هل وجدتَ الـ هذا؟

الكسل الإنساني قصة عجيبة، بعضهم صنع منه نمط حياة كما في حالة الكاتب الكسول المصري ألبير قصيري.
الجمعة 2021/02/19
قصيري لديه فلسفة خاصة للتعامل مع الحياة اليومية

في أحد البلدان الجبلية التي زرتها في الماضي، وبسبب صعوبة الحياة وخشونتها فيها، رغم الغابات والأمطار، اعتاد السكان على الكسل والبقاء في حالة خمول لفترات طويلة من السنة معتمدين على محصول “البعل” الذي لا يحتاج عناء وفلاحة، هو الانتظار فقط، الذي اعتادوا معه أيضاً على مخاطبة بعضهم البعض بالاختصارات. على سبيل المثال يقول الشاب التنبلُ لأمه البدينة وهو مستلقٍ لافاً رجلاً على رجل في الهواء “يا أمي.. أين الهذا؟” فترد عليه من بعيد من بين الحشائش التي تحيط بها وهي تجزّ منها وتأكل “تجده قرب ذاك”. فيجيبها بعد دقائق “بحثتُ عنه عند ذاك ولم أجده”. فتحلّ المسألة ببساطة وتقول “ارفع ذاك والذي قربه وستجد الهذا تحتهما”. وبعد ساعات يقول لها “الآن فهمت. وجدته”، وهكذا. لا يحتاج الاثنان إلى الأسماء، فستكلفهم عناء التذكّر.

والكسل الإنساني قصة عجيبة، بعضهم صنع منه نمط حياة كما في حالة الكاتب الكسول المصري ألبير قصيري الذي لم يكلّف خاطره حتى بتغيير المكان الذي عاش فيه منذ العام 1945 إلى أن مات في العام 2008، الغرفة رقم 58 بفندق لا لويزيان في السان جيرمان دو بريه بباريس. كما لم يتعب نفسه بطلب الحصول على الجنسية الفرنسية، وكان يقول فوق ذلك “لستُ بحاجة لأن أعيش في مصر، ولا لأن أكتب بالعربية”، مع أنه كتب ثماني روايات تُرجمت إلى 15 لغة.

وجدوا في غرفة قصيري في الفندق لحظة وفاته، صفحات من رواية لم يكمل كتابتها ولكنه عنونها هكذا “زمن ابن الكلب”، وكذلك سيناريو لفيلم وثائقي عن “أم كلثوم”، وجواز سفره، وبعض اليوميات المبعثرة. وما زال لدي فضول أن أعرف أكثر من هو ابن الكلب الذي كتب عن زمنه قصيري.

من تلك الأوراق هذه السطور التي يعبر بها قصيري عن طريقته في التفكير قبل حتى أن يرى هذا الزمن الذي نعيش فيه نحن الآن “بالنسبة إلى مختار، الطريقة الوحيدة لمقاومة أي نظام سياسي لا يمكن تصوّرها إلا في إطار الدعابة والسخرية، بعيداً عن أي سلوك أو عناء تستوجبه الثورة عادة. في الحقيقة، يتعلق الأمر بالتسلية غير المألوفة وليس اختباراً قابضاً للنفس لأجل الحفاظ على الصحة. معركته ضد الخزي السائد لا تستلزم جماعة مسلحة ولا حتى شعاراً يعلن وجودها. إنها معركة منفردة، وليس تجمعاً لكثير من الصائحين، ولكن عملية ظريفة لإنقاذ الإنسانية، من دون التماس رأيها”.

لكن من يدري فلعل قصيري لم يكن كسولاً حقا. ولعل لديه فلسفة خاصة للتعامل مع الحياة اليومية، غير فلسفة صاحبنا وأمه أعلاه.

عزيزي القارئ الكريم.. هل وجدتَ الهذا وفهمته؟

24