هل وطّد الحجر العلاقة بين الأشقاء أم فاقم من خلافاتهم

الآباء والأمهات جدار الصدّ لتمتين العلاقات ونبذ الشقاق.
الأربعاء 2021/02/17
فرصة لتعزيز التعايش وتقوية الوحدة الأخوية

التعايش الجيّد بين الأشقاء حلم تتطلع جل الأسر إلى تحقيقه إلا أنه في الكثير من الأحيان تطغى الخلافات على علاقتهم مما يسبب توترا للآباء والأمهات الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة وضع صعب بسبب الإغلاق الذي فرضته جائحة كورونا. وبالرغم من تزايد خلافات الأشقاء خلال فترة الحجر، إلا أن بعض الأسر الأخرى وجدت أن أبناءها أصبحوا أكثر انسجاما وتعاونا، والأهم أكثر تحمّلا لمسؤولية بعضهم البعض.

يشعر الآباء في جميع أنحاء العالم بالقلق من التنافس بين الأشقاء الذي تزايد بسبب الحجر الصحي الذي فرضته الإجراءات الوقائية لمواجهة فايروس كورونا، وأجبرهم على تحمّل نوبات غضب لا حصر لها.

وقال المختصون إن الأشقاء قد تربطهم علاقة صداقة متينة، إلا أنه في معظم الحالات تنمو الخلافات بينهم وقد يجدون أنفسهم في النهاية يتنافسون على كل شيء، مؤكدين أنهم في معظم الأوقات يتشاجرون من أجل جذب الاهتمام.

ولفتوا إلى أنه قد يكون من المحبط حقا أن يشاهد الآباء أبناءهم يتنافسون على كل شيء، بدءا من مكانهم على مائدة الطعام وليس انتهاء بمن يستخدم الحمام أولا، مؤكدين أن التنافس بين الأشقاء لحسن الحظ لا يستمر حتى مرحلة البلوغ دائما، كما أنه سلوك يمكن تجنّبه وإدارته إذا اطلع الآباء على سبب التنافس بينهم.

وأوضحوا أن فترة الحجر قد تؤجج الصراعات بين الآباء وأطفالهم بسبب البقاء في المنزل مما ينتج مشاعر مختلفة كالغضب والحزن والقلق وغيرها.

وقال الخبراء إن جائحة كورونا، التي فرضت إجراءات وقائية وأجبرت الأسر على الانغلاق والبقاء لأشهر في المنازل، غيّرت أسلوب حياة جميع أفرادها وأجبرتهم على إنشاء طرق جديدة للتواصل. وأكد هؤلاء أنه من الطبيعي تماما أن تؤثر احتياجات الأطفال ومخاوفهم على طريقة تفاعلهم مع بعضهم البعض نظرا إلى الاختلافات بينهم. وأوضح الخبراء أن الأبناء ربما تكون لديهم سمات وجه متطابقة لكنهم قد يعالجون المشاعر والسلوكيات بشكل مختلف تماما، لذلك من الطبيعي أن يكونوا على خلاف بشأن كل شيء.

وعبّرت الكثير من الأسر عن حاجتها إلى المساعدة في تعزيز التعايش الجيد بين الإخوة، وتقليل الخصومات والمناقشات التي ظهرت أثناء فترة الحجر بينهم.

وقالت مروة بن عرفي، المختصة التونسية في علم النفس السريري، إن العالم شهد تغيرات كبيرة منذ ظهور جائحة كورونا وذلك على المستوى الصحي والاجتماعي وكذلك على مستوى العلاقات الأسرية الخارجية والداخلية.

وأوضحت لـ”العرب”، أنه بالرغم من سلبيات هذه الجائحة إلا أن لها عدة إيجابيات خاصة على مستوى العلاقات بين الناس، حيث عززت سلوك التراحم والتعاون بين الأفراد، وهو ما تجلى بوضوح في روح التضامن التي نشأت بين الناس لتجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة، وهذه من ضمن الأسباب التي جعلت الأفراد يتغلبون على الجائحة خاصة من الناحية النفسية عبر التآزر والتراحم.

مروى بن عرفي: الجائحة وطدت العلاقات بين الأشقاء وعززت تواصلهم
مروى بن عرفي: الجائحة وطدت العلاقات بين الأشقاء وعززت تواصلهم

وأضافت أنه على المستوى العائلي ومع تغيّر نسق الحياة خلال فترة الحجر والعمل عن بعد أصبح أفراد العائلة يتقابلون أكثر حتى أن بعضهم اكتشفوا عدة مميزات وصفات لم يكونوا يعرفونها عن البعض الآخر، وهو ما خلق أنشطة مشتركة وألعابا جماعية عززت التواصل ووطدت العلاقة بينهم.

