هل هناك صداقة حقيقية.. الإجابة يحددها المزاج والمصلحة

الثلاثاء 2016/11/29
العشرة الطيبة بمثابة الكنز الذي يورث للأجيال

لعلّ الصداقة هي الموضوع الوحيد المتكرر والمتجدد منذ أول إحساس بالخيبة والخيانة عند الإنسان، ذلك أنّ زاوية النظر إلى الصداقة تختلف من يوليوس قيصر إزاء بروتوس، مرورا بهارون الرشيد نحو جعفر البرمكي، ووصولا إلى عصر صارت فيه الصداقة صنعة، لا ينقصها إلاّ التصريح بها وكتابتها في خانة “المهنة” على بطاقة الهوية.

الصداقة هي الموضوع الذي تشترك العامة والخاصة في مناقشته دون الحاجة إلى مؤهلات علمية، فالكل يدلي بدلوه، ويستطرد كعارف متفقه، ومجرّب لا يشق له غبار، كما يجب أن نقر أولا بأن طرح سؤال الصداقة من أساسه، والحديث عن جدوى الصداقة ومن ثم التشكيك في وجودها من عدمه لدى الفئات العريضة من الناس، هو أكثر الموضوعات طرقا ونقاشا والتباسا منذ حاجة الإنسان على سطح هذا الكوكب إلى الرفقة والأنس والشراكة، بقدر حاجته إلى النميمة والخصومة والاختلاف.

“هل تقرّ بوجود صداقة حقيقية أم لا؟” سؤال يتحمل الإجابتين في آن معا، ولدى الفرد الواحد مهما بلغت درجة وعيه، ذلك أن الإجابة عن هذا السؤال مشروطة بالضرورة، أي أنها تتعلق بمنفعة ما، وبعيدا عن الحكم الأخلاقي الذي يجيّر في كل مرة لمصلحة المستفيد من هذه الشراكة المعنوية التي يسمونها “الصداقة”.

الصداقة هي مجرد علاقة لتجاذب أطراف الحديث أو التسامر أو الثرثرة، حتى أنهم يقولون على سبيل السخرية من الشخص الفقير "فلان صداقته مكلفة"

سبب الاختلاف في الحكم على الصداقة، هو أن هذه الأخيرة ليست عقدا مكتوبا، وكل تعريفاتها عائمة وهائمة، كالحديث عن الصدق والوضوح والإخلاص وكتم السر ونكران الذات وغوث المحتاج وهلمّ جرّا، من قبيل هذه القيم التي يتحدث عنها كل الناس وينشدونها، بل ويشتكون من غيابها، فكأنما الجميع ملائكة والجميع شياطين.

قيل وكتب وضربت الأمثال في الصداقة أكثر من عدد الأصدقاء الحقيقيين أنفسهم، فلا تكاد تجد فردا -ومهما كانت أخلاقياته- إلاّ ويحفظ عن ظهر قلب أكثر من مثل أو قول مأثور عن الصداقة.. حتى توشك أن تسأل نفسك: من هم الأشرار والسيّئون إذن؟

ليس غريبا أن يحمل موضوع الصداقة كل هذه الالتباسات التي تصل إلى حدّ التناقض والتهويم كالصوفي الذي سألوه من الصديق؟ فقال “من لم يجدك سواه، ولم يفقدك من هواه”، أما التصوير الأكثر طرافة، فقد جاء على لسان أحد الظرفاء في العصر العباسي بقوله:

“أرى فيك أخلاقاً حساناً قبيحة وأنت صديق كالذي أنا واصف

قريب، بعيد، أبله، ذو فطانة سخـي، بخيـل، مستـقيـم، مخـالف

كذاك لست أني شاتم لك مـادح كما أن قلبـي جـاهل بك عـارف

تلونت حتى لست أدري من العمى أريح جنوب أنت أم أنت عاصف

ولست بذي غش ولست بناصح وإني لمن جهل بشأنك واقف

أظنك كالستوق ما فيك فضة فإن كنت مغشوشاً فإنك زائف”. الجميع يتفق على أن الصداقة كغيرها من المشاعر الإنسانية التي لا تحيط بها الكلمات فهي كما قال شكسبير “الكلمات سهلة مثل الريح ، لكن الصديق المخلص يصعب العثور عليه” لكن جوهر الصداقة واحد من حيث الإحساس بتلك البهجة والمشاعر الروحية التي تبعث لدى الفرد إحساسا بالأنس وشعورا بأن المرء يمتلك نوعا من المساندة، تجعله قويا وصامدا أمام صروف الدهر، ولا شك فإن الصداقة تعني عموما في عصرنا الحديث تلك العلاقة الاجتماعية الوثيقة التي تقوم على مشاعر الحب والجاذبية المتبادلة بين شخصين أو أكثر، وتميزها خصائص مثل الديمومة والاستمرار، وقد تغذيها عوامل مثل التقارب العمري والاجتماعي والثقافي.

