هل هناك اتفاق سري بين واشنطن وطهران

الثلاثاء 2013/12/03
الاتفاق كشف زيف شعارات طهران تجاه أميركا

فيما بدت الأنظار سابقا تتجه إلى صدام على وشك الحدوث بين أميركا وإيران على خلفية تباين الرؤى في جملة من الملفات العالمية وأبرزها الأزمة السورية والملف النووي الإيراني، حدث منعرج خطير لم يخطر على بال الكثيرين حيث تمكنت إيران ودول مجموعة "5+1" من التوصّل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني يضمن لطهران حقها في تخصيب اليورانيوم.

وقد أثار ذلك كثيرا من الجدل وتناقلت وسائل الإعلام الخبر بقراءات مختلفة ترى جلها أن الحدث سيغير عدة توازنات وسيدفع بعض الدول إلى دراسة تداعياته القريبة والبعيدة على المنطقة العربية على وجه التحديد.

غير أن البعض الآخر يذهب إلى أن الاتفاقات السرية الحاصلة بين إيران والغرب لم تكن وليدة اللحظة بل هي ضاربة في التاريخ أخفتها الشعارات البراقة للزعماء الإيرانيين الذين طالما سوقوا لمقولة الشيطان الأكبر.

ونعرض هنا لقرائنا الكرام موقفين متناقضين من القضية الأول لمحمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الذي يرى أن التقارير التي تشير إلى وجود مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن لا أساس لها من الصحة.

والثاني لرئيس تحرير صحيفة الجمهورية اللبنانية جورج سولاج الذي يذهب إلى أن هناك اتفاقا سياسيا سرّيا وغير رسمي بين الأميركيين والإيرانيين حول مستقبل المنطقة، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن والبحرين، لم يتضح بعد.

ظريف ينفي وجود اتفاق سري بين واشنطن وطهران


لا وجود لاتفاقات سرية


يذهب محمد جواد ظريف إلى أن التقارير التي تشير إلى وجود مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن تتناول أفغانستان والعراق وسوريا، وسبل تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين بعد التوقيع على اتفاق محتمل بين إيران ومجموعة (5+1) حول برنامج إيران النووي، لا أساس لها من الصحة.

ويرى ظريف أن تلك التقارير كاذبة، وأن المفاوضات الجارية مع واشنطن تتعلق فقط ببرنامج طهران النووي.

ويعتقد ظريف أن كافة النجاحات جاءت إثر الدعم الذي قدمه قائد الثورة الإسلامیة ورئیس الجمهوریة ومجلس الشوری الإسلامي والشعب الإیراني، ومن هذا المنطلق ومن خلال التضامن والتنسیق علی مختلف الأصعدة في البلاد یجب بذل جهود لتنفیذ الوثیقة.

ويؤكد أن الأعداء قد بذلوا قصاری جهدهم للحیلولة دون تنفیذ وثیقة اتفاق جنیف وقال: إن الشعب الإیراني من خلال تحمله الصعاب والضغوط الاقتصادیة الظالمة قد صمد بشكل منحنا العزة والمقاومة حتی تحقیق مصالحه.

وأن الوقت الحاضر هو زمن صیانة مصالح الشعب من خلال تنفیذ وثیقة اتفاق جنیف والذي وصفها نتنیاهو بوثیقة القرن لإیران والاتفاق السيء بالنسبة لهم.

كما يرى وزير الخارجية الإيراني أن المفاوضات تعد مسیرة صعبة بحیث لا یبدي الطرفان مهما بلغت قوتهما کافة مطالبهما ومصالحهما، وفي الحقیقة المفاوضات تجری لبیان المواقف المختلفة والتوصل إلی وجهة نظر مشترکة حیث تشعر کافة الأطراف إزائها بالارتیاح.

