هل هناك سقف نهائي لإمكانية تطوير الرقائق الإلكترونية

النزاعات التجارية تقوض الجدوى الاقتصادية لمواصلة الاستثمار من قبل المصنعين الكبار في ظل اندفاع الصين الجامح للهيمنة على آفاق التفوق التكنولوجي.
الأحد 2019/04/14
قلب التكنولوجيا محور الصراعات المستقبلية

يجد مصنعو الرقائق الإلكترونية أن مواكبة وتيرة تطوير الدوائر الإلكترونية، التي توقعها غوردون مور الشريك المؤسس لشركة إنتل، لتعزيز قوة الكمبيوترات والأجهزة الإلكترونية، لم تعد تستحق الاستثمارات الهائلة التي تتطلبها.

نظرية مور التي أطلقها في عام 1965 رجحت أن يتضاعف عدد الدوائر الإلكترونية في المعالجات كل عامين، وأصبحت تعرف بـ”قانون مور” لأنها تحققت بالفعل منذ ذلك الحين.

جوهر “القانون” هو أن المعالجات الإلكترونية سوف تصبح أكثر تطورا وأقل تكلفة وأصغر حجما يوما بعد يوم، وقد ساهم في تنشيط الثورة التكنولوجية في شتى أنحاء العالم، خاصة أن مور يرأس مجلس إدارة إنتل التي قادت القطاع معظم تلك الفترة.

لكن إلى متى يمكن أن تستمر تلك الوتيرة؟ خاصة أن حجم الدائرة الإلكترونية (الترانستور) أصبح ضئيلا جدا ولا يرى بالعين المجردة. وهو ما يجعل الحفاظ على سرعة التطور خيارا أقل جدوى وأكثر تكلفة للمصنعين.

ورغم هيمنة شركات معدودة على صناعة أشباه الموصلات (سيمي كوندكترز) إلا أن هذا القطاع أصبح معولما خلال الثلاثين عاما الماضية. ويرى محللون أن تشابك مصالح الدول واللاعبين الرئيسيين أصبح يهدد بإبطاء الابتكار والتقدم التكنولوجي على المدى الطويل.

المنافسة الصينية الأميركية

"قانون مور" الذي توقع بدقة مضاعفة قدرات الرقائق الإلكترونية كل عامين منذ 54 عاما لا يمكن أن يستمر إلى الأبد
"قانون مور" الذي توقع بدقة مضاعفة قدرات الرقائق الإلكترونية كل عامين منذ 54 عاما لا يمكن أن يستمر إلى الأبد

في السنوات الأخيرة تزايد قلق الدول الغربية من اندفاع الصين الجامح للهيمنة على آفاق التفوق التكنولوجي وخاصة في مجال المعالجات الإلكترونية الفائقة القدرة وما يرتبط بها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة.

وقد تمكنت شركاتها بالفعل من تحقيق اختراق صاروخي لجدار التفوق التكنولوجي للشركات الغربية وخاصة الأميركية، مثل إزاحة هواوي لشركة أبل عن المرتبة الثانية في مبيعات الهواتف الذكية، وتفوقها المقلق في تكنولوجيا الجيل الخامس للاتصالات.

وقد دفع ذلك الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في ضوابط التصدير في ظل اتهامات بسرقة الأسرار التكنولوجية وحقوق الملكية الفكرية، التي تعتبرها واشنطن أخطر تهديد لشركات التكنولوجيا الأميركية، خاصة أنها تصنع معظم إنتاجها في الصين.

هناك إجماع اليوم على أن دور صناعة أشباه الموصلات أصبح محوريا بدرجة غير مسبوقة لأنها تدخل في تصنيع جميع الأجهزة الإلكترونية من مكائن صنع القهوة إلى السيارات الأوتوماتيكية، وبالتالي فإنها تحدد بوصلة آفاق الاقتصاد العالمي.

لكن شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية تواجه الآن أعلى مستويات المنافسة الجيوسياسية منذ عقود، حيث تهدد الولايات المتحدة بالحد من ارتباطها بالصين ومورديها وسط الحرب التجارية المستمرة بين البلدين.

وفي إطار هذا الواقع الجديد، يتعين على شركات تصنيع أشباه الموصلات التركيز على تصميم شرائح أكثر تخصصا في معالجة خوارزميات تطبيقات محددة، مثل تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

كما أن الحرب بين الولايات المتحدة والصين أصبحت تهدد في الوقت نفسه شركات التكنولوجيا الناشئة وتجزئة نشاط قطاع الرقائق الإلكترونية وقطاع التكنولوجيا الأكبر الذي تنتمي إليه.

نهاية قانون مور

على مر السنين، اتبع مصنعو أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية بوصلة “قانون مور” وزرعوا أعدادا أكبر من الترانزستورات (الدوائر الإلكترونية) على رقائق السيليكون بالاستعانة بهندسة العمليات الميكانيكية.

اليوم، أصبحت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة وشركات سامسونغ وإنتل وغلوبال فاوندرز، هي الشركات الأربع الوحيدة التي تعمل على تطوير هذه التكنولوجيا.

