هل وظيفة الناقد الإضاءة الكاشفة أم الوصاية على الإبداع؟

الكاتب السوري هيثم حسين ينقد جانبا من طروحات الناقد المغربي شرف الدين مجدولين عن الرواية والتاريخ.
الأربعاء 2019/02/27
الحملة الفرنسية على مصر ودولة محمد علي شغلت الروائيين العرب

إلى أيّ حدّ يستطيع الناقد أن يتّخذ موقفا يبدو تبسيطيا في حديثه عن التاريخ في الرواية من موقع مضاد للفكرة؟ هل تراه يحوّل جانب الحِرفة إلى نقطة ضعف في عمل الروائي؟ وهل يجدي التعميم إلا في تعزيز أحكام نقدية تظلم النصوص لكونها تفتقر إلى التعيين؟ كيف نقرأ الرواية المتّكئة على التاريخ؟ هل هي خيال هارب من الأدب مفتقر إلى البراعة والإبداع، أم هي شيء آخر؟ أليس من شأن التعميم النقدي أن يجعل الناقد في موقف يتعارض مع وظيفته في مغامرة استكشاف النصوص الأدبية؟ في هذا المقال يحاول كاتبه نقد جانب من طروحات الناقد المغربي شرف الدين مجدولين في مقاله “ضدّ التاريخ” المنشور في صحيفة "العرب" اللندنية بتاريخ 16-1- 2019.

اتّخذ الناقد المغربي شرف الدين مجدولين موقفا تبسيطيا من الرواية والتاريخ معا، أطلق أحكاما تعميمية تصلح لأيّ رواية ولا تصلح لها في الوقت نفسه، والتعميم هنا تعويم للأمر، وتهرّب من أيّ مواجهة محتملة، وتملّص من مسؤولية التدقيق المفترضة.. والأحكام المعمّمة كتلك الصور النمطية الباهتة، يمكن أن يستعان بها حين تكرار جمل جاهزة، أو تصوّرات في فراغ الكتابة بعيدا عن همومها وانشغالاتها الحقيقية، وبعيدا عن الغوص في أعماق النصوص وتفكيكها..

دبّج الناقد كتابة نقدية عائمة، سائلة، تبتعد عن روح النقد، فمثلا تراه يحوّل جانب الحِرفة التي يفترض بها أن تكون نقطة قوّة بمعنى ما، إلى نقطة ضعف وتشكيك، وإلى مدخل لنسف الروايات.. ويبدو أنّ ما طرحه بورخيس من عنوان “صنعة الشعر” لا يشير إلى أيّ مضمون لأهمّية الحرفة في الكتابة الروائيّة لديه.. وحاول في السياق الإيحاء -حيث التعميم حمّال أوجه ونقائض، والتبعيض هنا لزوم التهرّب من التدقيق والمكاشفة- إلى أنّ أغلب المحترفين فاشلون، وبعض المحترفين ناجح، وأن ليس كلّ الناجحين محترفين، بل بعضهم فقط.

مكاشفة ومصارحة

خلط مجدولين في مقاله حابل المفاهيم بنابلها، وهذا ما لا يليق به كناقد يعتبر نفسه من بين “أبرز نقّاد العالم العربي”، فتحدث عن قواعد الفنّ، وعن مقدمات ونتائج وعن مطابقة تصل حدّ الإعجاز، وعن دور الحرفة في “تشويه” النتاجات الروائية، بحسب ما أوحى.. وانتقل إلى معاداة توظيف التاريخ في الرواية بشكل مطلق، مازجا بين سكّر الكتابة الروائية التي توظّف التاريخ وملحها، وذلك من دون إعارة أيّ انتباه لمكاشفة أو مصارحة أو تحديد.

دعم حديثه بتذكيره بأن العشرات من النصوص الروائية العربية اليوم بعيدة عن جوهر الكتابة العميقة التي يريدها، وكأنّه مقياس ما يجب أو لا يجب، أو مركز الكتابة الإبداعية، وهذا تبسيط آخر، وتمركز غير محمود، وابتعاد عن روح الإبداع نفسه، ذلك أنّ مَن لا يخوض تجربة الكتابة الروائية بكلّ ما يعترك فيها من تفاصيل ومحطات ومراحل، يمكن أن يلقي أيّ كلام أو أيّ حكم من غير احتساب أو تحسّب، طالما الحديث العائم معمّم هارب من التخصيص.

توجّه مجدولين إلى القارئ، وهذا ربّما نوع من الاحتماء به، أو زعم الدفاع عنه وعمّا يجب أن يقرأ وكيف، وهذا بدوره سلوك ينبع من وصائية وتأستذ، وكأنّ القارئ قاصر يحتاج منه إلى وصاية وإرشاد ووعظ وتوجيه، ويكون فيه تأليب غير مباشر على النتاج الروائيّ المعاصر وتسفيهه، من منطلق زعم الحرص على مستواه..

كيف لناقد ألّا يميّز بين الرواية والتأريخ!

