هل هي بدايات الربيع السوداني؟

الثلاثاء 2013/10/01

يرى المراقبين أن الاحتجاجات الحالية في السودان ورغم تأرجحها بين النشاط والفتور، فإنها تختلف عن الاحتجاجات السابقة التي جابهها حزب المؤتمر الوطني الذي تربع على عرش البلاد في يونيو 1989 مشكّلا أطول فترة حكم عرفتها الجمهورية السودانية منذ استقلالها عام 1956.

ومنذ أن انقلب العسكر على السلطة مدفوعين بمخططين إسلاميين بقيادة حسن الترابي الذي نجا من محاكمات انتفاضة 1985 التي أطاحت بالرئيس الراحل جعفر نميري منهية 19 عاما من الحكم المتأرجح بين معاداة اليمين وخطب ود اليسار والعكس، رغم أنه كان يشغل منصب مستشار الرئيس، ورغم أنه تسبب في إقرار ما يُعرف بقوانين سبتمبر التي تخلّص عبرها من غريمه الأقوى محمود محمد طه، والذي كان ينافس جبهة الترابي التي شكّلها بعد خروجه من السجن من مجموعة حركات يمينية تحت مسمى الجبهة القومية الاسلامية، ورغم سلمية الحركة الجمهورية إلا أنها كانت قوية التأثير على حركة الإخوان المتأسلمين التي يقودها الترابي، لأنها كانت تلعب معها في منطقة جماهيرية واحدة هي منطقة استقطاب شباب الثانويات والجامعات.

وتمكنت الجبهة الترابية من سرقة الانتفاضة بمخطط بارع دخل في أهم مكونات الحكومة الانتقالية التي قادها عبدالرحمن سوار الذهب الذي استأمنه النميري على مهام الحكم، حينما ذهب إلى الولايات المتحدة في رحلة علاج لم يعد بعدها لكرسي الحكم.

واستغل الإخوان المتأسلمين فترة الحكم الانتقالي، وانشغال الأحزاب التي فوجئت بالانتفاضة فنظم صفوفه سريعا وخاض معركة الانتخابات التي حلّ فيها منتصرا مع الحزبين العريقين (الأمة والاتحادي)، ليختار طائعا أن يكون في خانة المعارضة بقيادة علي عثمان محمد طه بعد ائتلاف الحزبين الطائفيين اللذان انشغلا بصراعات لا معنى لها، وأهملا حكم البلاد الذي بدأ يزداد تردّيا ما جعل الأخوان المتأسلمين بقيادة الترابي يشعلون النار تحت الهشيم، ويخترقون الجيش والشرطة بتسريب منتسبيهم، ومحاولة أدلجة المؤسستين السياديتين. وقد شغل الحزبين الحاكمين والساحة وقتها بمذكرات الجيش التحذيرية المتعاقبة التي انتهت بانقلاب عسكري خططه ونفذه تنظيم الإخوان المتأسلمين دون أن يظهر في الصورة، بل ظلّ الترابي داخل السجن حتى استقرت أوضاع الحكم قبل أن يدخل إلى الساحة بعدما ضمن اندفاع الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لتأييد الانقلابيين، وما تبع ذلك التأييد من جهد مصري كبير لضمان اعتراف الدول العربية والإقليمية والعالمية بالانقلاب العسكري الذي أنهى ديمقراطية وليدة.

وبدأ الحكم العسكري الإخواني بسياسة القبضة الحديدية واستخدام العنف وتحدّي الجميع، فقام بإلغاء تراخيص الأحزاب، وعطّل عمل القوى السياسية، وبدأ في أخونة الوظائف العامة تحت مسمى قانون الصالح العام الذي استبدل فيه الكثير من العاملين خاصة في الوظائف المفصلية، بمن يدينون له بالولاء، وفرض حالة الطوارئ، وقام بإعدام أكثر من عشرين ضابطا مع مطلع أول رمضان قابله، وهو لم يضع رجليه على الحكم رغم مناشدات الدول الشقيقة والصديقة، وبدأ في إدارة الدولة بشكل إقطاعي أقصى معه كل من يخالفه الرأي.

وفي تلك الفترة جعل الإخوان من البلاد ملجأ للمتشددين المناوئين لأنظمة حكم بلادهم، وفي كنفهم وُلد تنظيم القاعدة، وبأيديهم أيضا شهد بدايات سقوطه، وبأيديهم أيضا تم القبض على كارلوس وتسليمه للسلطات الفرنسية، وأيضا عباسي مدني وراشد الغنوشي، وغيرهh من الأسماء التي أسهمت في إيصال المنطقة إلى وضعها الحالي.

وجاءت أحداث الخليج عندما غزا العراق الكويت وتصنيف موقف الحكومة السودانية ضمن الدول الخمس التي عزفت نشازا في تجانس المنطقة، ولاحتضانها المتشددين فرضت عليها دول العالم الكبرى عقوبات اقتصادية، غير أن حكومة الإخوان نجحت في البقاء رغم شدّة هبوب المتغيرات التي واكبتها، وأجادت فن المراوغة واللعب السياسي مع الدول العظمى ذات التأثير والقرار.

ورغم النجاحات الخارجية التي أحرزتها حكومة الإخوان السودانية إلا أنها على المستوى الداخلي فشلت فشلا ذريعا، فانفرادها بالسلطة جاء بنظرية السياسة الاقتصادية حيث قبضت على كل المفاصل الاقتصادية وفرضت أتباعها، وأفقرت كل معارضيها، وبدأت في استخدام سياسة فرّق تسُد، فأفقرت الأحزاب السياسية المحظورة، وضيّقت كثيرا على قادتها الذين اضطروا للهجرة.

ثم تعمدت تهجير المعارضين، وركزت الخدمات في عاصمة البلاد، ما اضطر سكان المناطق الأخرى لهجر الزراعة والرعي وكافة المهن الأخرى، والانتقال إلى العاصمة، وهو ما مكنها من السيطرة على الكثير من المجموعات، ثم بدأت بالتضييق على الآخرين، فارتفعت الأسعار، وبات غير الموالي لا يجد وظيفة ولا مصدرا للرزق، وحتى لو حاول الاعتماد على العمل الحر فإن الجباية تلاحقه وتمنعه من العمل فيضطر إما إلى البطالة، أو الهجرة، أو الانتماء للحزب الحاكم ليستمتع كغيره من الموالين بحقوق المواطنة. كما تم تعطيل الصحف، والتضييق على الحريات العامة.

ورغم اختلاف عراب الإخوان الترابي الذي كوّن المؤتمر الشعبي، عن بقية المنشقين الذين كونوا المؤتمر الوطني كان بسبب عقد الترابي معاهدة مع الراحل قرنق، إلا أن الحكومة نفسها قامت بذات الفعل الذي عاقبته به وعقدت معه اتفاقية نيفاشا التي تسببت في فصل الجنوب وبداية الانهيار العام للاقتصاد السوداني، ما اضطرها لإتباع سياسة التقشّف الاقتصادي في مواجهة شعب عجز حتى عن إمكانية الحصول على السلع الأساسية المدعومة، فقامت الانتفاضة الحالية، والتي استهتر بها الحزب الحاكم في البداية، ثم استشعر خطرها فاستخدم ذلك العنف المفرط وأسقط هذا الكم من الضحايا، فهل تثير رائحة الدم ثورة الشعب، أم أنها ستخيفه وتجعله يعود إلى مكامنه خاضعا يفكّر في كيفية الحصول على سلع أساسية رُفع عنها الدعم؟


صحفي سوداني

9