وأكدت خبيرة علم النفس أن هذه الجائحة وطدت العلاقات بين الأشقاء وعززت تقاربهم وتواصلهم، وإن نشبت بينهم بعض الاختلافات والشجار أحيانا، إلا أن طول فترة الفراغ التي عاشوها جعلتهم يبحثون عن أنشطة مشتركة وألعاب جماعية ووسائل ترفيه تتطلب العمل الجامعي مما جعل العلاقة بينهم أكثرة متانة وتعلقا.

وختمت بن عرفي بالقول “صدق من قال إن في كل محنة منحة”.

وكشف عبدالهادي الكاسمي، الخبير المغربي في المرافقة التربوية، أن الإخوة تعودوا خلال الأيام العادية على اللعب مع أصدقائهم خارج البيت وممارسة مجموعة من الأنشطة، إلا أن الحجر أرغمهم على البقاء بالمنزل مما أدى إلى تأجيج الصراعات بينهم، ناصحا بعدم التدخل حين يتشاجر الأشقاء، ومن الأفضل تركهم يعالجون مشاكلهم بأنفسهم.

وأكد الكاسمي أنه في ظل الحجر الصحي والمكوث الطويل في البيت تغيّرت الكثير من السلوكيات لدى الأبناء، ولاحظ الآباء والأمهات تزايد الخلافات بين أطفالهم خاصة أولئك الذين تكون أعمارهم متقاربة.

ونصح المختص المغربي الآباء والأمهات بأن يميزوا بين حالتين من العلاقة بين الأبناء. ففي بعض الأحيان تكون العلاقة مبنية على اللعب، فيتدخل الأب والأم من أجل إبداء بعض الملاحظات فقط، أما إذا كانت العلاقة بينهم مبينة على العنف  أو الاعتداء على الآخر وعلى ممتلكاته، فيجب أن يتدخل الأب أو الأم لا من أجل الزجر أو العقاب وإنما فقط من أجل التفريق بينهم وصرف أنظارهم للمشاركة في نشاط آخر، مشدّدا على ضرورة تجنب البحث عن إصلاح الأمور لأن الوضع استثنائي ومن الأفضل البحث عن الإصلاح بعد نهاية هذه الفترة العصيبة.

وأكد خبراء التربية أن جودة العلاقات بين الأشقاء تعتمد على عوامل عدة، مثل الجنس، والفئة العمرية، والغيرة، وشخصية كل منهم، والمكانة التي يشغلونها في الأسرة، وعلى طريقة تعامل آبائهم معهم، وأشاروا إلى أن الحجر الصحي ضاعف الخلافات بين الأشقاء.

وقالت الطبيبة النفسية ماريا سالامانكا، مديرة برنامج الأسرة منظمة “قرى الأطفال” في العاصمة الإسبانية مدريد، إن “نوعية تعامل الأشقاء مع بعضهم البعض ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة العلاقة التي يمنحها الآباء لهم”، موضحة أن “الضغط العاطفي الذي سبّبه الحجر الصحي أدى إلى مضاعفة احتمال حدوث مشاكل جديدة أو منافسات بين الأشقاء، ويمكن أن يسبب الغيرة ويزداد النزاع بين الإخوة من أجل كسب اهتمام الآباء، وإذا استمر هذا الوضع طويلا فقد يؤدي إلى المزيد من السلوكيات المدمّرة”.

وأكدت سالامانكا أن هذه الظروف قد تعزز التعاطف بين الإخوة وتسهم في ظهور سلوكيات إيجابية ونشوء علاقات وثيقة في ما بينهم، وقالت “الأزمة (الحجر) التي نعيشها يمكن أن تكون فرصة عظيمة لتعزيز التعايش وتقوية الوحدة الأسرية والأخوية.. دعونا نستفيد من ذلك”.

وشدّد الخبراء على ضرورة منح الأشقاء الوقت والمساحة للمشاركة معا من دون وجود البالغين لتجنب الآثار السلبية على العلاقات الأخوية، لافتين إلى أن الصراعات متأصلة في العلاقة بينهم، لذلك على الوالدين أن يحافظا على هدوئهما ويكونا وسيطين لفض النزاعات بين الأشقاء.

وقال المختصون في علم النفس إن البقاء في المنزل بسبب الجائحة سبّب ضغوطا كبيرة لكافة أفراد الأسر بمختلف دول العالم وكان تأثيره على الأطفال مضاعفا، إلا أنه بإمكان الآباء والأمهات استغلال فترة الحجر لتعزيز العلاقة بين الإخوة، وتحويل الوقت الوفير إلى مرحلة بناء لعلاقات قوية بينهم.

وأشاروا إلى أن تفاوت الأعمار بين الأبناء قد يفرض نوعا من الفجوة بينهم، مؤكدين أن فترة الحجر قد تكون فرصة مناسبة لتقارب الأبناء وتواصلهم والاشتراك في الكثير من الأنشطة سواء الترفيهية أو الأعمال المنزلية نظرا إلى وفرة وقت الفراغ الذي يجبر الأبناء على إيجاد أنشطة مشتركة تبعدهم عن شاشات التلفزيون وتقوي الروابط بينهم.