وتستعد شركة تايوان خلال هذا الشهر لإنتاج شرائح باستخدام تقنية معالجة 5 نانومتر، التي تشير التقارير إلى أن معظم إنتاجها من هذا الجيل الجديد سيكون مخصصا لهواتف آيفون التي من المرجح أن تصدرها شركة أبل في العام المقبل.

لكن توسيع تطوير هذه التقنية أصبح أكثر كلفة، إذ من المرجح أن تتجاوز سرعة ارتفاع تكلفة تصميم وبناء الرقائق حجم العوائد المتوقعة، خاصة مع تشبع الأسواق الكبيرة مثل صناعة الهواتف الذكية في وقت يواصل فيه المستهلكون تغيير أجهزتهم بصورة مستمرة.

محاولات مواصلة التطوير وتصنيع رقائق إلكترونية ثلاثية الأبعاد تصطدم بتعقيدات كثيرة أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج

وبذلك تتواصل تكلفة اتباع “قانون مور” لمضاعفة قدرة الرقائق الإلكترونية كل عامين، في الارتفاع لأن التقنية المستخدمة تقترب من حجم الذرة (أو 0.2 نانومتر).

ولذلك فإن المصنعين حائرون بشأن الاستمرار في إتباع وتيرة تطوير المعالجات وفق قانون مور.

وقد اختار عدد منهم التخلي عن القانون. ويتضح ذلك من تأخير إطلاق تقنية 10 نانومتر لمدة عامين حتى نهاية العام الحالي.

وما يزيد صعوبة المهمة أن التقنية المستعملة في تعبئة الترانزستورات على الرقائق الإلكترونية لا تزال تعتمد على بعدين فقط. وتشير البحوث إلى أن الرقائق الإلكترونية ستصبح ثلاثية الأبعاد في المستقبل.

وسوف يتيح ذلك للمصنعين مواصلة زرع المزيد من الدوائر الإلكترونية على مساحة صغيرة، لكن التعقيد سوف يزداد أيضا وبالتالي التكلفة.

عهد جديد من التخصص

شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية تواجه الآن أعلى مستويات المنافسة الجيوسياسية
شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية تواجه الآن أعلى مستويات المنافسة الجيوسياسية

وفي الوقت الذي ينافس ويتسابق فيه مصنعو أشباه الموصلات نحو ذلك الحال. بدأت صناعة الإلكترونيات توفر فرصا جديدة للتطور من خلال زيادة الطلب على المعالجات المتخصصة ذات الوظيفة المحددة.

تاريخيا، ركز هذا القطاع على إنتاج رقائق يمكن استخدامها لعشرات الأغراض، مثل وحدات المعالجة المركزية لأجهزة الكمبيوتر والخوادم والهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية، الأمر الذي مكنها من إنتاج معالجات عامة لجميع تلك الأجهزة. أما اليوم فإن الشركات المصنعة أصبحت تتلقى طلبات مختلفة وأكثر دقة. ومع تزايد أنواع الأجهزة المتصلة بالجيل الجديد من الإنترنت، سيرتفع الطلب على الرقائق الإلكترونية ذات الدور المحدد.

فقد اتسعت وتباينت المتطلبات بين المجالات التكنولوجية المختلفة. وأصبحت الأجهزة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي تتطلب أنواعا محددة من القدرة الحاسوبية، التي يمكنها معالجة كميات هائلة من البيانات في وقت واحد، مع شرائح تمكن من التعرف على الوجه والصوت.

ومن المتوقع أن تؤدي الحاجة المتزايدة لمعالجات ذات استخدامات مختلفة إلى زيادة في الطلب أيضا على الأجيال الأقدم من التكنولوجيا. على سبيل المثال، أعلنت شركة غلوبال فاوندرز العام الماضي أنها ستوقف كل تطوير تكنولوجيا 7 نانومتر للتركيز على عملياتها الأكثر فعالية من حيث التكلفة (12 و14 نانومتر).

ويمكن أن يوفر ذلك فرصة للشركات للحاق أو التخصص في تلك المجالات المتعددة. لكن ذلك سوف يعني أيضا أن السوق القديمة ستبقى مشبعة، حيث تختار المزيد من الشركات الاستثمار في قدرات تصنيع وتصميم أكثر ربحية.

منافسة أو تعاون مشترك

يمكن تقسيم تصنيع الرقائق الإلكترونية إلى 3 مراحل رئيسية هي التصميم والتصنيع والتجميع النهائي. وتكتسب غالبية الشركات قيمتها وإيراداتها من مراحل التصميم والتصنيع.

وتتخصص بعض الشركات الأميركية مثل كوالكوم، في تصميم شرائح الكمبيوتر وإنتاج معالجات الهواتف الذكية. بينما تتخصص شركات أخرى، مثل غلوبال فاوندرز، في تصنيع الرقائق مستعينة بمصادر خارجية لتصميمها.

