هل هو الخراب أم الولادة من الخراب؟

يتوجب على العرب أن يتعلموا من كل ما يحصل لهم راهنا من محن وكوارث لكي يعلموا مستقبلا أين يضعون أقدامهم، وأي حكام يختارون، وأي نظم تساعدهم على تحقيق الرقي.
الثلاثاء 2018/03/20
الربيع العربي أسقط أنظمة دكتاتورية لكنه أفرز أمراضا وآفات قاتلة

في مناطق كثيرة من العالم العربي، ثمة ما يشير إلى الخراب، أو ينذر به!
لكأن العرب يعيشون تلك الفترة القاتمة التي غزا فيها المغول بغداد، وخربوها، وأحرقوا مكتباتها لتتحول إلى أطلال وخرائب سوداء يجوس فيها أهلها وكأنهم فقدوا العقل والذاكرة!
وتلك النهضة التي عرفها العرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، والتي ظنوا أنها ستخرجهم من عصور الانحطاط والتخلف والهمجية والاستبداد الديني والسياسي، تبدو الآن وكأنها كانت وهما، أو حلما سرعان ما تهشم، وتفتت فلم يترك ما يمكن أن يعيد الأمل إلى النفوس، والإشراقة إلى القلوب. وأمّا زمن الاستقلالات الوطنية فقد عاشه العرب كما لو أنه سلسلة من الكوابيس المرعبة تتخللها انقلابات عسكرية، ومظالم رهيبة تسلطها أنظمة استبدادية فاسدة، وأحزاب واحدة يجلس على عروشها زعيم أوحد.
والذين بشروا بـ“ربيع عربي” يدخل العرب إلى التاريخ، ويجعلهم يتمتعون بالحرية والكرامة والعدالة، وينعمون بالاستقرار والترف، وجدوا أنفسهم في حرج من أمرهم بعد أن تحول “ربيعهم” إلى شتاء مرعب، موسوم بالفوضى المدمرة وبالحروب الأهلية والطائفية، وبالنزاعات العقائدية والأيديولوجية، وبمخاطر جسيمة أخرى قد تأتي على ما تبقى من الأخضر واليابس…
وصحيح أن الربيع العربي “أسقط أنظمة دكتاتورية ولكنه أشعل نيرانا كانت كامنة تحت الرماد، وأفرز أمراضا وآفات قاتلة كالعشائرية والشعبوية والطائفية، ومنح الأصوليات المتطرفة شرعية التحكم في المشهد السياسي في العديد من البلدان لتصبح أكثر قوة ونفوذا من ذي قبل، وقدرة على فرض أطروحاتها وبرامجها المعادية لأبسط المبادئ الإنسانية. 
وها أن الأصوليين يزخفون الآن مثل الجراد على المدن ليحولوها إلى أطلال ومقابر، مدمرين كل ما يمت بصلة للتاريخ القديم، وللحياة والفن والجمال والسلام بين البشر والأديان والثقافات والشعوب، مجبرين الأقليات الدينية أو العرقية على الفرار، أو هم يتفنون في قتلها وتعذيبها وترهيبها…
بالإضافة إلى كل هذا، أفقد “الربيع العربي” الدول مناعتها، وهيبتها، معرضا مؤسساتها للتفتت والإنهيار، فاتحا الطريق واسعة لكل القوى والنزعات التي لا هدف لها سوى “صوملة” هذا البلد أو ذاك، و“أفغنته” ليتحول إلى ساحة للتقاتل والتناحر. ولا قانون يعلو فيه على قانون الغاب!
كما زاد “الربيع العربي” في تعميق الخلافات بين البلدان العربية، سامحا للدول الكبرى، وللقوى الإقليمية بفرض وصايتها على البعض من البلدان العربية، لتتعامل معها وكأنها مجرد وسائل لخدمة أغراضها وأهدافها ومصالحها مثلما كان حالها في زمن الانحطاط…
مع ذلك يعتقد البعض من المتفائلين بأن “الربيع العربي” يجسد مرحلة ما يمكن أن نسميه بالولادة العسيرة لعصر جديدة. وبحسب نظرهم لا يمكن أن تتحقق هذه الولادة إلاّ بالدماء والدموع والآلام. فبعد عهود طويلة من الاستبداد والتخلف والجهل، لا يمكن للعرب أن يحصلوا على الاسقرار والديمقراطية والعدالة الاجتماعية إلاّ بعد أن يدفعوا ثمنا غاليا لذلك. فالتاريخ يؤكد لنا دائما وأبدا أن الأمم لا يمكنها أن تنهض من كبواتها إلاّ بعد أن تمتحن عناصر القوة والضعف فيها.
 لذا يتوجب على العرب أن يتعلموا من كل ما يحصل لهم راهنا من محن وكوارث لكي يعلموا مستقبلا أين يضعون أقدامهم، وأي حكام يختارون، وأي نظم تساعدهم على تحقيق الرقي. ويتحتم عليهم أيضا الكف عن الحنين إلى ماضيهم “المجيد“، والتشبث به كي لا يكونوا عاجزين عن صنع حاضرهم، ومستقبلهم. ثم إنّ “الثورة” التي يصبون إليها لن تحقق لهم إلاّ إذا ما “غيروا ما بأنفسهم“، وأعادوا النظر في علاقتهم مع الآخر، ومع الدين، لإحياء ما يسميه الفيلسوف ارنست بلوخ بـ“مبدأ الأمل“، ذلك المبدأ القادر على أن يتيح لهم أن يكونوا فاعلين في التاريخ لا مجرد متفرجين خامدين وسلبيين.

14