وكان ينظر إلى الصداقة في اليونان القديمة كتجسيم للذات، وكتب أرسطو “إن الشخص المتفوق يتعلق بصديقه بنفس الطريقة التي يتعلق بها بنفسه، ولذلك يمكن اعتبار الصديق بمثابة الذات الأخرى”؛ واستخدمت في اللغة اليونانية القديمة نفس الكلمة لمعنيي”الصديق” و”المحب”.

كل ثقافات الشعوب تمجد الصداقة وتجلها، بحسب الواقع التاريخي والاجتماعي المعيش، لكن المسألة المالية هي التي تلقي بظلالها دائما، وهي الفيصل في تحديد مفهوم الصداقة لدى جميع الناس، فنظرة واحدة إلى مقاربة الأمثال الشعبية بين الصداقة والمال، كفيلة بحسم هذه المعضلة.

درجات الصداقة متفاوتة بطبيعة الحال، وقد شبهها أحد الحكماء بقوله “الإخوان كالسلاح، فمنهم من يكون كالرمح يطعن به من بعيد، ومنهم كالسهم يرمى به ولا يعود إليك، ومنهم كالسيف الذي لا ينبغي أن يفارقك”.

الصداقة حب الإنسان للإنسان

الصداقة عزاء الحياة

عرّف الكاتب مارك توين الحياة واختصرها في كونها “صديق جيد وكتاب مفيد وضمير هادئ”.

وخصص أبوحيان التوحيدي كتابا كاملا في الصداقة والصديق، ضم فيه نفائس ما قيل حول هذا المفهوم السرمدي للمشاعر الإنسانية بمعزل عن المصالح الظرفية، نذكر منه ما قاله أحدهم في صديقه “أرى الدنيا بعينه إذا رنوت، وأجد فيئتي عنده إذا دنوت، إذا عززت به ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظاً للغيب، ولا يتراءى لي إلا ساتراً للعيب”.

يقول خليل وهو موظف تونسي في الخمسين من العمر: الصداقة تشكل ثُلث العلاقات الاجتماعية في حياة الإنسان؛ فيومه ثلث للعمل وزملاء العمل، وثلث للأسرة والبيت والعائلة، وثلث للأصدقاء.

ويضيف أحمد، جليسه في المقهى، بأن الصداقة تجمعه مع خليل منذ مقاعد التعليم الابتدائي، وهي مستمرة إلى اليوم، فهو يعتقد أن الإنسان الذي يفتقر إلى صديق في حياته، يجب أن يراجع طبيبا نفسيا، وكل ما يقال عن مسألة المصلحة، هو أمر موجود عند جميع البشر، وفي كل زمان ومكان، ولا يجب أن يلغي هذا الأمر وجود الصداقة التي هي مسألة أقرب إلى الغريزة في الذات الإنسانية، ويختتم أحمد الحديث بقوله “فلو كنت أعيش في جزيرة مهجورة لأعلنت صداقتي للبحر والسحاب والطيور والأسماك”.

الكثير من المفكرين والكتاب، يقدمون الصداقة على غيرها من العلاقات الإنسانية، فهي أكثر بقاء ومتانة من الروابط العاطفية التي يتأسس الكثير منها على مشاعر الإعجاب أو الغريزة، ويذهب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، إلى القول بأن فشل المؤسسة الزوجية، يعود إلى انتفاء الصداقة بين الزوج والزوجة.

الصداقة تمتّن وترمّم كل العلاقات الأخرى، فهي ضرورية مع الأبناء في المنزل، والزملاء في العمل، إذ لا تبنى أي ثقة بمعزل عن الإحساس بالصداقة مهما كان حجمها.

دراسات علمية كثيرة أثبتت أن الصداقات الجيدة تعزز شعور الفرد بالسعادة والسرور عموماً، أما حياة الوحدة وانعدام الدعم الاجتماعي، فيؤديان إلى زيادة مخاطر الإصابة بالأمراض الخطيرة والمزمنة، وقد أطلق على شبكة الصداقة تسمية “لقاح سلوكي” الذي من شأنه أن يعزز كلا من الصحة الجسدية والعقلية. كما أن الأصدقاء الجيدين يشجعون أصدقاءهم على اتباع أساليب حياة صحية أكثر، وعلى طلب المساعدة وتقديم الخدمات عند الحاجة إليها. ويعززون مهارات التأقلم مع المرض والمشكلات الصحية الأخرى.