ويؤكد محمد جواد ظريف، أن عملية التخصيب ستستمر داخل البلاد ولن تتوقف، مشددا على أن إيران ستلتزم ببنود اتفاق جنيف مادام الطرف الآخر ملتزما بها، واصفا الاتفاق بأنه تاريخي نال الشعب الإيراني من خلاله حقوقه النووية المشروعة.

ويقول ظريف إن ما يتضمنه برنامج العمل المشترك هو أن نستمر بالتخصيب وسنتحدث بشأنه مع الأميركيين ونريد أن يصل العالم إلى قناعة بأن برنامجنا النووي هو للأغراض السلمية، مؤكدا أن عملية التخصيب داخل إيران ستستمر ولن تتوقف.

ويضيف أن دولتين أو ثلاث دول معارضة لهذا الموضوع ولكن المادة الرابعة لمعاهدة "ان بي تي" تتضمن هذا الحق وبناء على "برنامج العمل المشترك" فإن إيران تتمتع بهذا الحق، وأنه وللمرة الأولى أقرت الدول الست بأن التخصيب جزء من الحل الذي يتضمن إلغاء جانب من الحظر ومن ثم الحظر كله في مرحلة لاحقة.

ويعتبر وزیر الخارجیة الإيراني اتفاق جنیف بأنه یدل علی فشل الحظر وممارسة الضغط من قبل الدول الغربیة علی إيران حکومة وشعبا، ويقول: إن هذا الإنجاز أظهر بأنه یمکن من خلال المفاوضات واحترام حقوق الشعب الإیراني تسویة الملف النووي.

ويعتقد ظريف أن عدم تغییر سیاسة إیران الخارجیة في ترسیخ وتنمیة علاقاتها مع البلدان الإسلامیة والعربیة سیما في المنطقة یدل علی أهمیة مصالح العالم الإسلامي والحفاظ علی استقرار وأمن المنطقة وترسیخهما. ويرى ظريف أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي واجهت إيران قطبا متصلبا وظهرت قوى جديدة.. وكان خوض القوى الجديدة للمنافسة مع القطب الواحد بسيطا ولكن تبعاتها صعبة جدا. ويعتقد أن منظمة الطاقة الذرية الإيرانية إنما تسلك مسيرة الاعتماد على النفس والاقتدار، وأن إيران قد أبدت قدرة فذة من الصمود في مواجهة القوى العالمية، لافتا إلى أن الصمود الإيراني في العالم قد جاء بفضل الثورة الإسلامية.

ويشدد وزير الخارجية الإيراني أن السلاح النووي لا يمكنه توفير الأمن لأي بلد كان؛ مشددا على أنه لا معنى للسلاح النووي لدى إيران.. والعالم يعلم أن إيران لا تريد السلاح النووي."

الاتفاق مبني على لقاءات سرية بين الطرفين

هناك تفاهمات سرية على المنطقة

على خلاف ظريف يرى جورج سولاج أن هناك اتفاقا سياسيا سرّيا وغير رسمي بين الأميركيين والإيرانيين حول مستقبل المنطقة، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن والبحرين، لم يتضح بعد.

ويذهب سولاج أن المحللين والمدققين يحتاجون إلى بعض الوقت لتبيان مضمون هذا الاتفاق السرّي الذي لا يقل أهمية عن الاتفاق النووي.

ويتساءل سولاج هل يعتبر اتفاق الخطوة الأولى مع إيران زلزالا جيو- سياسيا، كما كتب توماس فريدمان في "نيويورك تايمز"، وهل هو اختراق استراتيجي فعلا لم يستطع أي رئيس أميركي منذ 34 عاما تحقيقه؟

ويرى أن البعض في واشنطن ذهب إلى تشبيه الاتفاق مع إيران بالزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، مع فارق أن الرئيس الإيراني حسن روحاني ليس ماوتسي تونغ ولا إيران في وزن الصين. وذهب البعض الآخر إلى أن هذا الاتفاق هو سايكس – بيكو جديد، من شأنه إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط والتأثير في عمق "الربيع العربي".