يقدّم الكاتب "حقائقه" الروائية المتخيّلة التي تتمرّد على الصيغ المقولبة، ولا يزعم أنّ ما يطرحه هو الحقيقة المطلقة

فالرواية توظّف أحداثا ووقائع تاريخية، أو تقوم باقتفاء أو ابتعاث شخصيات تاريخية، ولا تزعم بأيّ شكل من الأشكال تملّك الماضي أو امتلاك الحقائق وإعادة تقديمها..

ألم يسمع بالتخييل التاريخي الروائيّ؟ هل يحاول فرض وصايته على خيال الروائيين بدفعهم بعيدا عن التخييل، وإبقائهم أسرى أحكام نقدية معلّبة مقولبة بعيدة عن الكتابة الإبداعية؟

لا يدّعي أيّ روائيّ أنّه مؤرّخ للمراحل الماضية من التاريخ، وحسبه أنّه يعيد إحياء أحداث أو محطّات أو شخصيات تاريخية، ويرتحل إلى أزمنتها، يقوم بتوظيفها وترهينها وإسباغ نوع من المعاصرة عليها، وذلك بتوظيفها لصالح الفنّ الروائيّ وليس تطويعها وليّ عنقها خدمة لأيّ تحايل أو تزييف..

إمتاع وإقناع

ولا يمكن لأيّ روائيّ أن يقوم بتزييف التاريخ، لأنّ الروائيّ ليس مؤرّخا رسميا للحقائق -التي يختلف عليها أيضا- كما أنّه ليس موظّفا يملي عليه ما يجب أن يفعل ويكتب، بل ينطلق من خياله وقناعته، ويكتب روايته المتخيلة، ويتخيّل ما كان وكيف كان، قد يقلب الأدوار التاريخية ويلعب بالشخصيات، فالخيال ملعبه، وقد يختلق شخصيات ووقائع وعوالم تأخذ من التاريخ وتبني عليها، لكنّها لا تزعم بأيّ شكل فصلا في السجلّات التاريخية..

يمتع الروائي بسرده ونسجه لفضاءاته، ويحاول أن يقنع من خلالها القارئ، لا أن يوهمه بأنّه يقدّم له الحقائق فقط، بل يكون الإيهام الفني جزءا من لعبة الإقناع والإمتاع، لا متصدّرا وكأنه شرعة الروائي أو عنوانه العريض.

ما الضير في محاولة الروائي “إعادة الاعتبار لأفكار وأعلام وأقوام وجغرافيات وألسنة؟” أليست الكتابة بحثا عن المعنى وعمّا وراء الأشياء والأحداث؟ ألا تنتصر للقضايا والشخصيات والأفكار التي يعتنقها صاحبها ويقوم ببناء عوالمه لخدمتها أو تصديرها؟

يختم مجدولين مقاله بما يشبه التوجيه للروائيين، وكذلك بنوع من التلقين والأستذة والتذاكي، ينوّه بما يعتبره بطريقة ما وصفته للنجاح -وهنا أيضا التعميم والتبسيط حاضران وسائدان-  يشير إلى حاجة الروائيّ إلى موهبة في “ابتداع أكوان وشخصيات وحوارات نشتهي أن نقلدها، وأن نعيشها، وأن ننتمي إلى ملكوتها، أو على الأقل أن نتعلم منها أن الفن وجد لنسيان ما جرى، وللتخلص من بلادة الحس اليومي، وأن يكون فقها جليلا للحياة”.

بأيّ حقّ يفرض مجدولين علينا كقرّاء وكتّاب نظريته “أنّ الفنّ وجد لنسيان ما جرى؟”، أليس الصراع التاريخي على التذكّر والتوثيق والتأريخ؟ ألا ينسف الفنّ نفسه حين يحصر وجوده في الدفع إلى النسيان؟ كيف يستقيم أن يكون “فقها جليلا للحياة” من دون أن يأخذ بعبر التاريخ ودروسه وأن ينهل من ذاكرته؟

يأخذ الروائيّ، أو يستلّ من التاريخ والحاضر ما يشاء، يقدّم “حقائقه” الروائية المتخيّلة التي تتمرّد على الصيغ المقولبة، يؤرّخ لعالمه المتخيّل، ولا يزعم أنّ ما يطرحه هو الحقيقة المطلقة، بل هي حقيقته التي يهندسها روائيا، ويحاول أن يكون مقنعا بسردها وتحبيك خيوطها ومحاورها، والصنعة من أدواته لإتقان نسج عوالمه، وإمتاع القارئ لا إيهامه أو تضليله، والقارئ واع وذكيّ ولمّاح ويعرف أنّه يقرأ رواية، بناؤها الخيال والتخييل، وليس الأرقام والمعادلات النقدية الرياضية، أو الأحكام المطلقة المنقطعة عن زمنها ولا تمتّ إلى روحه وتجدّده بصلة..

ختاما آمل أن تكون ملاحظاتي النقدية هنا استهلالا لحوار يساهم فيه نقّاد وروائيّون ليدلوا بدلوهم في علاقة الرواية بالتاريخ، وبينهم الناقد شرف الدين مجدولين لاستعادة روح الحوار النقدي في يوميات الثقافة العربية..

14