هل هذا وقت الحوار مع الحركات المسلحة في السودان

استغلال اللحظة الراهنة لعقد اتفاقيات أمنية تؤدّي إلى الاستقرار في الأطراف.
الأحد 2019/06/30
مرونة ضرورية للدفع نحو حلول تنهي الأزمة السودانية

أضحت الحركات المسلحة في السودان لاعبا مباشرا في تفاصيل الأزمة في البلاد بعد أن اقترح المجلس العسكري تشكيل لجنة عليا للتواصل مع هذه الحركات، في خطوة تطرح أسئلة حول توقيتها ومدى نجاحها كما تداعياتها على مستقبل السودان وأوضاعه المعقدة.

طفا، مؤخرا، على سطح الأحداث في السودان ملف الحركات المسلّحة. ونقله المجلس العسكري من الظل إلى النور. وأخرجه من حالة السكون التي خيّمت عليه عقب عزل الرئيس عمر حسن البشير إلى الصخب والتقديرات والتكهنات المتباينة حاليا، في إشارة توحي بتبدل الأولويّات السياسية من التفاوض مع قوى الحرية والتغيير إلى الحوار مع من يوصفون بـ”المتمردين”، الأمر الذي أثار تساؤلات متعددة حول المغزى والتوقيت والتداعيات.

وأصدر المجلس العسكري قرارا قضى بإطلاق سراح أسرى الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كبادرة لحسن النوايا، ومنح الحرية لعدد كبير من المنتسبين لهذه الحركات العاملة في تلك المناطق ممن ظلوا في سجون ومعتقلات البشير لسنوات طويلة.

والتقى محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس العسكري في أنجمينا، الخميس، وفدا من حركة تحرير السودان برئاسة مني أركو ميناوي، وآخر من حركة العدل والمساواة (جناح جبريل إبراهيم) برئاسة طاهر فكي، واتفقا على تجديد وقف العدائيات، وتكوين لجنة عليا للتواصل ودفع عملية السلام والاستقرار، وهو ما أحدث أصداء قاتمة لدى بعض القوى السياسية في الخرطوم.

إطفاء الحرائق

بدأت السلطات في السودان تتواصل مع بعض دول الجوار، ذات العلاقة المباشرة بملف الكتائب المسلحة وتحريكه في اتجاه يظهر رغبتها في إطفاء الحرائق المشتعلة في البلاد، والتشكيك في ما تثّبه قوى الحرية والتغيير بشأن رغبة المجلس العسكري في إطالة عمر الأزمات في البلاد، ليتمكن من القبض على زمام الأمور، وتحييد الأطراف الأخرى في المشهد السوداني.

أخذت تتفاعل التحرّكات الإقليمية سريعا على هذا المسار، حيث أكد توت قلواك، مستشار الرئيس سلفا كير للشؤون الأمنية في دولة جنوب السودان، أن المجلس العسكري سيرسل وفدا إلى جوبا قريبا للقاء بعض قادة الحركات المسلحة. وهي خطوة مكمّلة لما قام به المجلس حيال تشاد، حيث أرسل وفدا برئاسة حميدتي نجح في التفاهم المبدئي مع حركتي تحرير السودان، والعدل والمساواة، على تطوير الحوار الفترة المقبلة.

تنتبه الحركات المسلحة جيدا إلى الأهداف الكامنة وراء هذه التصرفات. وتعلم أن هناك توجهات لتوظيفها وعزلها عن الطيف الواسع للمعارضة المنضوية تحت لواء تحالف الحرية والتغيير. لذلك شدّد معظم قادة الحركات على أنهم جزء لا يتجزأ منه، عبر مشاركة الجبهة الثورية المؤيدة له وتضمهم جميعا تحت لافتة التحالف منذ إعلانه.

يبدو أن المجلس العسكري يريد كسب المعركة السياسية مع قوى المعارضة من خلال تسجيل النقاط وليس بالضربة القاصمة، فالأوضاع المعقدة في السودان لا تخوّل لأي جهة، مهما كانت قوتها الأمنية والشعبية، فرض كلمتها النهائية والإمساك بخيوط اللعبة دفعة واحدة، ومن الضروري تكتيل التحالفات بالإغراءات تارة، والاستقطابات تارة أخرى. وهي سياسة اتبعت لفترات طويلة في السودان، وتكاد تكون استهلكت وفقدت بريقها لكثرة تداولها.

يحاول المجلس العسكري الانتقالي منذ توليه السلطة عدم فتح جبهة الحركات المسلحة، كي يتفرّغ للتعامل مع تحالف الحرية والتغيير، ورحّب في البداية بإعلان وقف العدائيات من قبلها مع انطلاق النسمات الأولى للثورة وسقوط البشير.

الأوضاع المعقدة في السودان لا تخوّل لأي جهة، مهما كانت قوتها الأمنية والشعبية، فرض كلمتها والإمساك بخيوط اللعبة، ومن الضروري تكتيل التحالفات بالإغراءات تارة، والاستقطابات تارة أخرى

لكن، عندما اتجه قادتهم إلى الانخراط في التحالف ومنحوه وزنا سياسيا، أظهر المجلس قدرا من القسوة، تجلت في قيام السلطات الأمنية يوم 5 يونيو باعتقال ياسر عرمان، نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال، وخميس جلاب، الأمين العام للحركة، ومبارك أردول، الناطق باسمها، ثم أطلق سراحهم بعد نحو أسبوع وأبعدوا مباشرة إلى جوبا.