ويمتد نشاط أعداد قليلة من الشركات الأميركية، مثل إنتل، للجمع بين التصميم والتصنيع والتجميع النهائي. لكن تلك الشركات غالبا ما تستعين بمصادر خارجية في مرحلة الاختبار النهائية في مناطق تتميز برخص اليد العاملة.

على سبيل المثال، قد تصمم شركة أبل رقائق إلكترونية لأجهزة آيفون وآيباد في وادي السيليكون القريب من سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا الأميركية.

لكن التجميع قد يتم في تايوان أو الصين ثم ترسل الشحنات إلى ماليزيا للتغليف النهائي باستخدام مواد من اليابان. ثم ترجع المنتجات النهائية إلى الولايات المتحدة ليعاد تصديرها إلى الصين لوضع الشريحة الفعلية في الجهاز.ويؤدي ذلك إلى خلق صناعة مرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، وترتبط شركاتها في ما بينها وتعتمد على بعضها رغم المنافسة التجارية الشرسة بين تلك البلدان.

الولايات المتحدة تعمل على وضع ضوابط تصدير على التكنولوجيا الناشئة لمكافحة وصول الصين إلى مثل هذه التقنيات

ويجعل الترابط العالمي هذه الصناعة عرضة للتغيرات مثل تزايد دور الصين، الذي تأخر تاريخيا عن الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية، بعد أن كانت أكثر الشركات التي تعمل في الصين دولية ومدعومة بإعانات محلية.

ولتغيير هذا المسار، حولت بكين تطوير قطاعاتها في هذا المجال إلى عنصر أساسي من خطة “صنع في الصين 2025” وهي خطة استراتيجية تستهدف زيادة قدرة الصين التنافسية في الصناعات المتطورة والتكنولوجية، وقد تمكنت بالفعل من تعزيز حصتها في سوق الإلكترونيات.

محاولات الصين لتعزيز قدراتها التصنيعية والتصميمية، أثارت غضب الولايات المتحدة، التي أصبحت مشغولة بمواجهة صعود بكين في مجالات التكنولوجيا الناشئة، الأمر الذي أدخل شركات التكنولوجيا في تلك النزاعات.

وفي خضم تلك المناوشات الساخنة بين واشنطن وبكين، دعت شركات التكنولوجيا الولايات المتحدة للتشديد على الملكية الفكرية والعمل على الحد من سرقة الأسرار التكنولوجية.

لكنها شعرت بالقلق من مطالبات واشنطن لبكين بتقليص الفائض التجاري عن طريق شراء المزيد من السلع الأميركية، مخافة أن يؤدي ذلك إلى انقلاب في استراتيجية يؤثر على مصالحها.

شركات تصنيع المعالجات محاصرة بين طموح الصين للتفوق التكنولوجي ومحاولات واشنطن عرقلة تلك الطموحات
شركات تصنيع المعالجات محاصرة بين طموح الصين للتفوق التكنولوجي ومحاولات واشنطن عرقلة تلك الطموحات

هناك مخاوف من أن تؤدي عروض الصين لشراء المزيد من أشباه الموصلات من الولايات المتحدة إلى الإضرار بنموذج تطوير الشركات الأميركية في الاستعانة بمصادر خارجية في بلدان أخرى من آسيا لإجراء الاختبارات وحصول المصنعين  الصينيين على أولوية الفوز بعقود سوقهم المحلية. وتعمل الولايات المتحدة على وضع ضوابط تصدير على التكنولوجيا الناشئة لمكافحة وصول الصين إلى مثل هذه التقنيات. ويمكن أن تشمل الضوابط المفروضة على الصادرات حدّ النقاش المتعلق باستراتيجيات البحث والتطوير.

واعتمادا على مدى انتشار شبكة التقنيات والابتكارات، يمكن أن يخلق ذلك مشكلة لعدد من الشركات الناشئة التي تقوم بتصميم الرقائق الإلكترونية ذات الوظائف المحددة. حيث يمكن أن تمنعها ضوابط التصدير من سوق المبيعات العملاقة في الصين.

المخاطر أمام قطاع التكنولوجيا

على المستوى العالمي، يمكن أن يلحق توتر العلاقات الأميركية الصينية أضرارا كبيرة بقطاع التكنولوجيا بشكل عام. وسيعتمد ذلك على درجة العولمة العالية في كل من قطاعاتها المهدّدة وعلى مدى سهولة نقل براءات الاختراع والخدمات في الخارج، والتي تطورت وتكاملت على مدى 30 عاما.

يمكن للصدع المتنامي بين الشرق والغرب أن يعكر استقرار النظام المعقد والمتكامل من خلال إجبار الشركات على اختيار طرف ومعاداة طرف آخر، الأمر الذي يحد من فرص التعاون بين رواد الأعمال والمخترعين في قطاع التكنولوجيا العالمي.

وسيؤدي ذلك إلى زيادة مخاطر عرقلة ابتكارات التكنولوجيا نتيجة مواصلة الصين والولايات المتحدة اتخاذ استراتيجيات عدائية في حربهما التجارية وتعقيد الخلافات الجيوسياسية في وقت تمر فيه الصناعة التكنولوجية بمرحلة انتقالية.

17