ويذهب سولاج إلى أنه ليس بسيطا على الإطلاق أن يتحول "الشيطان الأكبر" في يوم وليلة إلى الصديق الأكبر، وربما في مرحلة مقبلة إلى الحليف الأكبر.

وأن الإتفاق الأساس هو بين أميركا وروسيا، وهو الذي رسم خريطة طريق نزع السلاح الكيماوي السوري ومعالجة مسألة النووي الإيراني بالطرق السلمية، وفرض مؤتمر جنيف- 2 لإيجاد حل للنزاع الدموي السوري من خلال تأليف حكومة إنتقالية تتمتع بكل الصلاحيات التنفيذية.

ويعتقد سولاج أن المفاوضات الأميركية – الإيرانية بدأت منذ آذار الماضي سرا في مسقط – عمان، واستمرت على خمس مراحل شارك في إحداها نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، ووزير الخارجية جون كيري تأكيدا على جدّية الإدارة الأميركية في إنهاء 34 سنة من العداء بين واشنطن وطهران.

ويضيف أن دوائر البيت الأبيض تعتبر أن الديبلوماسية الأميركية حققت انتصارا حقيقيا وليس إعلاميا، لها ولحلفائها في المنطقة، من خلال هذا الاتفاق الذي من شأنه أن يضمن أمن الشرق الأوسط بما فيه إسرائيل من خلال منع طهران من امتلاك سلاح نووي ومن دون اللجوء إلى القوة، وأن مسؤولين في البيت الأبيض يرون أن إيران رضخت لثلاثة شروط رئيسة في هذا الاتفاق المرحلي لمدة ستة أشهر كخطوة أولى على طريق استمرار المفاوضات لتثبيته، وتوسيعه لاحقا.

ويؤكد سولاج أن الأخطاء التي ارتكبتها الديبلوماسية الأميركية في حق السعودية قد يشوش على علاقتهما.

حيث أنها لم تضعها في أجواء المحادثات السرّية، وفاجأتها بإلغاء الضربة المقررة على سوريا من خلال الـCNN وليس بالتواصل المباشر.

ويرى سولاج أن السعودية ستعطي هذا الاتفاق فرصة، ولكن في المقابل ستسعى إلى التزوّد ببرنامج نووي مماثل للبرنامج الإيراني. كما أن المملكة ستسعى إلى إبرام اتفاقات من شأنها أن تحفظ توازن القوى الإقليمية وتحمي دول الخليج.

ويشدد على أنه لن يكون في وسع إسرائيل الرافضة للاتفاق شن هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية خلال الأشهر الستة المقبلة، ولكنها ستسعى إلى مواصلة الحرب الإلكترونية التي كانت تقوم بها بالتعاون مع الأميركيين ضد البرنامج الإيراني وحدها، كما أنها قد تواصل عمليات اغتيال علماء إيرانيين يعملون في البرنامج النووي.

ويعتقد جورج سولاج أن كل ما يشاع عن "انتصارات" إعلامية، وإن حلفاء أميركا أصبحوا على حافة الهاوية، لا يدخل في غير إطار التهويل والحرب النفسية.

إيران ودبلوماسية الشعارات

بعد حصول الاتفاق بينها وبين أميركا حول برنامجها النووي والعديد من القضايا الأخرى الهامة، فإن طهران بهذا النحاج الدبلوماسي قد فتحت باب الجدل واسعا عن حقيقة ذاك الاتفاق ولماذا الآن وهل كان صفقة مفاجئة أم وقع الإعداد له مسبقا أم أن التناغم الإيراني الأميركي حاصل منذ سنين غير أنه لم يكن ظاهرا للعلن.

أسئلة عديدة أثارها الاتفاق الأخير ولكنها في جملتها أسئلة مشروعة نظرا للكثير من الدلالات التي أربكت التوقعات التي كان يتصورها البعض عن حقيقة التوجة الإيراني والدبلوماسية الضاغطة التي كانت تمارسها.

