هل هذه هي قصائد النثر التونسية وهؤلاء هم الشعراء

الأربعاء 2017/09/06

كلما التأم ملتقى شعري في أي مدينة عربية، إلا وانطلقت حناجر شعراء تنديدا بالأسماء المدعوة، وغالبا ما يكون أصحاب هذه الحناجر من غير المدعوين، فتتحرك فيهم “نار الغيرة” إن صحت العبارة، فلا يقدمون نقدا بناء يساهم في النهوض بهذا الملتقى أو تلك التظاهرة الشعرية، على تقلص أعدادها حدّ الندرة، بل تراهم يحملون عاليا صرخاتهم الأشبه بمطارق هادمة، بينما يمكن تقديم نقد متزن دافع إلى التطوير والإصلاح.

بعض التظاهرات الشعرية تتحول فعلا إلى “لمّات” تقوم أغلبها على الصداقات والعلاقات ومبدأ “خذ وهات”، فالدعوة إلى تظاهرة ما تعقبها دعوة المدعو للداعي الأول إلى تظاهرة لاحقة، أو تحقيق مكسب آخر أيا كان نوعه، وهنا يغيب الشعر، وتحضر المصالح المتبادلة.

يلتئم خلال أيام مؤتمر قصيدة النثر بالقاهرة في دورته الرابعة، الذي يستضيف فيها تونس ضيف شرف، وهذا اعتراف هام بأهمية الحراك الشعري في تونس، خاصة وبقصيدة النثر التي كتبها الكثيرون في تونس وعلى التحديد الشباب، فاتحين عوالم شعرية متأثرة بما حولها ومؤثرة فيه.

لكن الغريب والمفاجئ أن المؤتمر تجاهل تجارب شعرية ونقدية جادة في تونس كتبت في قصيدة النثر، على تفاوتها زمنيا أو قيميّا أو حتى من حيث التراكم الكمي والجمالي، سواء في “الوفد” الضيوف أو فيما ادعى القائمون عليها أنها أنطولوجيا للشعراء التونسيين.

لا ندري المعيار الذي وقعت من خلاله دعوة الأسماء الحاضرة، رغم أن المنظمين يؤكدون أنهم لم يتدخلوا في اختيار الشعر والشعراء بل أوكلوا ذلك إلى شاعر تونسي متنصلين من المسؤولية، ويبدو أن هذا الشاعر بعيد كل البعد عما يكتب من شعر في تونس وحتى عن تطورات قصيدة النثر وكنهها، إذ لا يحضر شعراء قصيدة النثر التونسيون من خلال نصوصهم، كما يغيب من كتبوا فيها نقدا والمواكبون للساحة الشعرية التونسية. وربما يعود هذا إلى أمور شخصية. بينما رهان التظاهرة الناجحة هو التجارب لا أسماء أصحابها أو مهنهم أو غيره مما هو خارج النص.

لا يهم أمر الاستضافات فهي شخصية وشللية دائما، لكن النصوص التي تأخذ طابع الأنطولوجيا للشعراء التونسيين، والتي قدمت قرابة 50 شاعرا، وهو عدد معتبر، لا تقدم رؤية متوازنة ولا معيارا واضحا في انتقاء النصوص المشاركة. صحيح أن كل أنطولوجيا تمثل رؤية من أعدها، وهي بالضرورة ستقصي أسماء وتستحضر أخرى، ولمعدّها الحق في ذلك، لكن ما ليس من حقه مطلقا هو ادعاء شمولية ما أعده.

تحفل الساحة الشعرية التونسية بالكثير من الأسماء، التي قدمت ومازالت تقدم تجارب محترمة، مؤسسة لحراك شعري ثري. كثير من الشعراء التونسيين كتبوا قصيدة نثر مميزة تجاهلتهم “الأنطولوجيا”، مثل منصف الوهايبي ومحمد الخالدي ومحمد الغزي وفضيلة الشابي وآدم فتحي وصبري الرحموني وأنور اليازيدي ومحمد العربي ووليد تليلي وزياد عبدالقادر وغيرهم. أو من واكب الشعر التونسي بالنقد مثل فتحي النصري أو مصطفى الكيلاني وغيرهما.

ثم هناك ظاهرة صحية في شعراء تونس ألا وهي غياب التصنيف بين هذا شاعر قصيدة نثر وذاك شاعر تفعيلي، فأغلب من تميزوا في قصيدة النثر كتبوا أو يكتبون غيرها، إذ ليس رهانهم الشكل في صيغته السطحية الأولى، بل تجديد الخطاب، ومكاشفة عوالم تلامس خبايا الذات والآخر في نسيج المكان والزمن.

من ناحية أخرى يبقى من الجيد أن يطرح مؤتمر قصيدة النثرمحاور سجالية حول هذه القصيدة وطباعتها في كتاب، وهو ما يجب تثمينه. لكن القائمين على هذا المؤتمر عبروا عن إشكالية الكم والكيف، حيث يسعون في هذه الدورات التأسيسية إلى تجاوز الكم الكبير، وتحقيق الكيف والقيمة في برامجهم، وهذا مفهوم في من يحاولون التأسيس بعيدا عن الإقصاء، لكن ليس هكذا يكون التأسيس، بل من خلال معايير واضحة ورؤية فعّالة، وهو ما يفترض مشروعا ثقافيا للتظاهرة المزمع تنظيمها. وفي النهاية لا يسعنا إلا أن نأمل أن تكون هذه الدورة فرصة لتثمين ما لها وتحديد ما عليها لتحقيق مؤتمر يعنى بمستقبل الشعر العربي.

شاعر تونسي

14