الصداقة هي أكثر الأشكال بقاء ومتانة وبراءة من الروابط العاطفية العادية الأخرى التي يتأسس الكثير منها على مجرد مشاعر الإعجاب أو الغريزة

الصداقة مجدتها كل العقائد والثقافات ونبهت إلى أهميتها الديانات السماوية دون استثناء، من الآيات في القرآن والأحاديث إلى الكثير من المقولات الواردة في الإنجيل كعبارة “الصديق الأمين دواء الحياة والذين يتقون الرب يجدون”.

العشرة الطيبة بمثابة الكنز الذي يورث للأجيال، وهو ما يفسر قول معاوية بن أبي سفيان “المودة بين السلف ميراث بين الخلف”، وهذا ما يفسر التركيز على جانب الصداقة حتى في علاقات الدول بعضها ببعض، وإن اعترض الكثير تحت ذريعة أن السياسة لا تعترف بالصداقات، لكن التاريخ القديم والحديث، يثبت أن الصداقة لعبت دورا كبيرا في إطفاء الفتن والحروب، ومنع الكوارث التي يمكن أن تحلّ بشعوب كثيرة، ثم جاءت الصداقات الشخصية فأنقذت ما يمكن إنقاذه.

الصداقة تجعل الحياة مبهجة، والأحاديث ممتعة، والهدايا مفرحة، وهي تكاد تكون العلاقة الاجتماعية الوحيدة التي يختارها المرء بمحض إرادته، وبعيدا عن المصالح والحسابات الضيقة.

ورد في كتب التراث أن الجاحظ قال “كان ابن أبي دؤاد إذا رأى صديقه مع عدوه قتل صديقه، فرد عليه أبوحامد المروروذي: هذا هو الإسراف والتجاوز والعداء الذي يخالف الدين والعقل، لعل صديقك إذا رأيته مع عدوك يثنيه إليك، ويعطفه عليك، ويبعثه على تدارك فائتة منك، ولو لم يكن هذا كله لكان التأني مقدماً على العجل، وحسن الظن أولى به من سوء الظن”.

التوق إلى كسب الأصدقاء هو أرقى أشكال التواصل الاجتماعي، والرغبة في التعرف على أناس من ثقافات مختلفة، يزيدان من إعلاء قيم المحبة والتسامح، ويجعلان العالم أقل عنفا وأكثر جمالا.

والصداقة مسألة متأصلة في الذات البشرية بالغريزة والسليقة، وهي أول قيمة تجب تنميتها في نفسية الطفل، والعمل على تطويرها بقصد حمايته من كل أشكال الانغلاق والتقوقع، التي تتسبب في الأزمات النفسية والصحية.

إن مجتمعا يحتفي بالصداقة ويقدرها هو مجتمع خال من الأمراض والعقد، ذلك أن عكس الصداقة يعني العداوة والكراهية، وهو ما يفتح أبواب الجحيم على كل أشكال الجريمة والتطرف.

هذه هي الصداقة الحقيقية ودونها أوهام

الصداقة ثالث المستحيلات

قيل لأحد الحكماء “ما معنى الصديق؟” قال “لفظ بلا معنى”.وقال أحد الكتاب الساخرين “لماذا تتعب نفسك في البحث عن صديق؟ بإمكانك أن تكون الصديق المثالي الذي تبحث عنه”.

نورالدين متدين وفي الأربعين من العمر، لا يعتقد في وجود صداقة خارج وسطه الديني المتمثل في حلقات الدروس المسائية التي تجمعه بأشخاص معينين، ويقول بأنه يسعى إلى تربية أطفاله على هذا النحو، مستشهدا بحديث نبوي يقول “المرء على دِين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل”.

قلنا للسيد نورالدين بأن هذا الحديث، لا ينهى عن الصداقة بل يعززها ويدعو إلى الذهاب بها نحو الطريق الأقوم، فامتنع عن الإجابة ومضى إلى المسجد برفقة طفليه اللذين قالا بدورهما إنهما لا يحتكان إلّا بمحيط أبيهما أثناء الدروس والحلقات الدينية.