Thumbnail

‪وأشار الخبراء إلى أن التقارب العاطفي، الذي تلتزم به الأسر منذ بداية الجائحة، لا يثير التنافس أو التوترات فحسب، بل قد يشجّع على خلق المزيد من المشاكل. ولفت المختصون إلى أن مفهوم الإخوة يلعب دورا رئيسيا في تنمية الطفل، إذ أن مشاركة العائلة والتاريخ المشترك وتجارب الحياة ذاتها تجعل الرابط القائم بينهم متينا، وتكون غالبا علاقات الأخوّة هي الأطول في حياتنا.

وقالوا إنه مع عودة الحياة تدريجيا ومتابعة الأهالي لأعمالهم داخل مؤسساتهم، مثّل ذلك فرصة أكبر لتعلم الصغار المسؤولية وأسهم في خلق روح التعاون بين الأشقاء سواء في الدراسة ومتابعة الواجبات أو في القيام بأنشطة تشاركية لتتوطد العلاقات أكثر.

وشددوا على أهمية أن تكون علاقة الأشقاء مبنية على الود والحب منذ الصغر لكي تستمر كذلك في مرحلة الكبر، مؤكدين على ضرورة أن يزرع الآباء والأمهات القيم والأخلاق الحميدة داخل نفوس الأبناء كي تكون العلاقة قوية ولا تزعزعها الظروف ولا الخلافات.

ويرى كثيرون أن بقاء جميع أفراد الأسرة لفترة طويلة معا بين جدران المنازل كفيل بتغيير الكثير من السلوكيات السلبية والخلافات المتكررة التي تحكم علاقة الأشقاء.

وقال حسين خزاعي، مختص أردني في علم الاجتماع، إن جائحة كورونا التي بدأت منذ ما يقارب العام، كانت فرصة حقيقية لتقوية أواصر العلاقات الأسرية والأخوية.

وأضاف أن المنافسة بين الأشقاء عادة ما تكون عالية بسبب التقارب العمري، وخصوصا تنافسهم على حب الوالدين، وحب التميز في شيء ما، فضلا عن تفكير الطفل أحيانا بمصلحته الشخصية من دون الالتفات إلى غيره. غير أن الظروف التي أوجدها كورونا، وتواجد أفراد العائلة لأوقات طويلة معا، مكنت الآباء من التفرغ للأبناء ومحاولة استبدال الصفات السلبية بأخرى إيجابية، والتعرف على مكامن الضعف وحتى القوة في نفوسهم، ومحاولة التقريب بينهم وتعليمهم تحمل المسؤولية تجاه الآخر.

وأوضح خزاعي أن الكثير من الآباء والأمهات استطاعوا أن يزرعوا تلك السمات في الأبناء عبر الأشهر الماضية، لجعل العلاقة بين الإخوة أكثر تماسكا وقوة، إذ يجلسون مع بعضهم البعض لوقت طويل، ويتشاركون النشاطات منذ لحظات الاستيقاظ في الدراسة وفي حل الواجبات، وعلى موائد الطعام وحتى في ألعاب الفيديو، إذ أن الوقت الذي كان يقسّم بين العائلة والأصدقاء والمدرسة وأحيانا الشارع بات كله بين العائلة والإخوة فقط.

ومن جانبه أكد المختص التربوي في الأردن الدكتور محمد أبوالسعود أن علاقة الإخوة القوية هي نتاج عائلي قوي ومدروس، وبيئة تربوية سليمة تقوم على أسس تسهم في أن يكونوا سندا لبعضهم البعض الآن وفي المستقبل.

وأكد المختص الأردني أن تحمّل الأخ الأكبر مسؤولية شقيقه الأصغر يجعله أكثر قربا منه، وقد تحقق ذلك بين العديد من الأشقاء خلال أزمة كورونا عبر مساندة بعضهم البعض في الدراسة وحل الواجبات وتقديم العون.

ونبّه الخبراء إلى أن الشجار والخلافات اليومية أمر شائع جدا بين الإخوة في جميع العائلات، لكنه يشكّل مصدر ضغوط بالنسبة إلى الآباء وعادة ما تكون الغيرة أو عدم الانتباه هي الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء المناقشات والتهديدات والمواجهات بين الأشقاء.

وأوضحوا أن العديد من الأطفال وخاصة الأقل نضجا، غالبا ما يحاولون إثارة الخلافات مع أشقائهم بهدف جلب انتباه الوالدين ودفعهما إلى القيام برد فعل ضد الشقيق الأكبر. كما أن غياب الوالدين خلال تطور هذا النزاع يمكن أن يجعلهما غير عادلين عند اتخاذ قرار معاقبة أحدهم، ما من شأنه أن يولد الضغينة بين الإخوة ويسهم في تفاقم الهوّة بينهم.

21