هل وصلتكم الرسالة؟

الاثنين 2016/10/17

في عبارة بالغة الدّلالة والخطورة، ضمن تصريح أدلى بـه ونُشر على صفحـات صحيفة “القدس العربي” (13 أكتوبر 2016)، أخذ الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة التونسي، يحاول تفسير أسباب ومسببات مظاهر التطرف الديني والتغوّل التكفيري والتّهديد الإرهابي الكوكبي، والتّدَعْوش الجارف على مشارق الأرض ومغاربها، بأنّ السّبب في كل ذلك يكمن على حدّ قـوله في أنّ “الإسلام الآن في حالة غضب، والغاضب أحيانا يخرج عن طوره، ويعبر تعبيرات غير معقولة حتى تخاله مجنونا”، مضيفا بأن “ما حصل وما تعرّض له السنة في العراق والسنة في سوريا يخل العقل”.

انطلاقا من هذا التفسير المذهل، نستطيع أن نستنبط سبع رسائل قد تبدو متناقضة أحيانا، قد تبدو أقرب إلى الهفوات غير المقصودة أحيانا أخرى، لكنها حاسمة ومُعبرة في كل الأحوال:

أوّلاً، داعش هو الإسلام بذاته وبإحدى صفاته، هو الإسلام نفسه في بعض حالاته وأحـواله.

وبمعنى واضـح صـريح فـإنّ داعش هو الإسلام بأم عينيه عندما يكون الإسلام في حالة غضب.

ما يعني، في الأخير، أننا لا يجـب أن نردد بعد الآن عبـارة “داعش لا يمثل الإسلام”؛ فإنها عبارة خاطئة ومضللة!

ثانيا، تبعا لنفس العبارة الغنّوشية (نسبة إلى راشد الغنـوشي)، واجـب علينـا أيضا أن نكـفّ عن تـرديد ذلك الاتهـام الـرائج، والـذي يقـول إن الإرهاب صنـاعة صهيونية أو أميـركية أو غربية أو حتى ماسونية، وأن نعتبـر الإرهاب ثمرة طبيعية للإسلام الغاضب!

ثالثاً، ثمة أيضا استنتاج آخر نستشفه من نفس العبارة التي أدلى بها الشيخ راشد الغنوشي، إذ يجب علينا الكف كذلك عن اعتبار الإرهاب صناعة أسدية (نسبة إلى حاكم سوريا)، طالما أنه، في الأول والأخير، ثمرة غضب أهل السنة بالذات، سواء في سوريا أو في العراق!

رابعا، الإسلام يمثله أهل السنّة حصرا وتحديدا، ولا سيما في سوريا والعراق، ما يعني أن الشيخ راشد الغنوشي يستبدل هنا منطق النقد السياسي لسلوك هذا الطرف أو ذاك، هذا النظام أو ذاك، وهو منطق سليم وبناء وضروري في كل الأحوال، بمنطق التكفير الطائفي، وهو منطق تدميري يثير النعرات ويؤجج الفتن ويصبّ في رصيد جماعات التفجيـر والتهجيـر، مـن قبيل القاعدة وداعش والنصرة وبوكو حرام وهلم جرّا وتفجيرا!

خامسا، لا أحد يغضب بلا سبب، ولا يكون سبب الغضب في الغالب إلا خارج الذات. وإذا ظهر السبب بطل العجب، لكن ليس ضروريا أن يبطل الغضب. من ثمة فالحل أن نبحث عن الخلل “خارج الإسلام”، أو “خارج المذهب السني” على الأقل، أو خارج الذات وكفى.

بعد ذلك، تتحدّد لائحة المتهمين وفق المنافع، وتتغيّر تبعا للطلب.

وفي هـذه الأوقات بالذات، يقترح الشيخ راشد الغنوشي أن يكون الخارج المتّهم هو إيران والشيعة! لعلها رسالة لاستمالة دول الخليج بعد أن سبـق إلى التحريض على أنظمتها في غمرة حماسته القرضاوية (نسبة إلى الشيخ يوسف القرضاوي) قبل سنوات مضت.

ولعلها اللعبة التي يتقنها الإسلاميون بلا منازع.

سادسا، لا يجوز لنا أن نحاسب الغاضب أكثر من اللزوم طالما أنه غير مسؤول عن غضبه، بل الغاضب ضحية الطرف الذي أثار حفيظته وأجّج نار غضبه.

ثم إن الغاضب هنا يتمتع بكل ظروف التخفيف طالما أن ما تعرض له من طرف الآخرين “يخل العقل”، وفق التعبير الغنوشي، والعقل كما هو معلوم مناط التكليف، وإذا ما اختل العقل اختل معه التكليف نفسه.

سابعا، أيّها الغرب، أيّها الحكام، أيّها الشيعة، أيّتها الأقليات، أيّتها النساء، أيّها المثقفون (وأيتها اللائحة المفتوحة على كل الاحتمالات، ووفق الطلب) نقول لكـم جميـعا:

احرصوا، حرصا شديدا، على أن تبقى أعصـابنا هـادئة باردة. افعلوا كل ما بوسعكم لكي لا يثار غضبنا. لا تثيروا غضبنا بأيّ شكل من الأشكال. احرصوا على ذلك حرصا شديدا، وبعد ذلك ستنتهي كل المشكلات.

إجمالا، وفي النهاية، فإن الأستاذ راشد الغنوشي، “كبير الوسطيين”، و“شيخ المعتدلين”، يوشك أن يحذركم من حيث يحسب أو يحتسب “لا تثيروا غضبنا... لا تثيروا غضبنا...” فهل وصلتكم الرسالة؟

كاتب مغربي

8