ويقول سفيان وهو شاب في الخامسة والعشرين “لو كانت الصداقة الحقيقية موجودة وممكنة لما جعلها الأقدمون من ثالث المستحيلات” ويضيف سفيان الخريج الجامعي الباحث عن عمل “أخي الأكبر هو الآن في السجن بسبب صداقاته مع مروجي المخدرات ومتعاطيها، والعلاقات تحكمها المصالح، وأنا تعلمت درسا بعد وفاة والدي ومواجهة واقعنا المزري بأن لا وجود للصداقة ولا للأصدقاء، صديقك هو فقط جيبك”.

النزعة التشاؤمية والقناعة بعدم وجود شيء اسمه صداقة، تطغيان على الغالبية من الناس في العالم، حتى أن غالبية من خريجي السجون في مصر وتونس والمغرب، يوشمون على سواعدهم عبارات ومقولات تتحسّر على غياب الصداقة والأصدقاء، وكثيرا ما يردد هؤلاء وغيرهم أغاني ومقولات تبكي الغدر والخيانة من الأصدقاء والمقربين. هذه الظاهرة، نكاد لا نلمسها في المجتمعات الغربية، فالجميع يمارس نشاطه دون التطرق إلى هذه الموضوعات حتى في المقاهي والأحياء الشعبية.

أما عن رفض فكرة الصداقة بين الشاب والفتاة في البلاد العربية، فتختلف بنسبة درجة انفتاح المجتمع من بلد إلى آخر، فعصام (29 سنة) من مصر، يقول إن الصداقة غير موجودة بين الرجل والرجل، فما بالك بين رجل وامرأة، ويعقب قائلا بأن المجتمعات المتطورة ـ في نظره ـ هي تلك التي لا توجد فيها علاقة مبنية على أساس الصداقة، بل “البزنس” هو الذي يتحكم في كل شيء، واستشهد عصام، خريج اللغة الإنكليزية بدراسة أميركية، أكدت تراجعا في عدد ونوعية الصداقات عند الأميركيين وأظهرت أن ما يقارب

نصف الأميركيين ليس عندهم أصدقاء مقربون يثقون بهم، ومتوسط عدد الأصدقاء للشخص تراجع إلى اثنين على أقصى تقدير.

إنكار وجود الصداقة في الموروث الثقافي العربي يكاد يعادل نسبة تمجيدها والاحتفاء بها، فهذا يقول في مقطع شعري:

“والناس داء، وداء الناس قربهم وفي الجفاء لهم قطع الأخوات

فلست أسلم ممن لست أعرفه فكيف أسلم من أهل المودات

ألقى العدو بوجه لا قطوب به يكاد يقطر من ماء البشاشات

وأحزم الناس من يلقى أعاديه في جسم حقد وثوب من مودات”.

الذهنية العربية -والشعبية على وجه الخصوص- تبالغ كثيرا في إنكار وجود الصداقة، ذلك أن مفهومها للصداقة مبني على جملة تعريفات مبنية على أسس قيمية، فالجميع يرى في الصداقة مساندة مطلقة من الصديق لصديقه (خصوصا على الصعيد المادي) وليس مجرد علاقة لتجاذب أطراف الحديث أو التسامر، حتى أنهم يقولون على سبيل السخرية من الصديق الفقير “فلان صداقته مكلفة”.

يقول منصف نصري، وهو موظف في مركز للإحصائيات بتونس، إن الفئات الشعبية المتوسطة والفقيرة، تعوّل على الصداقة كثيرا على اعتبارها “مؤسسة” اجتماعية يمكن من خلالها تحقيق بعض الأرباح، والأمر المضحك أحيانا هو أن كل صديق ينتظر من صديقه خدمة، وحين يتعذر الأمر أو يختل ميزان الخدمات المتبادلة، ينتاب الفرد إحساس بـ”الخيانة” من طرف صديقه، ويبدأ في رحلة “الكفر بالصداقة”.

الصداقة في نظر صابرة، وهي أستاذة لغة عربية، تنتفي بانتفاء شروطها الأساسية الثلاث: كتمان حديث الخلوة، والمواساة عند الشدة، وإقالة العثرة.

وتعقب صابرة بأنها عانت مع الذين كانت تعتقد بأنهم أصدقاؤها من سلوك النميمة والوشاية، بالإضافة إلى الجحود وعدم وقوفهم معها عند الشدائد، فالصديق عند الضيق، وهذا الامتحان يسقط فيه الجميع دون استثناء، كما تقول صابرة وتختم قائلة بلهجة حاسمة “قررت ألّا أختلي إلّا بنفسي وألّا أصادق إلّا جيبي”.

12