من ذلك أنه وعلى طول المدة التي كانت تتحاور فيها إيران مع الغرب حول برنامجها النووي بدت شعاراتها واضحة تصب كلها في أنها لن تتوقف عن طموحها النووي وأن العقوبات التي يفرضها الغرب لن تنال من عزيمتها الماضية في امتلاك السلاح النووي.

كذلك فإن طهران عملت على خداع العديد من دول المنطقة وكذلك الدول الغربية لفترة بإصرارها على القول إن برنامجها ليس لأغراض حربية ولكنه برنامج سلمي ذو صبغة اقتصادية.

وتوهم البعض أن النية الإيرانية صادقة في ذلك التوجه السلمي وفي رغبتها الملحة الساعية لامتلاك النووي لأغراض سلمية بحتة.

ومع هذا التسويق الإعلامي الشعاراتي عملت طهران لسنوات من أجل وضع يدها وإحكام قبضتها على دول محورية واستراتيجية في المنطقة من خلال تقوية حزب الله في لبنان واعتماده كورقة ضغط مهمة في أي صراع يمكن أن يحدث، وفعلا تم توظيفه في الصراع السوري الدائر الآن. وكذلك تمكنت بفضل مخططاتها الطويلة المدى من إحكام قبضتها على العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وكان دورها أساسيا في ذلك، وتهيئة الأجواء ليكون المالكي يدها الطولى هناك والذي عمل على تقوية نفوذها لتمرح كما تشاء في بلاد الرافدين.وكان الأمر كذلك في سوريا التي تعتبرها الدولة التي عملت على ترسيخ سياستها في كل من لبنان والعراق.

إضافة إلى هذا التمدد الأخطبوطي بنت إيران علاقات جيدة ومتطورة مع روسيا التي ساهمت بدور كبير في المحافظة على مصالحها في المنطقة، خاصة التنسيق الواضح بينهما في الملف السوري والذي لو لا تدخلهما لزال نظام بشار منذ الأشهر الأولى للثورة السورية.

وكان الغرب يعرف هذا التغول الإيراني في هذه الدول الحساسة إضافة الى امتلاكها بعض الأوراق الأخرى ذات الأهمية.

ولذلك كانت إيران تصعد من لهجتها الحوارية في بعض الأحيان بعدم توقفها على الاستمرار في تخصيب اليورانيوم والتصريحات المدوية لنجاد والملطفة قليلا لروحاني الاصلاحي وكل يلعب دوره بين متشدد وإصلاحي، لكن في الحقيقة أن السياسة الإيرانية والتوجهات الحقيقية لا يملكها لا نجاد ولا روحاني بل ترسم في مكان آخر وبمقاربة أخرى لا تخرج عن سلطة المرشد الأعلى ورؤاه.

دبلوماسية الشعارات والخداع التي اعتمدتها إيران طوال سنين نجحت في إقناع الغرب بالعديد من المسائل من بينها عدم اللجوء إلى الحل العسكري في سوريا وأن ملفها النووي لا يحل بالعقوبات والتهديد باستعمال القوة.

ويذهب مراقبون أن إيران ظاهريا كانت على طرف نقيض المقاربات الأميركية للمسائل العالقة في المنطقة، لكن الحقيقة عكس ذلك، فالاتفاق الأخير فتح الأعين وأكد حقيقة طالما ترددت عند العديد من السياسيين وهي أن اتفاقات تمت في الخفاء وفي الغرف المغلقة بين حكام طهران والولايات المتحدة تُقَسَّمُ فيها الأدوار وتُحَلُّ فيها القضايا بالتراضي. وذلك ما يؤكد أن الشعارات الإيرانية التي كنا نسمعها حول الشيطان الأكبر وإسرائيل ما هي إلا ذر رماد على العيون وتسويق لمشاريع تطبخ في الخفى.

12