تم ذلك، بعدما تأكد المجلس أن الاعتقال خيار يفاقم الأزمة حوله ولا يطفئها. ويمنح المعارضة ثقلا نسبيا كبيرا. ويقلق دول الجوار التي تتأثر سلبا أو إيجابا بما يدور في السودان، خاصة على مستوى التصعيد والهدوء مع الحركات المسلحة.

أولت تشاد اهتماما بالحركات النشطة في دارفور. وركّزت دولة جنوب السودان على نظيرتها في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. واختارت جوبا تقريب المسافات بين جناحي الحركة الشعبية، بقيادة كل من ملك عقار وعبدالعزيز الحلو. واستضافت اجتماعا بينهما في نهاية مايو الماضي على أمل توحيد الجسم السياسي والعسكري للحركة، لكنها أخفقت، ولا يزال مصير الحوار بينهما مبهما. لكنه لن يلغي تكرار المحاولة مرة أخرى. ولن يحول دون المساعدة في عقد مفاوضات مباشرة بين المجلس العسكري والحركة الشعبية.

يريد المجلس العسكري جر الأزمة إلى مناح أمنية، وكشف التهديدات التي تحيط بالبلاد، وهي تتجاوز في نظره حدود الخلافات السياسية حول الصلاحيات، كي يعزز موقعه في قلب السلطة كقوة رئيسية. ويشير إلى أن الحكومة المدنية وحدها لن تتمكن من ضبط الأوضاع، ولا بد من دور حيوي للمؤسسة العسكرية، ومنحها مساحة جيدة تمكنها من ضبط التهديدات المحتملة، المتمثلة في وجود عدد كبير من الحركات المسلحة في البلاد.

يتجاوز منح المجلس أولوية للتفاهم مع قادة هذه الحركات مسألة إضعاف تحالف الحرية والتغيير من الداخل، إلى استغلال اللحظة الراهنة لعقد اتفاقيات أمنية تؤدّي إلى الاستقرار في الأطراف، وتخفيض عدد القوات النظامية العاملة هناك، تمهيدا لتوجيهها إلى الخرطوم لتأمينها ومنع التنظيمات المسلحة الأخرى من فوضى تلوح ملامحها في الأفق، تمهيدا إلى اتخاذ قرار بحلها، تتلكأ السلطات الأمنية في الإقدام عليه.

تحييد الحركات التقليدية

Thumbnail

توجد ميليشيات عدة في السودان أنشأها حزب المؤتمر الوطني الحاكم أيام البشير. ويتبع غالبيتها الحركة الإسلامية التي تترقب التطورات خوفا من ميل المجلس العسكري تماما في اتجاه بعيد عنها ينحاز بموجبه تماما إلى القوى المعارضة لها. ولذلك يمكن أن تصبح الكتائب المسلحة سيفا مسلطا لتهديد الأمن وعرقلة دور المجلس العسكري، ومن الواجب تحييد الحركات التقليدية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كمقدمة للالتفاف على الميليشيات الأخرى، بما يجنب الصدام على أكثر من جبهة في وقت واحد.

يفتح هذا الطريق الباب للحديث عن ترتيب الأولويات في السودان، لأن هناك من يعتبر تقديم الحوار مع الحركات المسلحة على قوى الحرية والتغيير، وضعا للعربة أمام الحصان، فمن المنطقي تسوية الخلافات السياسية أولا ثم الالتفات إلى تسوية ملف المتمردين، ليكون هناك إجماع وطني على التوصل إلى حلول جذرية بشأن هذا النوع من المشكلات المزمنة

يقلّل هذا التقدير من أهمية الخطوات التي خطاها أو سيخطوها المجلس العسكري نحو التفاهم مع الحركات المسلحة، لأنها أصبحت لصيقة بالمناورات السياسية أكثر من ارتباطها بالتسويات الوطنية، ما جعل درجة التجاوب معها محدودة داخليا وإقليميا، لأن رسالتها تم حشرها في إطار الهروب إلى الهامش على حساب مواجهة الواقع الحقيقي في الخرطوم.

يفرض هذا الأمر على كثير من قادة الحركات المسلحة التريث في اتخاذ مواقف حاسمة من الإشارات التي وصلت إليهم مباشرة أو من خلال وسطاء في المنطقة، خوفا من وصفهم بالانتهازية، فقد يحصلون على مكاسب جيدة إذا انخرطوا في مفاوضات عاجلة، لكن ربما يتهمون بالتواطؤ ويخسرون تعاطف قوى ترى حل أزمات السودان برؤية جذرية شاملة وليست بالقطعة.

وسط العواصف السياسية التي تهب من أبواب مختلفة يتجه تحالف الحرية والتغيير إلى تأكيد جدارته على التفاوض مع أي جهة بحكم حضوره الشعبي الذي يريد تثبيته عبر فعاليات اليوم الأحد، بمناسبة حلول الذكرى الثلاثين لاستيلاء البشير على الحكم.

ويمكن أن يوحي ذلك بعدم فك الارتباط بينه وبين المجلس العسكري، علاوة على إبداء مرونة ظاهرة في التعامل مع الوساطة الإثيوبية- الأفريقية لقطع الطريق على تسرب أي وساطات أخرى موازية، وعدم حرف ملف الأزمة إلى مشكلات جانبية، مثل التفاوض مع الحركات المسلحة، وفرملة عملية ترتيب الأولويات حسب المزاج السياسي للمجلس العسكري.

6