلة سلطات مع دورق ماء مثلج. أين الإنصاف أين؟
الثلاثاء 2018/05/22
الإنسان ينشد العدالة دائما

الإنسان ينشد العدالة دائما ويعتبرها طبيعية مثل الشمس ودائمة الوجود، ويعتبر الغبن استثناء بغيضا يمّحي بالوجوب. ويذهب البعض إلى أبعد ويرون أن العدل يتحقق ولو في الآخرة ويسعون إلى الآخرة هربا من الظلم في الدنيا ويحاولون تسريع الوصول إليها عبر حزام ناسف. هنا يصير نشدان العدل مخيفا وسنبتعد عنه إلى مسار آخر.

لكن هناك عدالة لا يحكمها منطق أو عقل، ولا تتحقق رغم إيمان الناس بها. يؤمنون بها ولا يقولون خشية أن نضحك على سذاجتهم. القناعة هذه تراود كل ذهن ولا يفصح أحد عنها. بشكل أو بآخر، نعتقد أن ليس من الإنصاف أن تكون اللقمة التي يلتهمها الإنسان واقفا في المطبخ مثل لقمة يأكلها من طبق أمامه وبيديه شوكة وسكين وهو جالس وحول عنقه فوطة لئلا يتسخ قميصه. أصحاب الريجيم والسكري خصوصا يعتقدون أن لقمات كهذه لا يحسبها الجسم.

وهناك من يصوم ويغضب لأن من يبتلع سنتمترا مكعبا من الماء يعد فاطرا شأنه شأن من أكل نصف دجاجة مشوية وتشكيلة سلطات مع دورق ماء مثلج. أين الإنصاف أين؟

ومهما نشرح يظل الذي يأكل واقفا لا يصدق أن الأكل وقوفا ومن آنية الطبخ في المطبخ هو أكل حقا، لكنه يتظاهر بتصديقك. فالقناعات في هذا العدل راسخة لا يزعزعها منطق أو حجة. الأكل واقفا غير مريح ومن العدل أن نكافأ لدى أي إزعاج أو ضرر.

في بغداد كان هناك صبي يصعد الحافلة معي كل صباح في طريقه إلى المدرسة. كان لا يكل من طلب يتقدم به للجابي (الكمسري أو قاطع التذاكر) مفاده أن يعطيه تخفيضا في سعر التذكرة إن هو قطع الرحلة واقفا على رجل واحدة. وفي كل يوم يرفض الجابي طلبه ويعنفه على هذيانه، لكنه يعود في اليوم التالي بنفس الطلب ويواجه بنفس الرفض والبهذلة. هذا دليل على إيمانه الراسخ بأن العدل يجب أن يتحقق مهما طال الزمن لكن ولا داعي للأحزمة الناسفة التي تزعج الناس.

ومن العدل أن من يطلب القليل يجب أن يحصل عليه. روى لي صديق كان يعمل مترجما غير دائم في السفارة العراقية في لندن في الثمانينات. كانت الدولة أيامها تبعث الفقراء إلى بريطانيا لتلقي العلاج وصديقي يرافق المرضى مترجما. جاء رجل وامرأة يشكوان العقم. فحصهما الأخصائي وقال لا أمل لهما. قال الرجل لصاحبي "ترجم له، نحن لم نطلب تسعة أطفال، نريد ولدا واحدا فقط". يحيا العدل.

24
مقالات ذات صلة