هل وصل التشيع في الجزائر إلى ظاهرة تدعو إلى الاستنفار

حركة التشيع في الجزائر، لم تعد خافية على العيان، ولا يختلف اثنان في أنّ السياسة الإيرانية تقف خلف هذا المد الذي يسعى ـ ومن خلال التركيز على النخب الثقافية ـ إلى تكوين نواة تخطط لقلب الخارطة المذهبية، وتغيير النسيج الاجتماعي، مستغلة بعض الثغرات القانونية والإدارية.
الجمعة 2016/08/26
إيران تعد لمشروعها على نار هادئة في الجزائر

الجزائر - لم يعد التشيع في الجزائر في مرحلته السرية، بل بدأ في الانتشار بشكل علني، تجاوز تحقيقات الأمن وعتبات القضاء، ووصل إلى ساحة الدبلوماسية، من خلال شواهد عديدة في ولايات من الجزائر، ووصل الأمر إلى فتح القضاء محضر تحقيق في قضية تهديد شرطي، يعتقد أنه اشتغل على تحقيق يخص ملف التشيع في تلمسان غرب الجزائر.

وقد انتشرت أخيرا، في بعض مساجد العاصمة الجزائر، كتيبات ومطويات شيعية، تحت عنوان “أدعية طواف وسعي”، تعلم المصلين كيفية الدعاء أثناء تأدية العمرة أو الحج، واللافت أن جزءا من محتوى هذه المنشورات كتب باللغة الفارسية.

أمّا حجم التشيع في الجزائر فهو ظاهرة حقيقية، باعتراف الكثير من فئات الشعب الجزائري، فقد بدأ يتوسع في ربوع الجزائر، بعد تشيُّع المئات من الجزائريين، بينما يصرح بعض الأئمة والمطلعين على خفايا التشيّع بأن عدد المتشيعين يصل إلى الآلاف.

أما أبرز الفئات التي تشيعت فهي الطبقة المثقفة، مثل أساتذة الجامعات، مما يعني أن الذين يقفون وراء حركة التشيّع في الجزائر يريدون بناء نواة جزائرية تكون قادرة على الأخذ بزمام المبادرة والتخطيط والتنفيذ.

يتوسع التشيع وينتشر بفضل الدعاة النشطين، الذين يعمل أغلبهم في المؤسسات التربوية، وتوفر المراجع الشيعية المتداولة كالمجلات والدوريات والكتب، وأبرزها مرآة الأنوار، مشكاة الأسرار، تفسير العسكري، مجمع البيان، تفسير الكاشي، تفسير العلوي، تفسير السعادة للخراساني، ومجمع البيان وغيرها من المراجع الأخرى التي كانت متداولة في بعض المساجد وبين عامة المصلين والطلبة، لعدم معرفة حقيقتها وخطرها على الكثير من القراء. وعلى الرغم من أن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تحاول في كل مرة أن تقلل من مخاوف انتشار المذهب الشيعي في الجزائر، فإن عددا كبيرا من المشاهد يضع الجزائر في قلق مستمر خشية نفوذ إيران فيها، والتي لن تكتفي بنشر التشيع فقط، بل ستتطور الأمور إلى تشكيل كيانات مسلحة مشابهة لما حدث في اليمن ولبنان والعراق وسوريا.

صدر منذ عامين بإشراف لجنة تقصي الحقائق عن مركز “نماء للبحوث والدراسات” كتاب بعنوان “التشيع في أفريقيا- تقرير ميداني”، أراد هذا الرصد الميداني أن يتبين الواقع الفعلي لحقيقة النشاط الشيعي في البلدان السنية، وهل يصل التشيع إلى حد الظاهرة من حيث وجوده المؤسَّسي ومدى تحوُّل السنيين فعليا إلى المذهب الشيعي، وصنف التقرير الجزائر من ضمن الدول التي يصل فيها النشاط الشيعي إلى مستوى الظاهرة، من حيث الجهود المبذولة والمؤسسات من مدارس ومساجد وحسينيات وبعثات دراسية.

لا تتوافر أرقام رسمية حول عدد الشيعة في الجزائر، وبحسب مراقبين لا يزال الحضور الشيعي محتشما في الجزائر مقارنة بذلك الحضور المسجل في بعض البلدان المغاربية كالمغرب الذي يبدو واضحا من خلال وجود ثلاث جمعيات شيعية ثقافية معترف بها على الأقل وهي “الغدير” و”البصائر” و”التواصل”.

لا تتوافر أرقام رسمية حول عدد الشيعة في الجزائر، وبحسب مراقبين لا يزال الحضور الشيعي محتشما في الجزائر مقارنة بذلك الحضور المسجل في بعض البلدان المغاربية

ظلّت السلطات الجزائرية تقلل من حقيقة حملات التشيع في الجزائر، خصوصا مع عدم ظهورها إلى العلن على شكل مجموعات تتخذ من الشارع والملتقيات طريقة للإعلان على نفسها، وتكررت التصريحات التي تبرئ إيران من الوقوف وراء حركة التشيّع في البلد، وقد أسهم بعض القائمين على المساجد والدعوة في الجزائر في تغليط الرأي العام، عندما حاولوا نفي وجود التشيّع كظاهرة في الجزائر، بل إنّ كل ما في الأمر هو تشيع بعض الأفراد، الشيء الذي أسهم في تمدد ظاهرة التشيع، خاصة أمام الفراغ القانوني والدعوي والإعلامي.

بالرغم من كل ذلك، فإن الجبهة الداخلية ترفض المنتمين إلى التشيع، ليس هذا فقط، بل إن أتباع أيّ مذهب آخر مرفوضون أيضا، على الرغم من وجود حركة مجتمع السلم “الإخوان المسلمون في الجزائر”، ذلك لأن غالبية الجزائريين تؤمن بـ”تيّار الجزأرة”، وهو الفريق الذي يطرح الإسلام من خلال خصوصية جزائريّة، ناهيك عن المحافظة على اختيار الدولة التاريخي للمذهب المالكي.

أما من الناحية القانونية، فإن بعض القضاة طالبوا بالنظر في السبل القانونية للتصدي للظاهرة،التي قد تؤدي إلى عنف معين بالمستقبل، خاصة بعد حادثة تعرض شرطي في مدينة تلمسان -حسب صحيفة الخبر الجزائرية– إلى تهديدات من أطراف متشيعة، بعد أن أزعجتها تحقيقاته حول ظاهرة التشيع.

ويكشف بومدين بوزيد، مدير الثقافة الإسلامية بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف، أن الوزارة تستعد لوقف زحف مختلف التيارات والمذاهب الدينية القادمة من الخارج إلى الجزائر، عن طريق تنظيم قوافل في الولايات الكبرى تخترق الأحياء الجامعية والثانويات، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية.

خلاصة من بحث: محمد حبوش “التشيع في الجزائر وجوده وردود أفعاله”، ضمن الكتاب 115 (يوليو 2016) ”الشرطة الدينية الجزء الثَّاني” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

13